يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


 يواصل الديكتاتور التركي رجب طيب إردوغان تزييف التاريخ وطمس الحقائق، لتحقيق أطماعه الإقليمية عن طريق اختلاق تاريخ آخر للجنس التركي والدولة العثمانية الدموية، يطمس فيه الحقائق ويروج لسردية مختلقة، حالما بفرض سطوته الديكتاتورية بإعادة خلافتهم المزعومة، والترويج لأفكار العثمانيين الجدد الرامية لإعادة دولة الخلافة المزعومة، يستعين في غزو عقول شعبه والشعوب العربية والإسلامية بالمسلسلات الدرامية، كقفاز ناعم يتسلل من خلاله لأغراضه الدنسة. 

مسلسل أرطغرل، أداة جديدة من بين الأدوات الملتوية التي سعى إردوغان من خلالها لخلق انطباعات مزيفة عن أجداده وتاريخهم الدمومي عن طريق الحكي والإثارة لجلب أكبر عدد من المشاهدين دون الالتفات إلى اعتبارات تاريخية أو وقائع ثابت،. والعمل على تأكيد الدور الذي لعبته الشعوب التركية في تاريخ المنطقة، حتى لو جاء ذلك على حساب دور بقية شعوب المنطقة، وعلى حساب حقائق التاريخ أيضًا.

"قيامة أرطغرل"، الذي تبلغ تكلفة الحلقة الواحدة منه مليونا و100 ألف ليرة تركية، كشف عن الطموحات السياسية الإقليمية لإردوغان، فعرضه في ذلك التوقيت لم يكن وليد الصدفة، لذا كانت موسيقى تتر المسلسل أول ما تغنى به الأتراك بعد مسرحية الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، بالشوارع، وعبر المحطات التلفزيونية الرسمية، ووصف الرئيس التركي المسلسل في أحد لقاءاته بأنه بمثابة ردّ على أولئك الذين يستخفون بقدرات تركيا وشعبها، فالتوظيف السياسي للمسلسل حقيقة مسلم بها في دوائر صنع القرار التركي.

إردوغان الساعي للعب دور على صعيد أوروبا والشرق الأوسط، استخدم حفنة من المنتجين والمخرجين لغسل سمعته، والترويج لهيمنة تركيا على دول جوارها، باستخدام قوتها الناعمة (المسلسلات) لتسميم العقل العربي، بدليل ترجمة حلقات مسلسل "قيامة أرطغرل" إلى العربية، فور إذاعتها بساعتين على أكثر تقدير، وإتاحة مشاهدتها على أكثر من موقع وبث إلكتروني، فلا حسابات هنا لمكسب المنتجين، فالمهم هو توصيل الرسالة السياسية التي تؤكد على هيمنة الجنس التركي وتفوقه على الجنس العربي- وهي رسالة المسلسل الأساسية.


خبراء في التاريخ والدراما انتقدوا الاستخدام السياسي الفج للدراما في تركيا، واعتبروا أن سياسة دبلجة المسلسلات التركية إلى العربية غزو فكري ممنهج، لأنها تبدو موجهة من صانع القرار في أنقرة، وكشفوا عن تخصيص ميزانيات هائلة للتسويق، واستغلال تركيا للاتفاقيات السياسية والاقتصادية مع دول عربية للترويج لما يسمى "السلطنة العثمانية الجديدة".

تزييف التاريخ
"يتنافى تماما مع الشخصية الحقيقية في الكتب التاريخية"، هكذا علقت أستاذة التاريخ والحضارة الإسلامية، حسناء الدمرداش، على مسلسل قيامة أرطغرل، وأكدت أن دولة إردوغان تدخلت في العمل الدرامي، واختصرت الإسلام في الأتراك فقط، الأمر الذي أظهر عصبيتهم العرقية، وعرى مواقفهم السياسية.

أما قبيلة قايي تحت زعامة أرطغرل، التي ظهرت في المسلسل على أنها المنقذ للإسلام، فتؤكد المصادر التاريخية أنها لم تدخل الدين الإسلامي، إلا بعد وصولها آسيا الصغرى لأنها تركت موطنها الأصلي في وسط آسيا تحت ضغط الهجمات المغولية، كما أنها لم تكن مؤثرة في صناعة الأحداث التاريخية، بل إنها لم تذكر في كتب التاريخ لأن مجمل قبائل الأتراك في الأناضول خلال هذه الفترة كانت من الضعف بمكان، وتخضع عادة لسلطان السلاجقة أو الأيوبيين.


