يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"من يزرع الشوك يحصده"، قول يلخص حياة السلطان عثمان الثاني الذي ابتدأ حكمه بقتل أخيه محمد، لينفرد بالعرش هو وسلالته من بعده، ظنا منه أن العالم خاضع لنزواته وشهواته.

عثمان تولى الحكم شابا أرعن لا يملك رصيدا في الحكم أو الإدارة، بسبب نشأته في قصر الحريم، قلة خبرته جلبت الهزيمة على الدولة في حربها ضد بولندا وتسببت في إثارة الفوضى في العاصمة.

عشق الدماء الذي يجري في جسد السلطان دفعه للتآمر على الإنكشارية من أجل التخلص منهم، لكنهم علموا بمكيدته، فانقلبوا ضده، وانتهت حياته على يد جنوده، وبأمرٍ من والدته.

قاتل أخيه
عثمان الثاني، السلطان السادس عشر في قائمة الحكام العثمانيين، والذي أنجبه أبوه السلطان أحمد الأول من إحدى المحظيات، اعتلى العرش عام 1618 وعمره 14 عاما بعد عزل عمه السلطان مصطفى الأول بسبب الجنون، واستمر في الحكم مدة حتى عام 1622.

عثمان اشتهر بالقسوة منذ حداثته فقد كان يستخدم الأسرى والعبيد كأهداف بشرية في تدريب الرماية.

نزعة الانفراد بالحكم ظهرت مبكرا لدى الشاب عثمان، وبُعيد اعتلائه العرش أقال أتباع السلطان السابق، وعددا كبيرا من رجال الدولة، واستبدلهم بالموالين له. مصطفى أغا رئيس الخصيان المسؤول عن جناح الحريم، كان وراء إقالة السلطان وتعيين عثمان، إلا أن الآخير قام بنفيه إلى مصر.

رغبة السلطان الشاب في القوة والمجد، دفعته إلى قيادة الجيش في حملته على بولندا وقبل ذهابه خشي من استغلال مناوئيه شغور السلطة والقيام بانقلاب عليه، فطلب من شيخ الإسلام أسعد أفندي فتوى تبيح له إعدام أخيه، إلا أنه رفض، لجأ السلطان إلى قاضي الروملي، ومنحه إياها بالفعل.

هزائم ثقيلة
في السياسة الخارجية ابتدأ عهد عثمان بخسائر أمام الصفويين في إيران واضطر إلى توقيع معاهدة سيراف.
برغم أن السلام النسبي كان متوفرا في الجبهات الأوروبية، فإن السلطان الجديد صمم بخلاف مشورة وزرائه على شن الحرب ضد بولندا، وكانت خطته أن يضمها حتى يجعلها فاصلا مع القوة الروسية الناشئة.
كانت الأسباب التي استغلها عثمان لا تدعو إلى الدخول في حرب، في وقت تعاني فيه الدولة من مشاكل داخلية واضطرابات عديدة بين فرق الجيش، إلا أن الطيش والميل للقسوة الذي اشتهر بهما عثمان أعموا عينيه عن رؤية الحقائق.

الأسباب التي تذرع بها كانت المنازعات الحدودية وسرقة العبيد والماشية من جانب أتباع التتار والقوزاق في أوكرانيا وهم من رعايا ملك بولندا. لم تكن هذه الأسباب حقيقية لكن عثمان استغل نشوب حرب الثلاثين عاما في أوروبا (1618-1648) من أجل تحقيق إنجاز عسكري في الجبهات الأوروبية يمكنه من تقوية سلطته ومركزه في العاصمة أمام القوى المختلفة التي تتحكم في السلطنة.

السلطان خرج على رأس جيش عام 1621 يعد الأكبر في حجمه منذ جيوش السلطان سليمان القانوني وارتدى لباسا يخص أجداده وقاد الجيش من أدرنة وعبر الدانوب ووصل إلى أراضي بولندا وبدأ الهجوم على قلعة خوتزيم.

