يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في وقت كانت أوروبا تصحو من غفوتها غرقت سلطنة العثمانيين في الظلام وسحبت معها العالم العربي والإسلامي إلى بئر من التخلف والجهل، يشهد التاريخ أنه لا منجز علمي ولا إسهام في حركة الحضارة لدولة الأتراك، انحصر وجودها الكبير في سفك الدماء واحتلال البلدان وقتل البشر واستعباد الناس، فكان من الطبيعي أن تجد بذور الأفكار السلفية بيئة خصبة للنمو والانتشار، فظهرت حركة قاضي زاده، جذر كل الحركات الإرهابية في العالم الإسلامي.

سلفية وتخلف "قاضي زاده"
ظهرت "قاضي زاده" في القرن السابع عشر، وتنسب إلى رجل الدين التركي قاضي زاده محمد أفندي المتوفى 1635، وهي حركة دينية متشددة قامت لبعث الرؤية السلفية للإسلام، وفق دراسة "عثمانيون وسلفيون" لكريم عبد المجيد. 
أثرت الحركة في سياسات الدولة العثمانية داخليا وخارجيا، بالاعتماد على أفكار رجل الدين التركي محمد أفندي البركوي المتوفى 1573، الذي انتهج رؤية سلفية مستمدة من أفكار لم تكن محل إجماع فقهاء الأمة.
تبنت الجماعة فهماً محدوداً للإسلام وأعلنت العداء للصوفية وسعت لفرض رؤية رجعية على حياة الفرد، من خلال منع المقاهي وهدم التكايا ومهاجمة المخالفين، واستخدمت القوة ضد خصومها، ما أثار مخاوف اندلاع فتنة تؤدي إلى حرب أهلية داخل المجتمع العثماني، كما ذكر محمد داود كوري في كتابه "دعوة جماعة قاضي زاده الإصلاحية في الدولة العثمانية".


نشطت الجماعة في صفوف وعاظ المساجد، وانتشرت بين السكان في تركيا والمدن الخاضعة للسلطنة، وسعت للقضاء على الطرق الصوفية، ومحاربة ممارسات التصوف من احترام الأولياء والتبرك بهم، ومنعهم من ذكر الله في حلقات الإنشاد، ولم تقبل بالعادات الاجتماعية المستحدثة مثل شرب القهوة وشنت حملة على الغناء والموسيقى،  وفق عبد المجيد.
انتشر نفوذ الجماعة وحصلت على تأييد السلاطين والوزراء، ومنهم مراد الرابع الذي تبنى دعوتها وأصدر أمرا بإعدام من يشرب الدخان والقهوة وأغلق المقاهي، وجرى قتل مئات الأشخاص لمخالفتهم الأوامر في حملة صادرت حق الشعب في الحياة، إذ رغب السلطان في استغلال الحركة من أجل تثبيت هيمنته السياسية المتداعية.
تسببت الجماعة في فتن داخلية عظيمة ووقعت حروب دامية بين أتباعها والطرق الصوفية، ما اضطر السلاطين للحد من نفوذها بعدما استنفدوا أغراضهم منها، فلم يكن يهمهم الدين من قريب أو بعيد، استخدموه فقط كأداة لتلميع صورتهم، في وقت تحولت القصور العثمانية إلى مراكز لانتشار العهر والشذوذ ومعاقرة الخمر.
ألقى محمد الرابع باللوم على قيادات الجماعة حين فشل الهجوم العسكري العثماني على فيينا عام 1683، لأنها لعبت دورا في إغراء السلطان بالهجوم على عاصمة الإمبراطورية الألمانية المقدسة.

ميراث سفك الدماء
لم تخلف دولة العثمانيين ميراثا إنسانيا سوى ما انتحلته من الحضارتين العربية والفارسية، وعند مقارنتها بمعاصريها الأوروبيين نجد فرقاً شاسعاً، كان العثمانيون بإيعاز الفكر السلفي والأفكار المتطرفة التي نشأت في أحضانهم يهدمون المراصد العلمية ويقتلون العلماء ويحرمون المطبعة ويمنعون تدريس المواد العلمية ويحاربون النظريات الجديدة، بتأثير أفكار جماعة قاضي زاده.


يقول سامر عكاش في كتابه "مرصد إسطنبول هدم المرصد ورصد الهدم": ساد توازن علمي ثقافي بين الحضارات الثلاث الكبرى آنذاك، الإسلامية والأوروبية والصينية، فكانت على قدم المساواة في التطور العلمي والمعرفي حتى محطة هدم مرصد إسطنبول أواخر القرن السادس عشر، بعد ذلك بدأت أوروبا في كسر التوازن باتّباع نهج معرفي مغاير أبعدها بالتدرّج عن التراث الفكري والعلمي اليوناني الذي شاركت فيه الحضارة الإسلامية.
في نهاية عام 1580، صدرت الأوامر من الباب العالي في العاصمة العثمانية بتحريك فرقة من البحرية لهدم مرصد إسطنبول، بعد مرور خمسة أعوام على إنشائه في عهد السلطان مراد الثالث، بناء على فتوى من شيخ الإسلام قاضي أحمد شمس الدين أفندي مفادها أن المرصد سيجلب النحس على السلطنة.