وانتقدت الدمرداش تجاهل الخلافة العباسية خلال أحداث المسلسل، ويمكن تبرير ذلك بالعداء التاريخي للعثمانيين مع مؤسسة الخلافة العربية الشرعية، وأحصت العديد من المغالطات التاريخية، أهمها إظهار فرسان المعبد على أنهم ضعفاء للدرجة التي تجعل 3 أشخاص من التركمان يهزمون جموع جيوشهم، ما لم يحدث جملة وتفصيلا، بدليل وصف المؤرخ البريطاني ستيفن هوارث، في كتابه "فرسان الهيكل" قوة وشجاعة فرسان المعبد، واستعدادهم الدائم للقتال، بل يمكن اعتبارهم نخبة القوات الصليبية في بلاد الشام، بحسب وصف المؤرخ المسلم ابن منقذ في كتابه "الاعتبار".

ناهيك عن المحاولة المستميتة لإظهار بطولات أرطغرل الوهمية، فمن الثابت تاريخيا أن فرسان الهيكل مجموعة مسلحة ظهرت في بلاد الشام إبان فترة الحروب الصليبية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، فيما ظهر أرطغرل وقبيلته في القرن الثالث عشر، لكنها محاولة أخرى ساذجة لادعاء بطولات للسلالة العثمانية بالزعم بمشاركتها في الحروب الصليبية، رغم أنها لم تشارك فيها أبدًا، بحسب كتب التاريخ المتخصصة في هذه الفترة مثل كتاب "الكامل في التاريخ" لابن الأثير و"مفرج الكروب في أخبار بني أيوب" لابن واصل.

بينما يقول المؤرخ التركي البروفيسور أحمد شيمشيرغيل، إن مسلسل أرطغرل ليس له علاقة بالتاريخ الحقيقي، محذرا من تعلم التاريخ من المسلسلات والأفلام لأنها تُنتج وفقا للرؤى السياسية، موضحا أن معظم الأحداث التي يتم تجسيدها في المسلسل تتنافى مع الوقائع التاريخية.

وبحسب صحيفة ملييت التركية، قال شيمشيرغي، في أحد البرامج على قناة TRT1 التركية، في حضور منتج المسلسل ومستشاره التاريخي: "إن هذا المسلسل لا يمت إلى التاريخ بصلة".

وكان من ضمن الانتقادات التي وجهها المؤرخ إلى المسلسل ظهور أفراد قبيلة قايي يأكلون باليد اليسرى دائما، قائلا: "المسلمون يأكلون باليد اليمنى، باستثناء أن يكونوا في وضع المرض"، وقال صناع المسلسل تعليقا على انتقاده: "ماذا نفعل إن كان الرجل أشول؟" فأجاب المؤرخ: "أنا أتابع المسلسل لأشاهد أرطغرل، من يجسد الدور يجب أن يجسد شخصية أرطغرل وليس نفسه!".

كما انتقد "شيمشيرغيل" دخول الممثلين إلى الغرف أو المنازل في الموسم الأول دون استئذان الأمر الذي يعد صفة أساسية عند المسلمين، أو يقولون "دستور" في نفس لحظة دخوله، وإن كان تم العدول عن ذلك في المواسم الأخر،  وأكد: "لم تكن هناك علاقة بين العثمانيين وفرسان المعبد، ولكن الموسم الأول للمسلسل دار بالكامل حول فرسان المعبد".

لم يتوقف التزييف عند هذا الحد بل ورد في أحداث المسلسل في الموسم الثاني أن المغول أسروا أرطغرل، ودقوا مسمارًا في يده، يقول المؤرخ: "لو كان حدث ذلك الأمر، لكان ورد اسمه في التاريخ أرطغرل الأعرج". 
وأشار المؤرخ إلى أن الحبكة الدرامية أفقدت المسلسل المصداقية التاريخية فإن "قبيلة قايي لم تلجأ إلى الدودورغا أبدا في الكتب التاريخية،. ولكن في المسلسل ظهر عكس ذلك، كما أن قبيلة قايي لم تأسر بايجو نويان، قائد المغول في فار، ولكنهم أسروه في المسلسل".

والثابت في كتب التاريخ أن الهجمة المغولية بقيادة هولاكو حفيد جنكيزخان استطاعت أن تهزم قبائل الأتراك في الأناضول وأن تجبرهم على الخضوع لسلطان خاقان المغول الأعظم، ثم تكررت الهجمات المغولية على سلطنة سلاجقة الروم وهم من الأتراك ومختلف الإمارات التركية في الأناضول، والتي اعترفت بالخضوع لسلطان المغول، ولم ينقذ أتراك الأناضول من ذل الهيمنة المغولية، إلا المماليك سلاطين مصر والشام، الذين ردوا المغول على أعقابهم.

علاقة ابن عربي بأرطغرل
أسطورة خيالية درامية، صنعها المنتج التركي محمد بوزطاغ، في المسلسل حول الغازي أرطغرل وجنوده وقبيلته، وذلك من ناحية الأحداث وتسلسلها وطريقة سير المعارك الذي تعمد عدم إظهار تواريخها، فضلا عن تصوره الدائم طوال الأحداث بانتصار أرطغرل ومحاربيه الثلاثة، وهذا يمكننا أن نتخيله في أفلام الفانتازيا فقط، وليس في الواقع التاريخي الذي يتحمل النصر والهزيمة.