كتب أحد المؤرخين المعاصرين عن الأحداث أن "جند السلطان كانوا يفضلون الموت جوعا على مواجهة العدو"، فلم تضف قيادة السلطان للمعركة جديدا، وتكاسل الجنود عن القتال خوفا من العدو، واضطر السلطان للانسحاب بعد تكبده خسائر فادحة، ودخل في مفاوضات سلام مع بولندا، وعندما عاد إلى إسطنبول أعلن أنه انتصر وأقام الاحتفالات بمناسبة ذلك.

الجيش الآسيوي
عثمان قرر التخلص من الإنكشارية عقابا لهم على التخاذل في الحرب ضد بولندا، وحملهم سبب الهزيمة، متناسيا مسؤوليته عن فشل الحملة بسبب اختيار وقت قريب من فصل الشتاء لخروجها.

قرر السلطان ضرب الإنكشارية بفرق عسكرية جديدة من الموالية له وكلف دلاوار باشا حاكم إقليم ديار بكر، بتجنيد عدد من السكان الأقوياء بمعاونة حكام الأقاليم من أجل تكوين جيش آسيوي ضخم، لكي يقيم التوازن مع قوات إسطنبول، وكان المفروض ألا يقل الجيش الجديد عن 40 ألف مقاتل.

عثمان قرر استغلال الأكراد والعرب في لعبة السلطة في العاصمة، وفوض دلاوار باشا لجمع جنود من سورية ومصر والقبائل العربية. وكانت خطته التوجه إلى ديار بكر بعد الانتهاء من تأسيس الجيش الجديد ثم يعود به إلى العاصمة لقمع الإنكشارية والسباهية.

طوال تاريخ آل عثمان لم يؤدّ أحد منهم فريضة الحج، لذلك حين أعلن عثمان رغبته في أداء الفريضة، شك قادة الحزب المناوئ له في نواياه، واعترضوا على سفره وارتابت الإنكشارية والسباهية، خاصة بعد أن صدرت الأوامر بنقل الخيام السلطانية إلى آسيا. وفي الحقيقة كان السلطان يستعد بالفعل لنقل كافة مجوهراته وكنوزه وكل ما يمكن تحويله إلى سبائك.

الإنكشارية قررت الثورة واجتمعوا في ميدان الخيل وأرسلوا طلبا للسلطان بتسليم الوزراء وعندما رفض اقتحموا قصور الصدر الأعظم والوزراء ونهبوها، فأذعن لهم السلطان خوفا على منصبه ووعودهم بالتخلي عن رحلته إلى مكة وتسليمهم الرجال المطلوبين.

رأس السلطان
نوايا عثمان الاستبدادية كانت سببا رئيسا في ثورة الإنكشارية وأدت حداثة سنه وعدم إلمامه بشؤون الحكم، إلى سوء تقدير موازين القوى.

رأس السلطان أصبح مطلبا للثائرين فاقتحموا القصر السلطاني ودخلوا أجنحة الحريم، مطالبين برجوع مصطفى، عم عثمان، سلطانا. لكنهم وجوده محبوسًا في غرفة متواضعة، ولم يذق طعاما منذ ثلاثة أيام.

قتل الثائرون الصدر الأعظم ورئيس الخصيان السود، وبحثوا عن عثمان الذي فر من القصر، فوجدوه في مخبأ في هيئة رثة مثيرة للشفقة، حيث كان يرتدي سترة تحتية خفيفة، فأعطوه عمامة وأركبوه فرسا صغيرا، وساروا به وسط إهانات الإنكشارية الساخرة.

توسل السلطان إلى الإنكشارية وخاطبهم قائلا: "سامحوني إن كنت قد أسأت إليكم بغير قصد. بالأمس كنت سلطانا واليوم أنا ذليل"، لكنهم سجنوه في سجن الأبراج السبعة، وفي الليل دخل عليه أحد القادة ويدعى داود، وقام بخنقه بناء على تفويض من السلطانة الوالدة، أم السلطان القتيل، ليكون أول سلطان يلقى حتفه على يد الإنكشارية.

المصادر :


Qatalah