يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


داخل قصور فخمة، يعيش الرئيس التركي رجب إردوغان، يأكل ما لذ وطاب من الطعام، يحتسي شرابه في أكواب من ذهب، ويسير على سجادة بملايين الليرات، وينظر بتعال خلف نوافذ - ضد الرصاص - إلى شعبه البائس.
50 مليون مواطن خارج أسوار قصوره الرئاسية يتألمون من الجوع والفقر والبطالة في حين يبحث رئيسهم عن وسائل ترفيهية جديدة يضيفها إلى مقرات إقامته التي وصلت فاتورة البذخ فيها إلى أرقام  فلكية. 
"لا تركبوا السيارات الفارهة، لا تعيشوا حياة الترف. تواضعوا، وأنفقوا أموال البلدية في الجهات اللازمة"..هذه الكلمات قالها رجب في سبتمبر 2017 بحضور رؤساء البلديات، مستثنيا نفسه، فهو يمتلك أكثر من 7 قصور رئاسية، بينها 5 في إسطنبول، فضلا عن القصر الأبيض في أنقرة، وقصره الصيفي في موغلا.

القصر الأبيض
من أكبر قصوره الرئاسية، انتقل إليه قبل 4 سنوات بعد فوزه بولايته الرئاسية الأولى عام 2014، يتكون من 8 طوابق،  4 منها تحت الأرض،  تحتوي على 1150 غرفة، وتكلف تشييده  4.5 مليار ليرة بحسب غرفة المهندسين الأتراك. 
يتفوق في المساحة والفخامة على القصر الملكي البريطاني باكنغهام بالاس بلندن، والإليزيه في باريس وقصر ملك فرنسا لويس الرابع عشر، ويعد ثاني أكبر قصر في العالم بعد مقر "سلطان بروناي"، حسب صحيفة ديلي تليجراف البريطانية.
1607 ليرات، أي ما يعادل نحو 348 دولارا، هي مصروفات القصر الأبيض كل 60 ثانية، ما يعني أنه ينفق في الدقيقة الواحدة أكثر من راتب عامل تركي يحصل على الحد الأدنى للأجور 1603 ليرات ( 347 دولارا). 
كشف تقرير لديوان عام المحاسبة التركي آواخر 2016، أن القصر أنفق خلال عام واحد 3 ملايين وألفين و878 ليرة على شراء المياه،  و3 ملايين و200 ألف و196 ليرة على التدفئة، في حين بلغت نفقات الزيوت والبنزين لسيارات الرئاسة 4 ملايين و330 ألف ليرة، إضافة إلى 9 ملايين و672 ألفا و688 ليرة على الكهرباء و 30 مليون ليرة على تنظيم الفعاليات، و30 مليونا و648 ألفا و492 ليرة على المعارض وحفلات المراسيم ، فضلا عن مليونين و214 ألفا و306 ليرات على اشتراك الهاتف، بينما دفع 580 ألفا و155 ليرة لمزودي خدمات الإنترنت.

ذكرت صحيفة سوزجو أن سعر كوب واحد مطلي بماء الذهب في القصر الأبيض يصل إلى ألف ليرة، ما يساوي مرتب عامل قادح في شهر، أما السجادة المفروشة فقد تم إنتاجها بمصانع مانيسا غرب البلاد ويغطي حجمها 4 آلاف متر مربع، تكلفة المتر الواحد منها 100 يورو.
نقابة المهندسين المعماريين الأتراك وصفت القصر بأنه يضم ملاعب للتنس وكرة القدم، و خزائن مصفحة تستخدم في البنوك والمؤسسات المالية الكبرى ويتم إنتاجها بتجهيزات خاصة حسب الحاجة، إلى جانب وجود مزرعة خيول وحمامي سباحة و بخار وغرفة ساونا وجاكوزي وقاعة سينما.

عفن الرئيس
شيده إردوغان على أراضي غابات أتاتورك التاريخية، ما جعل الدائرة الخامسة بأنقرة تصدر قرارا-  لم ينفذه الرئيس - بوقف تشييد القصر الذي لم يمنحه  مجلس الدولة التركي ترخيصا ولم يحصل على التصاريح اللازمة.
انتقد زعيم حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض كمال كليتشدار أوغلو بناء القصر الأبيض موجها حديثه إلى إردوغان: إذا كنت قد شيدته بأموال الشعب فهي خيانة، وإن كانت أموالك فهذا هو الإسراف بعينه.
أما رئيس حزب الحركة القومية دولت بهجلي فأكد على أن أنين المظلومين سيهدم قصر إردوغان الأبيض ذا الألف غرفة، لافتا إلى أن الرئيس يتعامل مع أموال الشعب على أنه ضمن ممتلكاته الخاصة، وتابع: لا توجد دولة تحكمها الديموقراطية والقانون في العالم تشهد مثل هذا العفن.
الزعيم الكردي الرئيس السابق لحزب الشعوب الديموقراطي صلاح الدين دميرطاش اتهم إردوغان ورجال حكومته بالكذب، لأنهم يزعمون أنهم يسيرون على السنة النبوية بينما يبالغون في البذخ والترف وسألهم:  هل عاش الرسول الأكرم في قصر يضم 1500 غرفة؟.
وحذر رئيس حزب الوحدة الكبرى مصطفى داستجي الرئيس وعائلته ورجاله من عقاب الله تعالى قائلا: تعيشون في قصركم الأبيض ولا تتألمون من معاناة 50 مليون تركي خارجه يقتلهم الجوع. إن الله تعالى سيحاسبكم على ذلك.

