يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يحاول رجب إردوغان تغطية فشله السياسي والاقتصادي بشتى الطرق، ونجده هذه المرة يسعى إلى إلهاء الشعب بمشروع قناة إسطنبول الذي وصفه بأنه "مشروعي المجنون"، وتتلخص فكرته في حفر قناة في إسطنبول، تكون بدايتها من بحيرة كوجك جكمجة، وتقطع عددا من الأحياء حتى تصل إلى البحر المتوسط، كبديل لمضيق البوسفور الذي تفصله عن مشروع القناة المزعوم بضعة كيلو مترات.
المشروع الذي يخطط له الرئيس التركي، والمتوقع فشله مثل جميع مشروعاته الخائبة، يهدد بإغلاق المضيق في إسطنبول تماما أمام حركة مرور ناقلات البترول، وستكون هذه القناة حلقة الوصل بين خطوط السكك الحديدية والميناء الجوي الثالث في إسطنبول.
يقول خبراء إن المشروع المفترض الانتهاء منه عام 2023 "نذير شؤم على تركيا، بسبب المخاطر الكثيرة التي تحيط به خاصة الاقتصادية والبيئية"، وتحاول الحكومة صرف النظر عن الأضرار وتأثيراته السلبية على البيئة بمحاولة تصديرها للرأي العام التركي بوصفها "أمرا ثانويا"، وظل مشروع إردوغان المجنون مثار جدل منذ أعلن عنه عام 2011.


المخاطر البيئية
حذر علماء البيئة في تركيا وخارجها إردوغان وحكومته من آثار المشروع على البيئة، وأخطرها أنه يهدد بكارثة ستدمر ما تبقى من المساحات الخضراء في إسطنبول، وتحدث خللا دائما في النظام البيئي، فضلا عن أن شق القناة لن يتوافق مع الأسس المتبعة في تخطيط المدن، وستلحق أضرارا فادحة بالتوازن الطبيعي داخلها، وستقضي على المساحات الزراعية وأحواض المياه في المنطقة، ما يزيد من نسب التلوث.
يخشى علماء البيئة من أن يساهم مشروع القناة في تعميق أزمة المناخ العالمي، وإلحاق الضرر بمصادر المياه في المنطقة، والقضاء على أهم المراعي ومناطق إنتاج المحاصيل في إسطنبول بكاملها، لكن تحذيراتهم لم تجد أي صدى في تركيا، وخرج إردوغان ليرد على مخاوفهم ردا غريبا :"عندما ينتهي العمل في المشروع سيضيف إلى قوة بلدنا قوة أخرى". 

مغالطة الدكتاتور
لم تتوقف غطرسة إردوغان وتفرده بالقرارات المصيرية عند هذا الحد، لكنه بالغ في تحدي كل المخلصين الذين نصحوه بالعدول عن تنفيذ المشروع، وأصر على وصفه بأنه من "المشروعات الأكثر إلحاحا"، ليكون له أولية في التجهيزات اللوجستية والخطة الزمنية، ومن المقرر أن يتم طرح مناقصة بشأن أسلوب تنفيذ المشروع وتشغيله وتسليمه بنهاية العام الجاري.
أيدت الحكومة التركية المشروع واعتبرته "ذا أهمية قصوى لرفع الضغط عن مضيق البوسفور" الذي يفصل بين أوروبا وآسيا ويمر عبر إسطنبول، وهو ممر تزدحم فيه حركة مرور السفن، لكن المعارضين انتقدوا المشروع واعتبروه "محاولة لصرف الأنظار عن الأزمة الاقتصادية".


