يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


منذ خسارة حزبه، العدالة والتنمية، رئاسة المدن الكبرى في الانتخابات المحلية التي أجريت مارس الماضي، يسعى الرئيس التركي، رجب إردوغان، إلى تجريد رؤساء وحكام البلديات من صلاحياتهم، ونقلها إلى حكومته، ليواصل قبضته على جميع مفاصل البلاد، وكذلك للسماح لرجاله بمواصلة عمليات الفساد.

في 24 مايو الماضي، مرر البرلمان التركي- الذي يهيمن عليه تحالف الشعب المكون من حزبي العدالة والتنمية الحاكم والحركة القومية- بهدوء مشروع قانون بعنوان "إدارة منطقة كابادوكيا"، والذي أصبح نافذًا في 1 يونيو الماضي. وقد قدمته وسائل الإعلام الموالية للحكومة كوسيلة لحماية المنطقة، بينما أطلقت الأصوات الناقدة إنذارات للتحذير من التهديدات المحتملة التي يفرضها القانون.

القانون كان أحد مداخل إردوغان لتجريد حكام البلديات المنتخبين من صلاحياتهم وإسنادها إلى أعضاء حكومته، بهدف التستر على عمليات الفساد الواسعة التي تتم في قطاع البناء وتخصيص الأراضي.

كما يجسد القانون حالة العداء بين إردوغان والطبيعة التي لا تتوقف، منذ توغله على المساحات الخضراء وخروج الاحتجاجات مليونية ضده في منتزه جيزي بإسطنبول في 2013، حيث يواصل الرئيس التركي، بتعاون وتواطؤ من البرلمان، مساعيه للقضاء على المناطق الخضراء والأماكن التاريخية لأهداف مالية وتجارية.

"كابادوكيا" ضحية
منطقة "كابادوكيا" في وسط الأناضول- والتي تتبع مدينة ناف شهير- باتت الضحية الجديدة لخطة حكومة إردوغان التي تركز على قطاع البناء، من دون اعتبار للأضرار البيئية الناجمة عن هذه المشروعات التي اعتمد عليها النظام الحاكم حتى خلقت أزمة اقتصادية كبرى بدأت في أغسطس الماضي. 

الجمال الطبيعي في منطقة "كابادوكيا" بات في خبر كان بعد قرار القانون الذي يسمح بتدمير المنطقة ويجرد مسؤولي البلديات المنتخبين من اتخاذ قرار بشأن إقامة المشروعات فيها، وإسنادها إلى الحكومة نفسها. 

بحسب تقرير لموقع "المونيتور" الأمريكي، فإن السكان المحليين وعشاق كابادوكيا يطلقون على التشريع الجديد اسم "قانون السماح بالنهب"، مما يشير إلى أن المنطقة ستكون أكثر عرضة للبناء غير الخاضع للإشراف من قبل شركات المقاولات الكبرى.

العديد من المشاريع الفندقية الفخمة تنتظر تحقيق أرباح على حساب البيئة والتاريخ، وإذا ظل هذا القانون ساري المفعول، فإنه في غضون سنوات قليلة يمكن أن يدمر جزءا كبيرا من هذه المنطقة الثمينة تاريخيا وجيولوجيا.

تاريخ المسيحية
منطقة كابادوكيا تشتهر بالمداخن المبهرة أو التكوينات الصخرية المخروطية، وهي ليست فريدة من نوعها في تصميمها الطبيعي فقط، ولكن في قيمتها التاريخية أيضا، إذ استخدم المسيحيون الأوائل الكهوف تحتها كمدن تحت الأرض للاختباء من الاضطهاد.

كما تجسد المنطقة أنماطا من الثقافة يعود تاريخها إلى عام 2000 قبل الميلاد، ويقول المرشدون السياحيون إن كلمة "كابادوكيا" أصلها فارسي، وتعني "أرض الخيول الجميلة".