الرومي يثير فتنة القاهرة
أطلقت السلطة العثمانية يد الجماعات السلفية وعلى رأسها قاضي زاده في نشر التطرف والإرهاب، وفرضت الجماعة أفكارها بالقوة وجيشت العامة لصالحها، وتغلغلت بين الجنود واستخدمتهم في مهاجمة المخالفين.
في عام 1711 تسبب واعظ من جماعة قاضي زاده في إشعال الفتنة في القاهرة، بسبب إنكاره على الشعب حب الأولياء والتبرك بهم وزيارة الأضرحة.
طالب الواعظ الذي عُرف باسم "الرومي" بهدم التكايا والأضرحة وحشد ألفا من أتباعه وأغلبهم من الجند الأتراك وهاجموا أحد مساجد الصوفية بالأسلحة، ما أدى لمقتل الإمام ونشب القتال في شوارع العاصمة المصرية وانتهت الأحداث بفرار الواعظ، حسب كتاب "دعوة جماعة قاضي زاده الإصلاحية في الدولة العثمانية".

كانت الدولة العثمانية تقف وراء رؤية جماعة قاضي زاده السلفية التي تحاول تفسير انحدار المجتمع برد الأمر إلى البدع والبعد عن تطبيق الشريعة بشكل صحيح وصارم، مع الدعوة إلى ضرورة العودة بالدين إلى نقائه الأول بتبني الرؤية السلفية، كما بين كتاب محمد كوري.
يؤكد محمد عمارة في كتابه "تيارات الفكر الإسلامي" أن الدولة العثمانية مؤسسات وشيوخاً وسلاطين، كانت تشجع الفكر المؤسس على الخرافة وتنفر من الفلسفة، وتعادي أداتها في البحث، وهو العقل. وكان فقهاء الجماعة المتشددة أدوات في يد السلطة استخدمتهم في اضطهاد الفلاسفة والمفكرين والفقهاء الرافضين لاستغلال الدين.

ورثة قاضي زاده في القرن الـ 20
دخلت أفكار جماعة قاضي زاده إلى العالم العربي، الذي تحول إلى بؤرة تخلف بسبب ممارسات العثمانيين بنشر الجهل كعملة رائجة في الولايات، وظهرت التيارات السلفية تباعا، ونقلت أفكارها من جماعة قاضي زاده، خصوصا فرض العقيدة السلفية بالقوة ومحاربة الصوفية ومعاداة طقوسها وهدم التكايا وأضرحة الأولياء وتحريم الموسيقى والغناء، ومنع الابتكارات الحديثة، ومحاربة كل ما هو جديد بزعم أنه بدعة من عمل الشيطان.
اتفق السلفيون الجدد مع جماعة قاضي زاده في أن العودة إلى حياة المسلمين - كما تصوروها هم - الأوائل كفيلة بحل مشاكل الأمة، دون أية منهجية للإصلاح أو خطط للنهضة، فضلا عن معاداة الفلسفة وعلم الكلام ونشر التشدد وفرض سلوكيات متطرفة واستخدام العنف بحق المخالف.
تلقفت الحركات السلفية المعاصرة أصول قاضي زاده، وتبنوا منهجها في القمع باسم الدين ونشر التطرف ومعاداة العلم، حتى غرقت المجتمعات الإسلامية والعربية في الجهل، مثلما كانت الدولة العثمانية.

تأثر الشيخ محمد رشيد رضا المتوفى 1935 بأفكار قاضي زاده وتلاميذه، وكان له أثر كبير في بث تعاليمها في مصر وإلهام الجماعات السلفية في العالم العربي، ويعد من أشد المدافعين عن العثمانيين وحقهم في "الخلافة"، وتباكى على سقوط دولتهم في عشرينيات القرن الماضي، ومن نفس المنهج نهل كاهن جماعة "الإخوان" سيد قطب، الذي آمن بتكفير المجتمع وضرورة تغييره بالقوة المسلحة.
انتقلت نفس الممارسات إلى الجماعات السلفية الحديثة، وشهدت مصر ظهور جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية بمبدأ نشر أفكارهم بالقوة وهاجموا غير المحجبات ودور السينما ومحال بيع الفيديو، وكل المظاهر العصرية التي لا تتفق مع فهمهم المتحجر للدين، وربما يكون النموذج الأوضح لهذه الأفكار في جماعة التكفير والهجرة، التي آمنت بضرورة فرض أفكارها الشاذة بالقوة المسلحة.

"ساعة اليد من عمل الشيطان"
سارت الحركة السلفية في العالم العربي على خطى العثمانيين في محاربة العلم، ويذكر محمد المانع في كتابه "توحيد المملكة العربية السعودية": نشأت جماعة "إخوان من أطاع الله" عام 1911 في السعودية، واتسم فكرهم بالتشدد فرفضوا كل منتجات الحداثة، وكانوا يعتبرون ساعة اليد من عمل الشيطان إذ لم يرد ذكرها في القرآن، وكانوا يرون أنه من المستحيل أن تعمل إلا بسحر، ما ينطبق على السيارات والتليفون وأجهزة اللاسلكي واختراعات كثيرة، وكانوا يدمرون خطوط التلغراف، لكن الملك عبد العزيز آل سعود قضى عليها لأنها تنشر الجهل والتخلف.
ومثل قاضي زاده وإخوان من طاع الله، حرمت الجماعات السلفية في مصر منذ عدة عقود التكنولوجيا خصوصاً التليفزيون، وتمادت حركات أخرى في تحريم كل منتجات العصر مثل جماعات التكفير والهجرة.
وحين أصبحت التكنولوجيا جزءا أساسيا من الحياة، لجأت الجماعات السلفية إلى تلفيق فكري لتبرير استخدامها، فقالت: إن الأخذ بالمخترعات الغربية مباح إنما الأخذ بالأفكار الغربية والعقلانية حرام.
نجد جذور الموقف السابق في الدولة العثمانية، التي قبلت بعد معارك طويلة بعملية التحديث، وقصرته على نقل التكنولوجيا خصوصاً الأسلحة، دون نقل المبادئ والقيم والتفكير العلمي من أوروبا، فكان هذا الفصل أحد أسباب التخلف الذي مازال جاثماً على الدول العربية.

Qatalah