يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عندما تولى حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب إردوغان السلطة في عام 2002، كان هدفه الأكبر وضع وسائل الإعلام التركية تحت سيطرته.. الآن بعد سبعة عشر عاماً، يبدو أنه بالفعل حقق هذا الهدف، وذلك بعد أن استخدم الدولة والسلطة السياسية والاقتصادية لطرد قادة وسائل الإعلام المستقلين، ودعم أولئك الذين يتمسكون بخط حزبه بمساعدة مالية كبيرة من أموال الدولة.

هزيمة إسطنبول، لم تكن مجرد خسارة لبلدية، بل يبدو أنها كانت البداية لفرط عقِد السلطة من بين يدي العدالة والتنمية، إذ بدأت المعارضة تعي "من أين تؤكل الكتف"، ووجهت أنظارها إلى الإعلام كمحاولة لتحييده، خلال الفترة المقبلة، خصوصًا الوكالة الرسمية "الأناضول"، وتلفزيون الدولة (تي.آر.تي)، اللذين لعبا دورًا مهمًا في تزييف الحقائق طوال السنوات الماضية لتقديم إردوغان على أنه المخلص والخليفة المنتظر.

وتشهد تركيا في الوقت الحالي حراكا متصاعدا من المعارضة لإنهاء حكم إردوغان، الذي أوقع البلاد في سلسلة من الأزمات الاقتصادية والسياسية التي لا تنتهي على المستويين المحلي والخارجي.
المحكمة العليا قبلت يوم الاثنين دعوى مقدمة من حزب الشعب الجمهوري للمحكمة الدستورية (AYM) بشأن إلغاء ارتباط وكالة الأناضول الحكومية بوزارة الاتصالات التي تتبع بدورها رئاسة الجمهورية، حسب صحيفة بيرجون.

"الشعب" طالب في دعواه بإبطال وإيقاف عمل المواد الموجودة بالقرار الجمهوري رقم 33 بربط وكالة الأناضول الرسمية بوزارة الاتصالات، حيث أفادت الوكالة أن الفحص الأولي للطلب في اجتماع اللجنة العامة للمحكمة الدستورية، لم يجد عواراً في الطلب المقدم، وبناءً عليه ينتظر الطلب قرار المحكمة العليا التي ستفحص الأسانيد التي يعتمد عليها طلب الإلغاء وبناءً عليه ستصدر حكمها النهائي فيما بعد.

وفي سياق متصل كشفت وسائل إعلام تركية أن هناك استجوابا تقدم به حزب الخير يطالب بالتحقيق مع قناة "تي آر تي" الموالية للنظام، وفصل علاقتها بوزارة الاتصالات، وذلك بعد استضافة القناة لشقيق زعيم حزب العمال الكردستاني، عثمان أوجلان، في صبيحة إعادة انتخابات إسطنبول يونيو الماضي في محاولة لتوجيه الأكراد للتصويت لصالح مرشح الحزب الحاكم بن علي يلدريم والذي تلقى هزيمة تاريخية على يد مرشح حزب الشعب الجمهوري ورئيس البلدية الجديد أكرم إمام أوغلو.
لكن طلب الاستجواب رُفض بغالبية أصوات حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية.

مركز إخباري بديل
كانت المعارضة قد انتقدت التلاعب الذي مارسته وكالة الأناضول الحكومية خلال الانتخابات المحلية في 31 مارس الماضي بعرض نتائج تبرز نجاح الحزب الحاكم وتتجاهل الأرقام الحقيقية، وأعلن رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، تأسيس مركز إخباري بديل من أجل تغطية الانتخابات.

صحيفة "هالق تي في" التركية أوضحت أن إمام أوغلو أدلى بتصريحات صحافية، أوضح فيها أنه سيتم تأسيس مركز إخباري جديد ليكون بديلا عن وكالة الأناضول الرسمية ليلة الانتخابات الماضية التي فاز فيها برئاسة إسطنبول للمرة الثانية بفارق أكثر من 800 ألف صوت.
إمام أوغلو أكد ضرورة ألا تكون الأناضول هي مركز الأخبار الوحيد، لافتا إلى أهمية توسيع المراكز الإخبارية التي تغطي الانتخابات، وأنه "لا يصح أبدا أن يكون المصدر الوحيد لأخبار المواطن التركي هي الأناضول".


تحت يد إردوغان
صحيفة ديكان، كشفت، أبريل الماضي، عن منح الرئاسة التركية سلطة الإشراف وتعيين العاملين بوكالة الأناضول إلى مكتب اتصالات رئاسة الجمهورية، ونشرت الجريدة الرسمية القرار الرئاسي المتعلق بهذا الشأن.
ووفقًا لمرسوم القانون، الذي أُجري عليه بعض التعديلات، فإن مكتب الاتصالات الرئاسي سيكون مسؤولًا عن الوكالة الرسمية الأكبر والأقدم في تركيا- تأسست عام 1920- لمدة 5 أعوام، على أن يتولى المكتب الرقابة على ميزانية الوكالة سنويًا.

وبذلك، يكون لرئاسة مكتب الاتصالات بالرئاسة حق السيطرة على أنشطة الوكالة، وإدارات الميزانية والتنظيم والموارد البشرية، وسوف يحدد العقد المبرم بين المكتب الرئاسي والوكالة الرسمية الطرق التي يتم بها تعيين المسؤولين التنفيذيين بها.
ومن بين صلاحيات رئاسة مكتب الاتصالات، الإشراف على مؤسسة الإعلانات الصحافية، التي تأسست بالأناضول عام 1961 بموجب قانون رقم 195، بحجة التوزيع العادل للمساحات الإعلانية على الصحف.

