يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


المتتبع لكم الجرائم التي يرتكبها العثمانيون الجدد برئاسة رجب إردوغان، حاليًا في ليبيا وسورية، سيجد أن لها عمقا تاريخيا، حيث عمد أجداده إلى احتلال الدول العربية طمعًا في ثرواتها، وفي سبيل ذلك، أباحوا الدماء والأعراض، لكن مناهج التاريخ الليبية لم تفوت كل ذلك ورصدته، لتعلم النشء أن هؤلاء لا عهود لهم ولا أمان على مر العصور، ما جعل الطلاب الليبيين يمتعضون من سيرة آل عثمان.

مناهج التاريخ الليبية رصدت أسباب الغزو العثماني للبلاد العربية، والتي تمتعت بثروات طبيعية واقتصادية وفيرة، جعلت منها مطمعا للأتراك القادمين من البراري، بعد أن عانت أراضيهم من القحط، ولما احتلوا منطقة الأناضول نهبوا خيراتها، لكنها عجزت عن تلبية أطماع آل عثمان، الذين وضعوا أعينهم على البلاد العربية الغنية، وبات الاصطدام مع سلاطين الدولة المملوكية بمصر والشام أمرا حتميا.

طرحت مناهج التاريخ تساؤلات عدة حول ازدواجية المعايير لدى العثمانيين، ففي الوقت الذي روّج سلاطين آل عثمان لأنفسهم باعتبارهم مجاهدين في سبيل نشر الدين الإسلامي، إلا أنهم أوقفوا حروبها غربا حينما وجدوا أنفسهم في مواجهة إمبراطورية الهابسبرج القوية، وقرروا التوجه شرقا، فاحتلوا الدولة المملوكية في الشام ومصر.

خشي العثمانيون من غضب الشعوب الإسلامية، إذ كيف يبررون الاعتداء على دولة إسلامية سنية دافعت عن الإسلام ضد اعتداءات المغول والصليبيين، لكن شيوخ الضلال الأتراك روّجوا لعدة أكاذيب باطلة، فادعوا أن سلاطين المماليك يتعاونون مع الدولة الصفوية الشيعية، وقد أفتى شيخ الإسلام زنبيلي علي أفندي بتكفير سلاطين المماليك وأباح قتالهم.

قاد السلطان سليم الأول جيوش الإنكشارية واحتل الشام ومصر، لكن السلطان الذي يدعي الجهاد ذبح أكثر من 20 ألف مسلم، بالإضافة إلى آلاف المماليك المسلمين أيضا، وبرهن العثمانيون على كذب ادعاءاتهم حين أسقطوا دولة المماليك واكتفوا باقتناص بلاد العراق فقط من يد الصفويين الشيعة، بل تركوا بلاد الرافدين بلا حماية كافية، حتى إنها سقطت في يد الصفويين عدة مرات.

سلطنة أتلفها الهوى
المناهج الليبية رصدت أسباب ضعف وتدهور الدولة العثمانية، وأولها ضعف سلاطين آل عثمان، بعد أن نبذوا أمور السياسة، وانغمسوا في الملاهي والملذات، واحتجبوا في قصورهم يداعبون الجواري والغلمان، وأصبح السلاطين ألعوبة في يد السلطانات والمحظيات، وأصبح قصر طوب قابي سراي مقرا للمؤامرات والدسائس والاغتيالات السياسية والرشوة والمحسوبية.

عانت السلطنة من غياب الكفاءات الإدارية عن المشهد السياسي، بعد أن امتنع سلاطين آل عثمان عن حضور جلسات الديوان الهمايوني، وتنازلوا عن صلاحياتهم إلى الصدر الأعظم، والذي عاث فسادا في البلاد، فباع المناصب والوظائف الكبرى للمرتشين، ولحقت بعضهم قضايا فساد، بل وخانوا المسلمين وعقدوا معاهدات مع ملوك أوروبا، تضمنت تنازل السلطنة عن أراضٍ شاسعة استشهد في سبيلها آلاف المسلمين المجاهدين.

استغل الإنكشارية إهمال السلاطين لممارسة دورهم في إدارة شؤون الحكم، وبدأ أغوات الجيش يتدخلون في وضع السياسات الداخلية والخارجية للبلاد، وتحالفوا مع الحرملك لاغتيال وعزل وتنصيب السلاطين، وبات تعيين السلطان وعزله مرهونا برضى الأغوات، وشهد قصر طوب قابي ذبح 5 سلاطين على يد أغوات الإنكشارية.

فساد العثمانلية
لحق الفساد قوات الجيش العثماني، وانعدمت معايير الترقي في الرتب العسكرية، وباتت الرشوة هي السبيل الوحيد للترقي حتى منصب قائد الجيش والأسطول، كما أن كبار القادة اكتسبوا شهرتهم ومراكزهم بالتقرب من السلطان وحاشيته والولاة وليس بالخبرة والكفاءة، وتركوا دورهم في الدفاع عن حدود السلطنة، ورفعوا بنادقهم في وجه الرعية لإرهابهم ونهب ثرواتهم.

