يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


نظرت الدولة العثمانية إلى الماسونية باعتبارها وسيلة للانضمام إلى مصاف الدول العظمى، في الوقت الذي تلاعبت فيه الماسونية بالسلاطين، فنصبت من شاءت على العرش، وغدرت بمن أرادت وسيطرت على مفاصل الدولة، احتكرت منصب الصدر الأعظم، وأحكمت قبضتها على فرق الجيش حتى وصلت في النهاية إلى الحكم فأقصت التشريعات الإسلامية وفرضت قوانينها على رقاب الجميع.
الماسونية أو Freemasons  كلمة إنجليزية تعني"البناؤون الأحرار"، وهي منظمة يتفق أعضاؤها على جملة من العقائد والأفكار تتعلق بالأخلاق والغيبيات والحياة والإيمان بخالق للكون، بينما السرية والغموض سمتان أساسيتان للمنظمة التي تلاحقها الكثير من الشائعات.
وضعت الحركة الماسونية على رأس أهدافها الاشتراك في الانقلابات السياسية والعسكرية، وإحداث أكبر قدر من التغيير في الدولة،  بينما الأصول اليهودية للحركة جعلت في مقدمة أولوياتها اختراق المشرق العربي لتغيير بنيته ولكن بتمهل وخبث، ولم تكن تستطيع أن تنجح في مرادها أبدا لو لم تفتح لها الدولة العثمانية أبوابها الواسعة، لتعمل تحت ظلها ويعتنق الكثير من الأتراك أفكارها الشاذة.

 
محفل إسكندرونة
وفقا لخليل لايكتز في مقاله بالموقع الرسمي للماسونيين الأحرار في تركيا، فإن الأجانب استغلوا الامتيازات التي منحها لهم السلاطين في إقامة المحافل الماسونية على الأرض العثمانية، حيث أنشأ مجموعة من الماسون الجنوين - سكان جزيرة جنوا، إيطاليا حاليًا -أول محفل ماسوني بالقرب من برج غلطة في إسطنبول عام 1721، ولم يتخلف الأتراك عن ركب الماسونية، ففي عام  1748 استحدث المحفل الماسوني في إسكتلندا فرعا له في حلب السورية أطلق عليه "محفل إسكندرونة" ضم بين أعضائه 28 تركيًا أبرزهم  شلبي زادة سعيد شلبي، والذي أصبح الصدر الأعظم عام 1755، ولم تستشعر الدولة العثمانية خطر الماسونية إلا بعد أن أصدر البابا كليمنت الثاني عشر أوامره بحرمان الماسون من ممارسة شعائرهم وتجريم أفكارهم في أوروبا، فقرر السلطان محمود الأول حظر أنشطتهم.

نصيحة نقشي ديل
عاد أعضاء الماسونية للظهور من جديد في الدولة العثمانية بقرار من السلطان سليم الثالث، الذي سمح لهم بممارسة أنشطتهم في العلن، بناء على نصيحة من أرملة والده - عبد الحميد الأول-  السلطانة نقشي ديل التي خدعته وهي تصور له الانتصارات التي حققتها الماسونية في أوروبا منذ الثورة الفرنسية وأقنعته بأن الماسونية هي بوابة آل عثمان للحاق بالدول العظمى كما ذكر لايكتز، وجاء السلطان محمود الثاني ليدعم الحركة بكل بما تحتاج إليه، وندم على ذلك بعد صدامه مع  الجنود الإنكشاريين بسبب الطريقة البكتاشية التي ينتمون إليها والتي تتحدث بلسان الماسونية، فقرر السلطان إغلاق المحافل وأعلن أن الماسونية لون من البكتاشية.

 

52 محفلا ماسونيا في إسطنبول
 انجرفت الدولة العثمانية مرة أخرى إلى الماسونية في عهد السلطان عبدالمجيد الأول الذي كان مولعا بالحضارة الأوروبية ونظامها العلماني، فتوسع في التعديلات القانونية والتشريعية باسم "التنظيمات" والتي انحازت للماسونية، ليصف الصدر الأعظم مصطفى رشيد باشا عام 1839 بالماسوني ويسمح للحركة بالعمل العلني من جديد في إسطنبول،  فارتفع عدد المحافل إلى 52 محفلًا.
ووفق جنكيز سيزمان في كتابه عن الدونمة والمعنون بـ"عبء الصمت" فإن ستينيات القرن التاسع عشر تعتبر العصر الذي بلغ خلاله انخراط الأتراك في المحافل الماسونية إلى ذروته، خاصة بعد أن ظهرت نتائج عصر التنظيمات على هيئة نخبة عثمانية تؤمن بالحداثة الغربية وتسعى لتثبيتها كبدائل للإسلام السياسي.