دعائيًا يتم الترويج للمنطقة بأنها مكان مبهر، يمتليء بـ "المناطيد" التي تنقل السياح، بينما في حقيقة الأمر، تبدو أكوام القمامة أبرز ما يظهر في أرجاء المكان، وأكثر من أي وقت مضى، كما أن هناك مشاكل خطيرة تتعلق بتلوث الهواء والماء، كذلك العديد من المباني الشاهقة التي أقيمت بشكل عشوائي.

وعلى الرغم من وجود أجزاء من كابادوكيا مصنفة كمنطقة محمية، إلا أن مواقع البناء غير القانونية موجودة في كل مكان.

المنطقة الواقعة في وسط الأناضول التي تضم العديد من المدن القديمة مثل نيفيشهر وقيصري، استضافت حوالي 3 ملايين سائح في عام 2018. وقد زاد عدد الزوار - الأتراك والأجانب - بشكل كبير خلال العقد الماضي، لكن هذا حدث تزامنًا مع التدهور البيئي الناجم - إلى حد كبير - عن البناء غير المشروع.

"المونيتور" سألت الخبراء عن سبب الحاجة إلى قانون جديد، رغم خضوع المنطقة بالفعل لحماية الدولة، لكن المهندسين المعماريين والمهندسين والمؤرخين وأعضاء المنظمات غير الحكومية المحلية وأصحاب الفنادق لم يتحدثوا إلا بشرط عدم الكشف عن هويتهم، خوفًا من فقد وظائفهم أو التعرض للتهديد.

مهندس معماري بارز كان يعمل في "كابادوكيا" على مدى عقد من الزمان قال: "النظام الحالي أحدث فوضى في كابادوكيا من الناحية المعمارية، ويريد الأن السيطرة على تصاريح البناء بالمنطقة". 

تقنين الفساد
ومن أجل "تنظيم" المباني غير القانونية، أقرت الحكومة قانونًا خاصًا بتقسيم المناطق، يسمى "إمار باريسي" تُرجم حرفيًا باسم "سلام البناء" - لكن هذا جعل الفوضى أكبر، حيث يسمح القانون بمنح تصاريح للمباني المشيدة بطريقة غير قانونية عند دفع رسوم معينة، خصوصًا أن هناك الآلاف من المباني التجارية المقامة في عدد من المواقع غير الصالحة للبناء في كابادوكيا. 

تروج الحكومة بأن القانون الجديد يقلل من سلطة التكنوقراط وحكومات البلديات، وأنه بناء عليه سيتشكل مجلس إدارة مكون من 7 أشخاص، لكن حقوق هذا المجلس واسعة النطاق عندما يتعلق الأمر باتخاذ القرارات في كابادوكيا. 

مؤرخ، وعضو في منظمة غير حكومية تسعى لحماية البيئة والطبيعة في المنطقة قال لـ"المونيتور": "رئيس المجلس سيكون حاكم ولاية نفسهير". وفي تركيا، يتم تعيين المحافظين بموجب مرسوم رئاسي.

المؤرخ التركي يتساءل عن مدى معرفة أعضاء المجلس بالمنطقة لكي يتخذوا قرارات حاسمة بشأنها، معتبرًا أن إعطاء المجلس صلاحيات واسعة يعني ضمناً أنه سوف يتخذ القرارات بناءً على رغبة إردوغان، بدلاً من أن يتخذها بناءً على معرفة تراث المنطقة.

إردوغان يتمتع بسلطة تغيير قوانين تقسيم المناطق في البلديات المختلفة بموجب القانون الجديد. وعلى سبيل المثال، إذا كان هناك منطقة تم إعلانها كمنطقة محمية تاريخيًا أو أثرية فسيكون توقيع أي مسؤول من حكومة إردوغان على ورقة كفيلا بتحويلها إلى منطقة بناء سكنية أو تجارية.

نعم للرأسمالية.. لا للتاريخ
التشريع الفاسد يتيح للشركات الكبيرة الاستثمار في المنطقة على الفور، دون اعتبار للسكان أو المناطق التاريخية، وهناك بالفعل صور مثيرة للاهتمام يجري تداولها في المنطقة من المشاريع الضخمة التي من المتوقع أن تُفتتح قريباً، أحدها لفندق ضخم يتم بناؤه على شكل بالون متعدد الألوان، وهو لا يتوافق مع الأشكال الوطنية للمنطقة أو الطراز المعماري.