كذبة "القصر لكم"
برر إردوغان للمواطنين إقامته داخل القصر الأبيض قائلا :"هذا القصر لكم أنتم، نحن من نستخدمه اليوم، لكن سيخلفنا غدا آخرون، قدمنا لهم مشروعا باقيا، فلا تعتقدون أن ما صرف عليه إسرافا أبدا. الأجانب عندما يأتون لزيارتنا ويرون القصر يقولون: إنها حقا دولة كبيرة".
في جانب الحاشية، قال نائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم محمد علي شاهين حديثه للشعب:  مبارك على دولتنا قصر رئاسة الجمهورية الجديد. هيبة الدولة. لا تنظروا إلى ما أنفق على بناء القصر، لأنه شيد من أجل دولتنا وأمتنا.
استفز المفتي السابق إحسان أوزكس مشاعر المسلمين في العالم حين كتب على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي تويتر "فكرت اليوم لو كان سيدنا محمد بيننا هل كان سيدخل القصر الأبيض في أنقرة؟. شعرت هذا المساء عندما كنت بالقصر أنه كان سيدخله حتما، ففيه أمارات كثيرة من السنة النبوية الشريفة".

القصر الصغير
لم يكتف رجب بقصره الأبيض، وأسس على مقربة منه القصر الصغير الذي يحتوي على حمام سباحة وغرف ساونا ومساج ومدفأة، ومخزن للطعام، ومطبخ على مساحة 153 مترا مربعا، إضافة إلى نوافذه المضادة للرصاص، فيما   أوضحت غرفة مهندسي أنقرة أن قصر الضيافة الجديد مكون من 250 غرفة على مساحة 7 آلاف متر مربع، دون الكشف عن تكاليف بنائه.

300 غرفة صيفية
أبرز القصور التي يمتلكها إردوغان هو قصر صيفي شيده في أوكلوك كويو بمدينة موغلا جنوب تركيا في أبريل 2017.  أثار القصر جدلا واسعا بسبب قيام إردوغان وحاشيته بقطع 50 ألف شجرة كانت تحتل الأرض التي أقامه، ما اعتبره علماء البيئة اعتداء سافرا على الحياة النباتية.
يضم القصر الصيفي 300 غرفة حسب الإعلام التركي، وتبلغ تكلفته 12 مليونا و125 ألف ليرة، ما يعادل 3.15 مليون دولار أميركي، وفق ما كشف عنه السكرتير العام للرئاسة التركية فاتح كاسيرجا.
وهاجم  نائب حزب الشعب الجمهوري عن مدينة موغلا أكين أوستونداغ إردوغان بسبب القصر، مؤكدا أنه غير قانوني ولا يتوافق مع طبيعة المنطقة.


الحقد على قصر كوبا 
اعترف في تصريحات له - عقب زيارة لأميركا اللاتينية في فبراير 2015 - للصحافي فكرت بيلا نشرها في صحيفة ميلليت بالغيرة، قال: سحرني قصر كوبا، لقد كان غاية في الروعة، لا تمر بين الجدران أثناء سيرك داخل القصر، بل بين أشجار وأغصان وغابات. أعتقد أن التكلفة المالية للقصر تزيد على تلك التي أنفقت على المجمع الرئاسي  في بلدي - إشارة إلى قصره الأبيض -  لو كنت شاهدته قبل تشييد مجمعنا الرئاسي لكنت طلبت تشجير قصرنا بهذا الشكل.

نهب القصور التاريخية 
في سبتمبر عام 2018، تداول موقع أر تي جرتشاك أخبارا حول خضوع  11 قصرا تاريخيا لسلطة إردوغان بموجب مرسوم رئاسي صدر في يوليو 2018، من بينها دولمة بهتشه ويلديز وألهامور ويالوفا، فلوريا وماصلاق.
اتخذ رجب من قصر السلطان وحيد مكتبا له، بينما يتجه إلى تخصيص قصر يلديز التاريخي بمنطقة بشيكتاش في إسطنبول ليكون تابعا لرئاسة الجمهورية ومقرا له في إسطنبول، فضلا عن قصر يلديز الذي استخدمه السلطان عبد الحميد الثاني مركزا لإدارة البلاد على مدار ثلاثين عاما. وأعلن رجب في أغسطس الماضي  خلال الاحتفالات بذكرى معركة ملاذكرد بولاية موش التركية أنه ينوي تشييد قصر جديد في بلدة أخلاط التاريخية بولاية موش، على مساحة 5 أفدنة، في وقت يرى مراقبون هوس إردوغان بالإقامة في القصور التاريخية مسعى من إردوغان للبحث عن حلم مفقود يعيد دولة السلاطين البائدة، التي يغرم بها من صغره.

Qatalah