مراد الخامس.. أول سلطان ماسوني 
وفقا لمقال بوب نايرن عن الماسون في تركيا، فإنه يعد محفل "برودوس" الفرنسي في إسطنبول قبلة للنخبة الماسونية إذ ضمت عضويته 6 ممن تولوا منصب الصدر الأعظم: مدحت باشا، وكاشي زادة فؤاد باشا، وأحمد وفيق باشا، وإبراهيم حقي باشا، وتونسولو خير الدين باشا، وسعد الله باشا إضافة إلى شيخي الماسونيين: موسى كاظم أفندي ومحمود أسعد أفندي.
وتمثل النصر لمحفل "برودوس" في جذب أفراد من سلاطين الدولة العثمانية، حيث انضم إليه أبناء السلطان عبدالمجيد الأول الأمراء: مراد ونور الدين وكمال الدين واستغلتهم الحركة في تنفيذ مشروع يضعها ولأول مرة على رأس السلطة من خلال تنصيب "سلطان ماسوني".
وانتهز الفرصة كالينتي سالييري العقل المدبر للمخطط الماسوني وأبرز الأعضاء في "محفل الشرق" الفرنسي وراح ينادي بقيام دولة "بيزنطية" توحد بين اليونانيين والأتراك ويحكمها سلطان عثماني "مستنير" ووجد ضالته في الأمير مراد.
نسق سالييري مع الصدر الأعظم مدحت باشا الذي نجح في إشعال اضطرابات واسعة في العاصمة انتهت باغتيال السلطان عبدالعزيز على فراشه، وتنصيب مراد سلطانا للدولة تحت اسم "مراد الخامس"، ولكن  سالييري لم يهنأ بانتصاره أكثر من ثلاثة أشهر، إذ قاد عبدالحميد أحد أبناء السلطان المغدور انقلابا انتهى بخلع أخيه مراد وإعلان نفسه سلطانا تحت اسم عبد الحميد الثاني في عام 1876، بينما المتتبع لسياسات السلطان عبدالحميد يجدها متناقضة في التعامل مع الماسونية، فتارة يدخل معهم في صدام خوفا منهم على منصبه، وأخرى يرعاهم تقربا لأوروبا، حتى تمكنوا في نهاية الأمر من خلعه في مشهد درامي خلال عام  1909.

عبد الحميد ينتقم من مدحت الماسوني
أدرك عبدالحميد الدور الخطير الذي لعبه الماسون في قتل عمه وتنصيب أخيه مراد وبعد أن رضخ في البداية لمطالب النخبة بتأسيس برلمان وإصدار دستور للبلاد عاد سريعا وحل الأول وأوقف العمل بالثاني وانتقم من الماسوني مدحت باشا بنفيه إلى الطائف واغتياله بالسم.
تظاهر الماسونيون بالخضوع للسلطان، وعادوا إلى العمل السري تحت اسم جمعية "الشبان الأتراك" التي تحولت فيما بعد إلى "جمعية الاتحاد والترقي" وسعت جاهدة إلى اغتيال السلطان والخلاص منه. 
ومن بين المواقف المزدوجة للسلطان عبدالحميد أنه داهم محافل الماسونية في سالونيك بحثا عن أعضاء الاتحاد والترقي، بينما أفسح الطريق أمام الماسون في إسطنبول للعمل بكامل طاقتهم ولم يحاول أبدا تجريم عملهم أو إغلاق مقراتهم، وقدم تبرعات مالية كبيرة إلى المحفل الإنجليزي لإنفاقها في أغراض خيرية.
وفي عام 1908  نفذت جمعية الاتحاد والترقي انقلابا مكنها من إجبار السلطان على إعادة البرلمان والعمل بدستور 1876 من جديد، وفي العام التالي حاول السلطان القيام بانقلاب مضاد أفشله ضباط الجمعية الذين قرروا عزله نهائيا وأبلغه بالقرار في مكتبه بالقصر 5 أفراد جميعهم من الماسون.
سيطرت الماسونية على مفاصل الدولة العثمانية بعد عزل السلطان عبدالحميد، ما دفع المؤرخ الفرنسي تييري زرقون إلى استخدام لقب "الدولة الماسونية" لوصف حكومة الاتحاد والترقي بين عامي 1908 و 1918.

Qatalah