يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"الغاية تبرر الوسيلة"، كان هذا شعار السلطان محمد الأول في سبيل الوصول إلى عرش الدولة العثمانية الذي صار خاليا بوفاة والده بايزيد الأول في أسر تيمورلنك. محمد قدم فروض الطاعة لقاتل أبيه في سبيل حكم إمارة في الأناضول، وشق عصا الطاعة على أخيه الأكبر سليمان الأحق بالعرش.

قدم تنازلات كبيرة لبيزنطة وجنوة والإمارات الأوروبية لمساعدته في هزيمة أخيه سليمان ثم موسى ونجح بفضل مساعداتهم في الاستئثار بالعرش بعدما سفك دماء إخوته ودماء آلاف المسلمين.

محمد رد الجميل للأوروبيين وتنازل لهم عن مساحات واسعة من الأراضي التي ضمها أجداده ومنح امتيازات تجارية كبرى للجمهوريات الإيطالية. مقابل الخنوع أمام الأوروبيين شن محمد هجمات على الإمارات الإسلامية في الأناضول قتل فيها الآلاف وشرد الكثيرين.

قاتل أشقائه
بعد موقعة أنقرة بين السلطان بايزيد الأول وتيمورلنك عام 1402 التي انتهت بهزيمة ساحقة للعثمانيين وأسر السلطان خلا العرش من حاكم وخضعت الأناضول لتيمورلنك.

السلطان بايزيد خلف أربعة أبناء (سليمان وموسى وعيسى ومحمد) وكان سليمان أحق بالحكم وفقا لقوانين العرش التي تنص على ولاية أكبر أبناء السلطان لكن الأطماع تحكمت في بقية أبناء السلطان فطالب كل واحد منهم بالعرش لنفسه وحشد حوله بعض القادة العسكريين وأمراء القبائل.

الأملاك العثمانلية في أوروبا كانت من نصيب الابن الأكبر سليمان وحكمها من العاصمة أدرنة، جزء من الأناضول كان تحت سيطرة الابن الأصغر محمد وحكمها من بورصة وشقيقهم عيسى حكم منطقة أناضولية أخرى من بالكسير وكل منهما اعترفا بسيادة تيمورلنك.

محمد أحرز نجاحات متتالية في الأناضول وهزم أخاه عيسى وضم ممتلكاته إليه واستولى على الهضبة الوسطى من أمراء محليين، وحاز على دعم الزعماء الدينيين المحليين، وأعلن نفسه سلطانا وسك عملة باسمه وأعلن خضوعه لتيمورلنك.

ذهن محمد تفتق عن خطة جريئة لضرب أخيه سليمان في ملعبه الأساسي فقام بإرسال أخيه موسى إلى أوروبا لتنظيم انقلاب على سليمان مستغلا غيابه.

موسى اتصل بزعماء البلقان المسيحيين وسلمهم رسائل من أخيه محمد فالتقى مركيا حاكم والاشيا، وستيفن لازاريفتش أمير الصرب. مصلحة الزعماء المسيحيين لم تعد مع سليمان فقد خشوا أن تزداد قوته ويعيد الحرب معهم وفضلوا دعم محمد للحفاظ على توازن القوى بين الأشقاء مما يؤدي لاستمرار الانفصال، ودبر محمد قتل أخيه سليمان.

موسى انقلب على محمد وهاجم القسطنطينية عام 1412 وأدرك الإمبراطور مانويل الثاني ما عليه موسى من قسوة وكراهية للمسيحيين فبعث برسالة إلى محمد في بروسة يدعوه فيها أن يأتي إلى سكوتاري ووعد بنقله في سفنه إلى القسطنطينية لقتال موسى.

محمد قبل العرض وأبحر على سفن بيزنطة إلى الشطر الأوروبي والتقى بأخيه موسى في معركة مهمة لكنه مني بالهزيمة واضطر للفرار إلى الأناضول على سفن بيزنطة.

محمد لجأ إلى طريقة موسى فعمل على التآمر ضده وتأليب أمراء البلقان عليه فوعد صربيا وبيزنطة بإعادة الأقاليم التي انتزعها موسى منهم. الأمراء المسيحيون قدموا العون لمحمد وساعدوه على نقل جيشه إلى ساحل البحر الأسود شمال القسطنطينية، وتقدم تجاه أدرنة، ونجح في سحق جيش يقوده شقيقه موسى، في فيزا وقتل أخاه موسى.
تربع محمد على العرش محاطا بأصدقائه الأوروبيين ويديه ملطخة بدماء اثنين من أشقائه بينما هرب الثالث إلى وسط آسيا.

عميل بيزنطة
بيزنطة لعبت الدور الأساسي في وصول محمد إلى العرش، وقامت بالوساطة مع الإمارات الأوروبية لصالحه. دبلوماسية بيزنطة لم تكن بلا مقابل، فقام محمد بإعادة جميع الأقاليم البيزنطية الواقعة حول سالونيكا والقسطنطينية على الرغم من معارضة رجال دولته.

الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني وجد في محمد حليفا، فعمل على تقوية نفوذه، وقام بطرد ابن أخيه الأمير أورخان بن سليمان، لكن الأمير وقع في يد عمه محمد، والذي قام بسمل عينيه وسجنه في آق حصار.