صحيفة بيرجون، كشفت أيضًا في أبريل الماضي، عن معلومات صادمة أدلى بها كوادر في الأناضول، قالوا فيها إنهم لا يعرفون مصدر البيانات والأخبار التي تنشرها الوكالة، حسب صحيفة "دويتشه فيله" الألمانية الناطقة بالتركية.
غالبية الموظفين بوكالة الأناضول لا يستطيعون الوصول إلى النظام الفني الثابت الذي تُنقل عنه بيانات الانتخابات، حيث يتابع أشخاص محددون بعينهم تلك المهمة.
موظف بالوكالة صرح لصحيفة "دويتشه فيله" دون الإفصاح عن اسمه، قائلا: "لا أحد يعرف من أين تأتي هذه البيانات في الوقت الحالي، نحن نتساءل فيما بيننا عن مصدرها".

وكالة الأناضول تخدم حوالي 6 آلاف مستخدم بـ 13 لغة في 93 دولة، ولديها أكثر من 3 آلاف موظف في 100 دولة، وتنشر يوميًا 1600 خبر و2300 صورة و6 تصميمات انفوجرافيك، و400 فيديو و15 بثاً مباشراً، وتنتج الوكالة 63 بالمئة من الصور، و40 بالمئة من الأخبار المنشورة في الصحف المحلية التركية، ولديها اتفاقيات تعاون لتبادل المحتوى الإخباري مع 54 بلداً حول العالم.

رعاية مصالح الرئيس

يُسخر النظام التركي القنوات الحكومية والخاصة - بعدما سيطر عليها جميعا - في خدمة مصالحه الانتخابية والسياسية الداخلية ورعاية مخططات إردوغان في الخارج، وخلال الفترة الماضية أوكل إدارة شركات الإعلام لأتباعه تنفيذا لمخطط العثمانية الجديدة.

وتحولت الأناضول على يد إردوغان إلى منصة لنشر الأكاذيب والدعاية المضللة، وكثيرا ما توصف بأنها الآن "لسان العثمانيين الجدد للتوسع في أراضي العرب"، كما أن تي أر تي توصف بأنها "عزبة نجل إردوغان"، حيث منح بلال إردوغان صديقه إبراهيم إرين مهمة إدارتها، وأصبحت هذه الشبكة التلفزيونية المملوكة للدولة تعمل على إحياء تراث العثمانلية الزائل.
وأنتجت "تي آر تي" مسلسلات تجميل تاريخ الأتراك الدموي، كما أنشأت قنوات ومواقع عربية لغسل دماغ الجمهور العربي.

الاستخواذ وضع كل الإعلام تقريبًا تحت قبضة إردوغان، وأصبح هو الذي يعطي الأوامر لكل وسائل الإعلام في البلاد تقريباً.
واعترف إردوغان بذلك علانية سابقا، عندما أمر محطات التلفزيون التركية ببث لقطات من السدود في مقاطعة هاتاي بجنوب البلاد كرد على زعيم معارض شكك في سجل حزب العدالة والتنمية.

لسان إردوغان
تأسست في 6 أبريل 1920، أي قبل 17 يوماً من افتتاح البرلمان التركي، وفي خضم نجومية مصطفى كمال أتاتورك الذي أعلن قيام الجمهورية التركية في أكتوبر 1923، إلا أن وكالة الأناضول التي عايشت كل هذه الأحداث، أتى عليها اليوم لتحتفل بذكرى تأسيسها دون ذكر أبرز من ساهموا في تكوينها، والاهتمام فقط بـ إردوغان القابض على سلطة تركيا منذ 17 عامًا.

إردوغان عمد طوال فترة حكمه على السيطرة على الإعلام، ووضعه تحت سطوته، مع إغلاق كافة الوسائل الإعلامية المعارضة سواء صحف أو قنوات فضائية، ليكون هو فقط من يتحدث، والنتيجة أن الشعب ثار عليه في انتخابات البلديات الأخيرة، ولقنه درسًا لن ينساه.

"الأناضول" التي تسببت في جدل كبير في الانتخابات المحلية التي جرت في 31 مارس بسبب وقف بث البيانات الخاصة بنتائج إسطنبول وعدم تحديثها، بعد فوز أكرم إمام أوغلو برئاسة البلدية في الجولة الأولى فارق 13 ألف صوت، نشرت نصاً يصف أنشطتها وهيكلها مع مشتركيها في الذكرى السنوية التاسعة والتسعين لتأسيسها، تجاهلت فيه تمامًا دور أتاتورك في بناء الدولة التركية الحديثة.

صحيفة "يني تشاغ"، قالت في تقرير لها: "ومن اللافت للانتباه أنها (الأناضول) لم تذكر في نص الرسالة مؤسسها مصطفى كمال أتاتورك.. حيث جاء في نص رسالتها لإحياء الذكرى السنوية لتأسيسها أنها تخدم حوالي 6 آلاف مستخدم بـ 13 لغة في 93 دولة، ولديها أكثر من 3 آلاف موظف في 100 دولة وينشرون يوميًا 1600 خبر و2300 صورة و6 تصميمات إنفوجرافيك و400 فيديو و15 بثاً مباشراً، ولم تقترب من سيرة أتاتورك من قريب أو بعيد".

Qatalah