يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


15 أكتوبر 2018 قضية برانسون ليست المشكلة الوحيدة بين أنقرة وواشنطن

على الرغم من توتر العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية في الشهور الأخيرة، إلا أن جماعات الضغط المؤيدة لتركيا في واشنطن لم تتوقف عن  سعيها للخروج من هذا المأزق. 

عمل اللوبي التركي بقوة خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ لإيجاد سبيل لعقد لقاء بين الرئيس التركي أردوغان والرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل، بعد أن أبلغت أميركا أنقرة صراحة أنه لا سبيل لعقد أي لقاءات بين الجانبين قبل أن تتخذ تركيا خطوات ملموسة في قضية القس الأميركي أندرو برانسون، الذي تعرَّض للسجن مدة عامين في السجون التركية، والذي أطلقت تركيا سراحه بعد أن كان يخضع للإقامة الجبرية في منزله. 

من المعروف لدى الجميع أن مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، الذي يطلقون عليه اسم صقر الصقور في البيت الأبيض، وهو ثالث مستشار للأمن القومي يُعينه ترامب خلال عامين فقط، ينتهج سياسةً متشددةً تجاه تركيا؛ تقوم على عدم تقديم أي تنازلات فيما يخص قضية القس برانسون.

وقد حل بعض الضيوف الخاصين على بولتون في مكتبه المجاور للمكتب البيضاوي الخاص بترامب في البيت الأبيض. كان هؤلاء الضيوف عبارة عن مجموعة من المديرين التنفيذيين لعدد من الشركات الأميركية، التي تربطها بتركيا علاقات عمل وثيقة؛ حيث جاء هؤلاء الأشخاص كي يطلبوا من بولتون التدخل لدى ترامب لإصلاح علاقة أميركا بتركيا، آملين أن ينجح، من خلال علاقته الوطيدة مع الرئيس الأميركي، في هذا الأمر.

أعدَّ المديرون التنفيذيون، وهم من الأميركيين، أنفسهم جيداً لهذا اللقاء، وطلبوا من بولتون أن يبلغ ترامب رسالة مفادها أن تحسين العلاقة مع أردوغان يخدم المصالح القومية للولايات المتحدة الأميركية.

من المعروف أن بولتون ليس من مؤيدي الرئيس التركي أردوغان، كما أنه لا يحبذ سياساته؛ فقد أدلى بتصريح إلى قناة "فوكس نيوز" الإخبارية الأميركية ليلة 15 يوليو 2016، وهي الليلة التي تعرض فيها أردوغان لمحاولة انقلاب فاشلة من قبل الجيش، أعرب فيه عن قناعته بأن نجاح أردوغان في إجهاض حركات الجيش كان شيئاً سيّئاً. 

كان رد بولتون صادماً لممثلي الشركات الأميركية العاملة في تركيا، الذين طالبوا بانتهاج سياسة أكثر مرونة تجاه تركيا، بعد أن أخرج بولتون من جيب سترته العلوي صورة، ووضعها في مواجهتهم.

كانت هذه الصورة للقس الأميركي برانسون المحتجز في تركيا.

أعلن بولتون صراحةً لضيوفه، الذين يتمتعون بسطوة في عالم المال والأعمال، أن العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية لن تشهد أي تغير قبل أن تقوم تركيا بإطلاق سراح القس برانسون، وتسمح له بالعودة إلى وطنه. ولا نعرف إن كان بولتون يحمل صورة القس برانسون في جيبه باستمرار، أم أنه جلبها كي يُرِيها أصدقاء تركيا من المديرين التنفيذيين الأميركيين.

وعلى الرغم من وجود محتجزين آخرين في تركيا، بخلاف القس برانسون، بين مواطنين أميركيين، وأميركيين يحملون الجنسية التركية قاربت أعدادهم نصف دستة، إلا أنه من الواضح أن إصرار بولتون على الحديث عن برانسون وحده، وإخراج صورته من جيبه بهذا الشكل، كان انعكاساً لحالة الإجماع والتوافق بين المسؤولين الأميركيين خلال الأشهر الأخيرة، وتشددهم حيال هذا الموضوع.   

من ناحية أخرى، تشهد العلاقات التركية-الأميركية أسوأ حالاتها كذلك، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية في أميركا.  

ويعدّ يوم 12 أكتوبر يوماً حاسماً في تاريخ العلاقة بين البلدين؛ حيث حدد القضاء التركي = مصير القس برانسون. وفي مقابل القرار الذي صدر عن المحكمة التركية سيصدر قرارٌ آخر عن البيت الأبيض يحدد العلاقة بين البلدين، ويتوقع أن تكون هناك انفراجة على خلفية إطلاق سراح القس برانسون. 