السلطان جدد عهود الصداقة مع صربيا ولافالاشيا وبلغاريا ودوقية جانينا، ومنح البندقية وجنوة امتيازات تجارية كبيرة.

سلطة محمد كانت هشة أمام الرعايا الذين شككوا في شرعية وصوله إلى العرش، وظهر شخص يدعى مصطفى في مقدونيا عام 1916، ادعى أنه ابن السلطان بايزيد الأول، وحصل على دعم الأمير ميرسيا الفالاشي، ودعم القائد العثماني جُنيد وعدد من الأعيان العثمانيين.

المؤرخون شككوا لاحقا في نسب مصطفى، لكن الانزعاج الذي استبد بالسلطان محمد الأول إنما يشير إلى أن مطالب مصطفى كانت حقيقية. وقعت الحرب بين السلطان ومصطفى وانتهت بهزيمة الثاني وفراره إلى سالونيك، ثم رفض حاكمها البيزنطي تسليمه للسلطان.

مانويل الثاني استغل الموقف وفرض شروطه على السلطان ورفض تسليم مصطفى وجنيد إليه وقرر التحفظ عليهما في العاصمة ومقابل ذلك طلب مانويل من محمد دفع 300 ألف أسبرة (عملة بيزنطية) سنويا، ولم يكن أمام محمد خيار وقبل صاغرا بمطالب الإمبراطور حتى يتفرغ لمواجهة حركة اجتماعية نشأت في الأناضول.

زيادة في طمأنة الأوروبيين قام السلطان بنقل عاصمته من أدرنة رأس حرب التوسع العثماني في أوروبا إلى مدينة بروسة في الأناضول.

قاتل المسلمين
لم يجد السلطان غضاضة من التنازل عن أملاك الدولة في أوروبا للأمراء المسيحيين الذين لم يكن بمقدورهم تشكيل خطر عليه، بينما لم يتسامح مع الإمارات الأناضولية المسلمة، وانتقل بجيشه إلى الأناضول لاخضاعها.

هاجم إمارة منتشا عام 1414 وأجبرها على الاعتراف بسيادته، وبمساعدة أسطول جمهورية جنوة هاجم مدينة أزمير واحتلها، ثم شن حملتين سريعتين ضد إمارة قرمان واستولى على جزء من أراضيها.

سياسة محمد الداخلية تجاه الرعايا المسلمين اتصفت بالشدة، فلم يتهاون في سحق أية حركة اجتماعية تطالب بتحسين أحوال السكان في الأناضول، في الوقت الذي كان يتنازل فيه أمام القوى الأوروبية.

في عهده ظهرت حركة اجتماعية دينية، عرفت باسم مؤسسها الشيخ بدر الدين دعت إلى تآزر الطبقات الشعبية والمساواة بين المسلمين والمسيحيين، والزهد في الماديات، ويلتف حوله الناس الذين سئموا حكم العثمانيين والكوارث التي جلبها عليهم، بدءا بتيمورلنك وحتى الحرب الأهلية بين أبناء بايزيد، وحملات السلطان محمد ضد المسلمين.

السلطان تخلى عن حصار سالونيك واتجه لمحاربة الشيخ بدر الدين الذي انتقل إلى الشطر الأوروبي وسار في ركابه أتباع كثيرون، لم يتهاون السلطان في سحق الحركة ومطاردة أتباعها وقتل كل من انتسب إليها وأعدم الشيخ بدر الدين عام 1416.

صفعة البندقية
الصراع تجدد بين البندقية والعثمانيين ووقعت مناوشات بينهما بسبب أعمال القرصنة المتبادلة وعزم السلطان على الحرب وشرع في بناء أسطول بحري في غاليبولي جلب له بحارة من كريت وجنوة واليونان وغيرها من المناطق الأوروبية.

تعرض أسطول السلطان إلى هزيمة فادحة على يد أسطول البندقية عام 1416، وأصبحت الشواطئ العثمانية مكشوفة أمام البنادقة، ولجأ السلطان إلى الإمبراطور مانويل الثاني للوساطة.

بفضل وساطة مانويل وافقت البندقية على إيقاف نشاط القرصنة ضد العثمانيين، بعدما حصلت على امتيازات تجارية إضافية في أنحاء السلطنة، ولكن ظلت مناوشات تقع بين الطرفين حتى عام 1419، التي قبل خلالها السلطان بمطالب البندقية وتنازل لها عن 38 موقعا وقلعة في ألبانيا ومناطق لوبانت وآليسيو ودريفاستو وسكوتاري.

إحدى جرائم السلطان محمد بحق الأوروبيين والمسلمين في البوسنة كانت صدور قانون الدوشرمة الذي جاء تطويرا لقانون إنشاء الإنكشارية من الأسرى المسيحيين. بعد أن قل الأسرى وتوقفت الحروب في عهد صدر قانون جمع الشباب في سن السابعة أو الثامنة من بعض المدن و الإقطاعيات المسيحية مرة كل ثلاث أو خمس سنوات. تسبب قرار السلطان في حرمان عشرات آلاف الأسر طوال التاريخ من أبنائها كما ذاقت الشعوب الإسلامية الويل على يد هؤلاء العبيد.

توفي السلطان محمد عام 1421 وخلفه من بعده ابنه مراد الثاني.

المصادر :


Qatalah