يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم تكن استقالة وزير الاقتصاد والخارجية التركي الأسبق، علي باباجان، من حزب العدالة والتنمية، مفاجئة، بل كانت متوقعة، لكنها فجّرت كثيرا من الأحداث داخل الحزب الحاكم، وكشفت عن حالة غضب مكتومة تجاه الرئيس التركي، رجب إردوغان، الذي قاد البلاد والحزب بمزيد من الاستبداد خلال الفترة الأخيرة. 

صحيفة "يني جازيت" التركية كشفت، اليوم الاثنين، أن استقالة باباجان تفتح الباب أمام استقالات قادة آخرين في الحزب، مشيرة إلى أنه من المتوقع أن ينتقل 40 نائبًا على الأقل من الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية،إلى الحزب الجديد الذي يعتزم باباجان تأسيسه رسميًا خلال الساعات المقبلة. 

باباجان، الذي شغل الشارع السياسي في تركيا خلال الفترة الأخيرة، اتخذ الخطوة المنتظرة، وأعلن اليوم عن استقالته رسميًا، فيما يترقب قادة الحزب الحاكم الخطوة المقبلة التي سيتخذها، كما ينتظرون تداعيات الاستقالة على النواب والأعضاء الغاضبين من طريقة إدارة الحزب في الفترات الأخيرة، والتي أدت إلى الهزيمة القاسية في أكبر المدن بالانتخابات البلدية التي تمت في مارس الماضي. 

بحسب الصحف التركية، فإن رئيس الجمهورية السابق عبدالله جول وباباجان يعتزمان المشاركة في رئاسة الحزب الجديد، ويعملان على استقطاب مزيد من أعضاء "العدالة والتنمية"، خصوصًا نواب الحزب في البرلمان، ستكون استقالتهم مؤثرة وقد تؤدي إلى فقدان الحزب أغلبيته البرلمانية.

حزب العدالة والتنمية يملك 295 مقعدًا في البرلمان من إجمالي 600 مقعد، ولم يتمكن من تحقيق الأغلبية (300 +1) إلا بالتحالف مع حزب الحركة القومية الذي فاز بـ49 مقعدًا في الانتخابات البرلمانية التي جرت في يونيو 2018، لتبلغ نسبة الحزبين مجتمعين من نواب البرلمان  53.6 % (344 عضوًا).

غضب مكتوم 
جول وباباجان يحاولان إقناع نواب العدالة والتنمية الغاضبين بالانتقال إلى الحزب الجديد الذي يعملون على إنشائه منذ نحو 3 أشهر، وبالتحديد منذ خسارة الانتخابات البلدية في نهاية مارس الماضي في كبرى البلديات لصالح حزب الشعب الجمهوري، إذ فقد الحزب سيطرته على رئاسة بلدية العاصمة أنقرة وكذلك إسطنبول وإزمير وأضنة وأنطاليا. 

في المقابل، تسعى إدارة حزب العدالة والتنمية جاهدة لإقناع النواب بالبقاء داخل الحزب، مع وعود بتحسين الأمور الداخلية في الفترة المقبلة، غير أن الغاضبين يزدادون يومًا بعد آخر مع توسع إردوغان في القمع، وكتمه الأصوات الناقدة، والرافضة لبعض سياساته في إدارة الحزب.  

كما يعترض عدد من النواب على الخطاب واللهجة التي يتبعها الرئيس التركي في إدارة البلاد والحزب، وكذلك يحملونه مسؤولية الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب تركيا منذ أغسطس 2018، ويؤكد النواب المعترضون أنهم يريدون الآن مواصلة رحلتهم في حزب جديد لأن إردوغان يصر على سياساته الحالية، ولا يبدو جادًا في أن يغير من طريقته. 

فور تقديمه استقالته، حذف المسؤولون في الحزب الحاكم اسم علي باباجان من قائمة الأعضاء المؤسسين المنشورة على موقعه الإلكتروني، وذلك بعد أن بقي اسمه مرتبطًا بالحزب منذ تأسيسه مع إردوغان وآخرين في 14 أغسطس 2001. 

من يستقيل مجددًا؟
صحيفة "ميللي جازيت" نقلت عن مصدر مقرب من الحزب الحاكم قوله إن الاستقالات المتوقعة داخل الحزب ستؤدي إلى انخفاض عدد ممثليه في البرلمان إلى أقل من 30% تقريبًا.