اتبع العثمانيون أساليب ملتوية وفاسدة في إدارة الولايات، وعينوا مجموعة من المرتشين لحكم الرعية، واستبد هؤلاء الولاة الأتراك الفاسدون بالأهالي، وانصرفوا عن الإصلاح وتفننوا في أساليب ابتزاز الأموال، حتى يتمكنوا من جمع أكبر قدر من المال مدة ولايتهم، وقد دفعهم إلى ذلك سياسة الدولة في كثرة العزل والتعيين، فكانوا معرضين دائما للنقل أو العزل، مما جعلهم يهتمون بمصالحهم الشخصية دون مصلحة البلاد.

لم يخفِ العثمانيون سياساتهم الاستعمارية الهادفة إلى نهب ثروات الشعوب المحتلة، فقد بنوا سياستهم على تحصيل الضرائب من الأهالي فقط، دون النظر في إصلاح أوضاعهم الاقتصادية المتدهورة، أو تقديم يد العون خلال المجاعات والأوبئة المتكررة، وكان أول أمر يتلقاه الوالي هو الإسراع في تحصيل الضرائب وإرسالها إلى إسطنبول، دون أن ينفق أي مبلغ منها على شؤون الولاية أو تطوير حياة الأهالي البائسين، وهو ما جعل الفقر والجوع والعوز أبرز معالم العصر العثماني.

أوروبا حملت مشعل العلم والمعرفة، وانطلقت منها الثورة الصناعية في العصر الحديث، لكن الوضع كان مختلف تماما في سلطنة آل عثمان، إذ تعرضت البلاد العربية لنكبة حضارية على يد العثمانيين، والذين فرضوا سياجا من التخلف والجهل على الولايات العربية، بعد أن أغلقوا المدارس والمعاهد العلمية، وطاردوا العلماء وحرقوا كتبهم ومؤلفاتهم، وهو الأمر الذي جلب الجهل والتخلف والركود في الحركة الفكرية والثقافية طوال 4 قرون.

ظلت أسباب الضعف والانحلال تنخر في جسد السلطنة حتى باتت رجل أوروبا المريض، وعجزت عن حماية حدودها، بل كادت العاصمة إسطنبول تسقط في يد الجيوش الأجنبية، وركع السلاطين تحت أقدام سفراء بريطانيا وفرنسا وروسيا، وانبطحوا أمام الأطماع الأوروبية، ومنحوهم المزيد من الامتيازات السياسية والتجارية، وأصبحت الولايات العربية تدار من العواصم الأوروبية.

أحرار العرب
واجه العثمانيون معارضة قوية في البلاد العربية، وقاد المشايخ والعلماء الجماهير الغاضبة على المستعمرين الأتراك، واعتبروهم غزاة ومحتلين، الأمر الذي أقلق سلاطين آل عثمان، فعزلوا القضاة العرب من مناصبهم، وبعثوا بمئات القضاة والعلماء إلى الولايات العربية، واستخدموهم أبواقا دعائية لسلطات الاحتلال، وروجوا إلى أن طاعة السلطان العثماني واجبة، وعليهم واجب السمع والطاعة دون جدال، وأن معصيته والاعتراض على أوامره هو خروج من الدين والملة.

ظهرت نوايا العثمانيين في اغتصاب ثروات البلاد العربية بمجرد احتلالها على يد سليم الأول وسليمان القانوني، إذ عينوا مجموعة من الخونة الذين ساعدوهم على احتلال بلادهم،  وكلفوهم بجباية الضرائب بمساعدة فرِق من الإنكشارية، والتي هجمت على القرى واستولت على ممتلكات الفلاحين دون رحمة، وسار الولاة الأتراك على نهج السفاحين الأوائل، فنهبوا أقوات الرعية وسفكوا دماءهم بمباركة إسطنبول.

تعرضت الشعوب العربية لسياسات قمع وتهميش على يد الولاة الأتراك، وعانى الأهالي ويلات الفقر والجهل والمرض، واستغاث أهالي الولايات العربية بسلاطين آل عثمان، لكنهم لم يجدوا أي أهتمام بصد اعتداءات الولاة عنهم.

أحرار العرب لم يستسلموا ورفعوا لواء الثورة، وتولى العلماء وشيوخ القبائل وزعماء العشائر قيادة الجماهير الثائرة، مطالبين باستقلال بلادهم من نير الاستعمار التركي، وشهدت الولايات عشرات الثورات والحركات الشعبية، نجح بعضها في فرض إرادة العرب، وحققوا الاستقلال عن دولة الظلم والاستعمار.

اندلعت الثورات في سائر البلاد العربية، من شرقها إلى غربها، ومن أشهر الثوار العرب، الأمير فخر الدين المعني في البقاع وحوران وفلسطين، والشيخ ظاهر العمر في فلسطين، وشيخ العرب همام وعلي بك الكبير في مصر، وعلي بن عليان وآل أفراسياب بالعراق، والأئمة الزيديون في اليمن، وعلي بن غذاهم في تونس.

المصادر :


Qatalah