مشروع غير مجدٍ
انتقد أحد العاملين في غرفة مهندسي البيئة فرع إسطنبول ويدعى سادات دوريل مشروع القناة، وقال إنه سيشكل "ضربة كبيرة لاستمرارية الحياة الطبيعية في إسطنبول والمناطق المحيطة بها، ومن الصعب تفاديها"، وأضاف "إذا سلمنا أن هدف الحكومة من وراء المشروع إغلاق مضيق البوسفور أمام حركة ناقلات البترول تماما، فقراءة البيانات الصادرة عن الحكومة نفسها تجعلنا في دهشة، حيث أكدت ضعف حركة مرور ناقلات النفط والوقود السائل من البوسفور وتناقصها بشكل كبير"، ويتساءل "إذا كان لديهم هذا اليقين فكيف يصرون على تنفيذ المشروع؟".
يقول "دوريل" إن المسؤولين الأتراك يوهمون الشعب بأن المشروع يعوضهم عن اتفاق مونترو بأن يكون مصدر أمن للمضيق، رغم أن الحقيقة تخالف ذلك تماما، وهم يبحثون عن أية طريقة للهروب من الوضع الاقتصادي السيء، ولا يهتمون بأية آراء أخرى تثار حول المشروع، مشيرا إلى أن تكلفة إنشاء المشروع سترهق خزانة الدولة بأموال طائلة، ولن يستفيد من المشروع سوى عدد من شركات الإنشاءات الموالية والمرتبطة بمصالح مباشرة مع الحكومة، ويؤكد أن "أحدا لن يدفع أمواله مقابل المرور من قناة إسطنبول في الوقت الذي يمكنه العبور من مضيق البوسفور".


تدمير سواحل البحر الأسود
من المتوقع أن يتسبب حفر قناة إسطنبول في تدمير المنطقة الساحلية في منطقة البحر الأسود نهائيا، حسب "دوريل"، ويقول إن إردوغان يسعى لضخ المال بلا سقف للاستثمار في مثل هذه المشروعات، ما يهدد باتساع الفجوة بين الاستيراد والتصدير، وارتفاع نسبة العجز في التجارة الخارجية التركية، مشيرا إلى أن "الحكومة بدلا من البحث عن حل جذري لسد العجز في التجارة الخارجية فإنها تزعم أن واحدا من هذه المشروعات سيحقق النماء الواسع ويحل جميع المشكلات"، وبينما أعلنت حكومة إردوغان أنها خفّضت التكلفة الإجمالية للمشروع يقول "دوريل" إن الأرقام المقتطعة "هزيلة للغاية".
من المتوقع أن تتسبب قناة إسطنبول في أكبر مضاربة في الأراضي تشهدها المدينة في تاريخها، ووصلت قطعة الأرض التي كان سعرها لا يتجاوز 50 ألف ليرة تركية إلى 300 ألف، والمستفيدون من هذا المشروع فئة قليلة من رجال الصناعة والتجار وشركات الإنشاءات وشركات تشغيل الموانئ وغيرهم من أصحاب رؤوس الأموال. ويتزامن تنفيذ المشروع مع إنشاء 3 جزر بمساحة 22.5 مليون متر مربع في البوسفور، ما يهدد بتدمير سواحل مناطق بويوك جكمجة وبَي ليك دوزو ويشيل كوي بشكل كبير. 



ارتفاع حوادث النقل

ينذر مشروع قناة إسطنبول المشؤوم بتزايد حوادث شاحنات النقل، بسبب ناقلات البترول التي تحمل مواد قابلة للاشتعال، ومن المتوقع أن يؤثر على العمل في الميناء الجوي الثالث الواقع على الطرف الشمالي الشرقي للقناة، وتعاني إسطنبول مع انطلاق المرحلة الأولى من المشروع من انتشار الغبار المتطاير، ما قد يؤدي إلى الإصابة بأمراض مختلفة مثل سرطان الرئة، ومع بداية المرحلة الثانية يخشى من التأثر على الحوض المائي للمدينة بأكملها، وتعريض سدي صازلي دارا وترقوس اللذين يلبيان احتياجات إسطنبول من المياه إلى الخطر الداهم.
عند قياس مشروع إردوغان لحفر قناة إسطنبول بمشروعات عملاقة أخرى مثل قناة السويس الجديدة في مصر وتوسعة قناة بنما، نجد أن المشروع التركي لا يقدم ما يغري حركة التجارة، حيث ساهم المشروعان العملاقان في مصر وبنما في اختصار زمن مرور السفن في القناتين، الأمر الذي يغيب تماما في الحالة التركية، ولن تجد سفن التجارة وناقلات البترول ضرورة للعبور من القناة ودفع رسوم إضافية، بينما يوجد مضيق البوسفور على مقربة يسيرة منها، ولكن إردوغان يصر على المضي وراء أوهامه والاستمرار في المشروع.

Qatalah