الصحفي التركي عمر توران المعروف بقربه من الحزب الحاكم قال: "إن استقالة علي باباجان من الحزب ستؤدي إلى تراجع نسبة أصوات الحزب إلى نحو 30% في غضون فترة قصيرة"، مشيرًا إلى أن العديد من الأسماء المهمة في "العدالة والتنمية" ستنضم إلى حزب باباجان.

توران تابع: "لا يمكن للحزب الذي سينشئه علي باباجان أن يحظى بشعبية كبيرة، لكنه سيحدث تأثيرًا ويعجل من انهيار حزب العدالة والتنمية بطريقة مذهلة"، متوقعًا أن يضم الحزب الوليد نوابًا نشطين من الحزب الحاكم. 

الأسماء المتوقع انضمامها إلى الحزب الجديد تشمل عددا من الوزراء السابقين البيروقراطيين، وكذلك أعضاء الحزب في إسطنبول التي شهد مرشح إردوغان فيها (بن علي يلدريم) خسارة قاسية خلال الانتخابات البلدية الأخيرة لصالح مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض أكرم إمام أوغلو الذي فاز برئاسة بلدية العاصمة الاقتصادية. 

رسميا، سينقسم حزب العدالة والتنمية اعتبارا من اليوم إلى قسمين في جميع أنحاء تركيا، وسيشكل أعضاء الحزب الحاكم المهمين في المدن المختلفة الهيكل الأساسي في حزب باباجان. 

الحليف العدو
علي باباجان ولد في التاسع من أكتوبر 1967، وأسس مع إردوغان وعبد الله جول وآخرين حزب العدالة والتنمية في أغسطس 2001، ثم تولى مسؤولية وزارة الشؤون الاقتصادية مع وصول الحزب للسلطة في نوفمبر عام 2002. 

في الفترة من أغسطس 2007 إلى مايو 2009 تولى باباجان منصب وزير الخارجية، ثم شغل منصب وزير الاقتصاد من 2009 حتى عام 2011، كما عمل مفاوضًا في ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، لذا يعده كثيرون مقنعًا للأوروبيين حال أمسك بزمام الأمور في البلاد. 

درس الهندسة الصناعية في أنقرة في ثمانينيات القرن الماضي، وعاش فترة في الولايات المتحدة لإكمال دراسته في التسعينيات ونال درجة الماجستير عام 1992، قبل أن يدخل إلى عالم السياسة ويؤسس مع أصدقائه حزب العدالة والتنمية.

بعد ذلك، انتخب عضوًا في البرلمان التركي عن مدينة أنقرة في 3 نوفمبر 2002 ، وعين مستشارًا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية ووزير دولة بعد أيام من انتخابه، ليكون أصغر عضو في مجلس الوزراء وعمره 35 عامًا فقط وقتها.

أطلق عليه الحزب لقب "صانع النهضة الاقتصادية"، بعد أن شهد الاقتصاد التركي إبان توليه منصب وزير الاقتصاد ومستشار رئيس الوزراء فترة انتعاش كبرى، إذ عمِل بشكل جاد لإحداث التطور والتنمية الاقتصادية فأصبح الدولار الأمريكي يساوي فقط 1.40 ليرة تركية (يسجل الدولار حاليًا أكثر من 5.5 ليرة)، وانخفضت الديون التركية الخارجية من 309 مليارات دولار إلى 90 مليار دولار.

مساهمة باباجان في النهضة الاقتصادية جاءت من نشاطاته المستمرة ومنها توقيع عدة اتفاقيات سياسية واقتصادية بين تركيا والاتحاد الأوروبي تشجع على التبادل التجاري والسياحي والاستثماري.

كما ساهم في تطوير مستوى الإنتاج الداخلي لتركيا، وانخفض مستوى الواردات التركية وارتفع مستوى الصادرات التركية حيث أصبح الفرق بينهما 3 مليارات و408 ملايين دولار بعدما كان 77 مليارا و40 مليون دولار، وتطور عدد الشركات الأجنبية فوصل في عام 2012  إلى 32 ألفا و 416 شركة بفضل القوانين الاقتصادية الداعمة والمُسهلة للاستثمار الأجنبي التي عمل على إصدارها.

Qatalah