ومن ناحية أخرى، سيكون يوم 15 أكتوبر هو التاريخ المحدد لانسحاب المعارضة المدعومة من تركيا من حدود إدلب في سوريا. وقد بدأت أنباء سحب الأسلحة الثقيلة من هذه المنطقة تتوارد بالفعل.  
ومن المنتظر كذلك أن يدخل الحظر على استيراد الطاقة من إيران حيز التنفيذ في الأسبوع الأول من شهر نوفمبر، وهو أيضاً أمر يضر بتركيا.

ومن ناحية أخرى، نحن في انتظار صدور قرار من القضاء الأميركي بشأن قضية "بنك خلق" التركي..

وعلى الطرف الآخر، ما زال لغز منبج مستمراً هو الآخر؛ فقد مر الآن ستة أشهر على خريطة الطريق التي أعلن عنها وزير الخارجية الأميركي بومبيو، ولا تزال القوات التركية والأميركية مرابطة على الحدود الشمالية للمدينة. وفي الوقت الذي تؤكد فيه وزارة الدفاع الأميركية أن القوات التركية لن تدخل إلى المدينة، نجد أن التصريحات الصادرة من تركيا تؤكد، على العكس من ذلك، أن مفتاح المدينة أصبح في يدها.

وفيما يتعلق بشرق الفرات، فمن المعروف أن الولايات المتحدة لا تشعر بالارتياح من العمليات التي تقوم بها تركيا في هذه المنطقة.

ومن المتوقع أن تتصاعد حدة خطابات أردوغان الرنانة خلال المرحلة المقبلة إذا لم تأتِ نتائج هذه المشكلات مُرضية بالنسبة إليه.

وعلى الجانب الآخر، من المنتظر أن يظهر ترامب بوجه أكثر شراسة في عام 2019 ، بعد أن يكون قد قضى عامين في تقلد مهام الرئاسة في أميركا، اكتسب خلالهما المهنية الكافية للتعامل مع مثل هذه الأمور.

وفي سياق متصل أثار نبأ ترك سفيرة أميركا في الأمم المتحدة نيكي هالي لمهام منصبها بشكل مفاجئ في التاسع من أكتوبر الجاري دهشة الكثيرين، بعد عامين لها في المنظمة الدولية، وبعد أن كانت قوتها تزداد خلالهما يوماً بعد يوم. ومن المتوقع أن يستمر ترامب خلال المرحلة المقبلة في تعيين المزيد من الأسماء والمسؤولين المعروفين بنزعتهم المتشددة في المواقع المهمة في الولايات المتحدة، وداخل الأمم المتحدة كذلك.  

ومن المنتظر، على مستوى المسؤولين رفيعي المستوى في البيت الأبيض، أن يتم عزل وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، الذي عرف باسم "المخضرم"، والذي وقف حائلاً أمام اندلاع الفوضى داخل البيت الأبيض على حد وصف الصحفي بوب ودورد في كتابه "الخوف".  

ويتردد الحديث في الوقت الراهن، وفق تصريح أدلت به مصادر مطلعة لموقع 'أحوال تركية'" عن وجود توافق على اسم بعينه؛ ليخلف ماتيس في وزارة الدفاع الأميركية. وتذكر هذه المصادر أن الجنرال المتقاعد جاك كين هو الأوفر حظاً لتولي هذا المنصب خلفاً لماتيس.

وقد تقاعد الجنرال كين في عام 2003، ويعمل في الوقت الراهن رئيساً لمعهد دراسات الحرب في واشنطن، بالإضافة إلى عمله محللاً في قناة "فوكس نيوز" الإخبارية الأميركية، وقد عرف عن كين أنه من أكثر الجمهوريين المؤيدين لسياسة ترامب. 

كان كين أول المرشحين لشغل منصب أول وزير الدفاع في عهد ترامب عام 2016، ولكنه رفض؛ لأن زوجته كانت قد توفيت حديثاً في ذلك الحين، واقتُرح آنذاك تعيين ماتيس بدلاً منه، وهو القرار الذي دعمه كين نفسه، وعدد آخر من المسؤولين. وتتردد الآن في كواليس الإدارة الأميركية أنباءٌعن تكليف كين من جديد؛ ليخلف ماتيس في وزارة الدفاع "البنتاغون". ومن المتوقع ألا يرفض كين التكليف هذه المرة.

وسنرى في حالة حصول الديمقراطيين على الأغلبية في الكونغرس، أو في مجلس الشيوخ في الانتخابات النصفية المقبلة، ما إذا كانت خطوات عزل ترامب من منصبه ستبدأ أم لا، وذلك على خلفية التحقيقات الخاصة بروسيا، التي يجريها المفتش الخاص روبرت مولر. 

على أية حال، فنحن في انتظار أيام عصيبة، سيحركها، في الأساس، الوضع في الولايات المتحدة.

نقلا عن موقع "أحوال" التركية

Qatalah