ذكر المؤرخون الأتراك أن هناك خلافا حول أسماء إخوة أرطغرل وأبنائه أيضا، ما يجعلنا نتساءل: من أين أتى لنا "بوزطاغ" بتلك الأحداث؟، فضلا عن أنه تعمد إظهار علاقة قوية بين ابن عربي وأرطغرل، ما نفته كتب التاريخ قطعا.
أفاد المؤرخون بأن ابن عربي مات عام 638 هجرية، أي بعد وفاة سليمان شاه بعامين فقط، إلا أنه مازال موجودا في المسلسل حتى عاصر ولادة عثمان بن أرطغرل العام 656 هجرية أي بعد 18 سنة من وفاة ابن عربي، فضلا عن أنه عاش آخر 15 سنة من حياته في دمشق، وذكر في العديد من الكتب التاريخية بأنه مُلحد وليس روحانيًا يطلّع على الغيب، ما يؤكد تزييف التاريخ لصالح السياسية التركية. 

إهانة الأكراد
تعمد "بوزطاغ" التقليل من شأن المسلمين غير الأتراك، ومن شأن حاكم حلب الأيوبي الملك العزيز، إلى الدرجة التي جعلت منه ساذجا مغفلا يتحكم به فرسان المعبد ويديرون قصره، وأنه لولا أرطغرل لضاع الدين الإسلامي، متناسيا دور الأيوبيين في محاربة الصليبيين، وهو فجور في استخدام الدراما التاريخية لإعادة تشكيل الماضي لصالح الحاضر، فمن المعروف أن الأيوبيين من الجنس الكردي، الذي يقمعه إردوغان حاليا في استمرار لمسلسل قمع طويل للأكراد، فمن هنا تم استخدام المسلسل كأداة للانتقام من تاريخ الأكراد الذين يعد صلاح الدين يوسف الأيوبي أشهر أبطالهم وأبطال الإسلام عموما، وما السلطان العزيز إلا ولده الذي أنفق عمره في محاربة الصليبيين.

واستمرارا لخطة التشويه كان طبيعيا أن يتم تشويه كل ما له علاقة بالأيوبيين، إذ تم إظهار قاضي حلب بأنه شخصية خبيثة تتلقى الرشوة ولا تنتهي عن ارتكاب الموبقات، لكن الثابت تاريخيا أن قاضي حلب في هذه الفترة كان بهاء الدين بن شداد، وهو أحد الأعلام الأفذاذ، فهو مؤرخ عصر صلاح الدين في كتابه الشهير "النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية"، وهو من علماء عصره الكبار، وينسب إليه أنه حول مدينة حلب إلى مجمع العلماء بإنشاء سلسلة من المعاهد الدينية، على حد وصف تلميذه ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان".

تشويه القاضي ابن شداد بعكس سيرة حياته المثبتة في بطون كتب التاريخ، كشف كيف ركز منتج المسلسل على العرق التركي في الحروب الصليبية رغم أنه تواجد على مسرح الأحداث حينذاك العرب والفرس والأكراد، متعمدًا تهميشهم.
من جانبه، قال الأكاديمي الكويتي نايف العجمي، إن المسلسل اعتمد على مدار 90 حلقة على ثلاثة أحداث رئيسية "قلعة فرسان المعبد، وأحداث حلب، وقتال المغول"، والمفاجأة أنهم مخالفون للوقائع التاريخية، ومن نسج خيال كاتب السيناريو.
"الوقائع التاريخية الحقيقية المعروضة في المواسم الأربعة لم تزد على 10 %".. هكذا أكد الباحث في التاريخ، الداعية الكويتي عبد العزيز العويد، مشيرا إلى أن أحداث قيامة أرطغرل، من نسيج خيال كاتب السيناريو.

أوضح أن المسلسل أشبه ما يكون بـ "الحكواتية"، تلك المهنة التي اشتهرت في العالم الإسلامي، ويضيفون كثيرًا من الخيال لجذب المستمعين إلى قصصهم، وأشار إلى أن منتجي المسلسل تعمدوا تجاهل ذكر الخلافة العباسية التي كان الأيوبيون والسلاجقة يقرون لها بالتبعية، كما تجاهلوا العرب الذين كانوا يشكلون نسبة كبيرة من سكان حلب حينذاك.
كما تجنب كاتب السيناريو، الحديث عن قبائل المغول التي تعد السبب الرئيس في تهجير قبيلة قايي إلى آسيا الصغرى، وذلك في الفترة ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، وعند الغزو المغولي للعالم الإسلامي، هزمت قبائل الأتراك أمامهم، وتم إجبارهم على دفع الجزية والخضوع للخاقان المغولي.

Qatalah