تيزكان كاراكوس كاندان، رئيس فرع أنقرة في غرفة المهندسين المعماريين، قالت لـ"المونيتور": "يزعم أن القانون الجديد الخاص بكابادوكيا هو لحماية المنطقة، لكن الواقع أن الحكومة قد دمرت بالفعل المنطقة بالخرسانة، وصُممت سياساتهم للقضاء على آثار تراث المنطقة متعددة الثقافات".

كاندان أضافت: "هؤلاء المسؤولون عن هذا التدمير اليوم يزعمون إصدار قانون للحماية، هذه الحماية هي مجرد ذريعة لتبرير التحكم في المنطقة وجمع كل سلطات اتخاذ القرار في يد واحدة".

المهندسة المعمارية تشير إلى أن "التراث الطبيعي والتاريخي للمنطقة تضرر بالفعل جراء البناء غير القانوني"، لكنها تخشى أنه بموجب القانون الجديد، يمكن أن يتحقق الضرر بشكل أسرع وأن يتم ذلك تحت غطاء قانوني.

ضد "اليونسكو"
"المونيتور" تؤكد أن جميع الأشخاص الذين أجرت معهم مقابلات يخشون من أن يفتح القانون الجديد الباب أمام المشاريع الضخمة لتحقيق مكاسب مالية قصيرة الأجل على حساب الثروة الطبيعية والتاريخية الفريدة لهذا التراث العالمي والمسجل لدى منظمة الأمم المتحدة للثقافة والتربية والعلم (اليونسكو).

كاندان قالت إن القانون الجديد يتعارض مع نصائح اليونسكو التي توصي بوجود مراقبة بين جميع الجهات المعنية بالمنطقة، وحذرت: "المناطق التي لم يتم ترميمها قد يتم تدميرها بين عشية وضحاها من خلال هذا التشريع، وقد لا نعرف حتى ما هو ضائع لأن بعض المناطق التي يمكن التنقيب فيها ستكون قد دمرت".

ناشط محلي وصاحب فندق قال لـ"المونيتور": "بالطبع نريد المزيد من السياح، لكن الكثير منهم ليس أفضل دائمًا. كابادوكيا هي فريدة من نوعها في جمالها الطبيعي، ولكنها أيضًا تتميز بالفنادق وأماكن الإقامة البسيطة والصغيرة في نفس الوقت".

صاحب الفندق تابع قائلا: "اعتاد السائحون القدوم إلى هنا لتجربة العيش بشكل أكثر بساطة، وليس بفنادق خمس نجوم التي تضم أحواض سباحة أولمبية، والآن أصبحت وجهة لما نسميه سياح (إنستجرام) ونخشى أن تواجه كابادوكيا ما تواجهه أنطاليا"، في إشارة إلى المدينة الساحلية المتوسطية المعروفة بجمالها الطبيعي والتي تًعاني الآن من الإنشاءات المدمرة للطبيعة.

أحد الباحثين المتخصصين في تخطيط المدن قال إن الإحصاءات تشير إلى أن  نحو  30,514 رحلة منطاد هواء ساخن أجريت في المنطقة في عام 2018، مضيفًا :"هذا يعني انتشار كميات كبيرة من الغازات المضرة، وقطع العديد من الأشجار، فقد خربت مساحات تقارب 200 ملعب لكرة القدم، ودمرت رحلات منطاد الهواء الساخن تدريجيا النباتات والحيوانات الطبيعية في المنطقة".

يؤكد الباحث أن هذا أول انعكاس للنظام الرئاسي الجديد بشأن تخطيط المدن، حيث تم تجريد سلطات البلديات من الإشراف على مهام تخطيط المدن والمناطق، وهو توجه لجأ إليه إردوغان بعد سيطرة المعارضة على البلديات في أهم المدن، خصوصا الكبرى منها: أنقرة وإزمير وأضنة وأنطاليا فضلا عن إسطنبول.

Qatalah