يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يومًا تلو الأخر، تتكشف حقيقة الجرائم التي ارتكبها آل عثمان بحق المقدسات الإسلامية، وخصوصًا القدس الشريف.. جرائم لا يمكن أن تمحوها حملات غسيل السمعة المتمثلة في تزييف التاريخ بتلال من الكتب والمراجع المفبركة، التي تتحدث عن أدوار بطولية للدولة العثمانية في الدفاع عن فلسطين والقدس العربية الإسلامية، لكنها لا تصمد أمام جرائم والي القدس كاظم بك الذي نفذ مخطط السلطان عبد الحميد الثاني لتسليم فلسطين للحركة الصهيونية.

العثمانيون تبنوا مشروع إقامة الدولة اليهودية منذ القرن الخامس عشر الميلادي، وشهد القرن الـ19 تطورا كبيرا في التأييد العثماني للمشروع اليهودي، لاسيما بعد أن ساد إحساس بين الساسة في الغرب بإمكانية إقامة "مملكة الرب" في فلسطين من جديد، وعلى هامش معاهدة لندن التي عقدت في عام 1841 تم دمج مستقبل الدولة العثمانية -المعروفة تاريخيا بالمسألة الشرقية- مع "المسألة الصهيونية" المتعلقة بإنشاء وطن قومي لليهود، وبدأ التفكير في حل المسألة اليهودية عن طريق نقل اليهود إلى فلسطين.

السلطان عبد الحميد الثاني تعرض لأزمة اقتصادية طاحنة، بعد أن أعلنت السلطنة إفلاسها، ولم يجد سبيلا إلا التفاوض بشأن بيع فلسطين لليهود، في مقابل تسديد ديونه، ودخل في مفاوضات جادة مع الصحافي النمساوي ثيودور هرتزل مؤسس المنظمة الصهيونية، لإتمام الصفقة، وشهدت إسطنبول الزيارة الثانية لهرتزل في أكتوبر 1898، والتي اتفقوا فيها على أن السلطان سيسمح بالهجرة اليهودية بشرط الحصول على الجنسية العثمانية، وبها يخضعون للفرمانات العثمانية.

اتخذ عبد الحميد خطوة جادة في سبيل تحقيق آمال الصهيونية العالمية، بعزل حاكم القدس "توفيق بك" المشهور بتشدده حيال الهجرة اليهودية، وتعيين كاظم بك حاكما للقدس في نوفمبر 1900، والذي عرف عنه ميوله لمشروع الوطن القومي لليهود، حتى أنه كان يصف العرب بـ"سقط المتاع"، وينعت اليهود بـ"أولاد العم"، وصدرت تعليمات صريحة وواضحة من إسطنبول إلى الوالي الجديد بفتح أبواب فلسطين أمام تيارات الهجرة اليهودية، مع توفير الأراضي اللازمة لإقامة مستوطنات للوافدين.

ومنذ اليوم الأول لتسلمه منصب متصرف لواء القدس استحضر كاظم بك تراث الفساد العثماني، وقنن المحسوبية والرشوة داخل المنظومة القضائية بالقدس، فأمر بإنشاء محاكم تتألف من رئيس وقضاة أتراك، وخصصت لرئيس المحكمة 200 فرنك راتب شهري، في حين يأخذ القضاة 40 فرنكا، وسمح للقضاة بقبول الرشوة من الأهالي تحت مسمى "البقشيش والهدايا"، وضاعت في عهده حقوق الفقراء والضعفاء.

تحت عنوان "إيرادات كاظم بك وشركاه الشهرية من دم أهالي فلسطين" كتب نجيب عازوري في جريدة "الإخلاص" بتاريخ 8 يوليو 1904 "إن الوالي كاظم بك فرض إتاوة شهرية على حكام الأقاليم والمدن، إذ فرض على قائمقام الخليل 100 ليرة عثمانية،  ومدير بيت لحم 150 ليرة ، وقائمقام غزة 400 ليرة ، وقائمقام بير السبع 80 ليرة".

قدم إبراهيم أبي رباح رشوة قدرها 200 ليرة عثمانية إلى كاظم بك في عام 1903، مقابل إعادته إلى منصبه كموظف في مديرية المعارف بالقدس (وزارة التعليم)، والتي فصل منها لسوء خلقه وقبوله الرشوة من الموظفين لترقيتهم.

إعادة تعيين الموظف الفاسد إبراهيم أبي رباح أثار غضب نجيب العازوري نائب الوالي، واعترض على قرار كاظم بك بإعادته إلى منصبه، فكان رد الوالي المرتشي "إن حكومتنا في حالة فوضى، والدولة في اختلال كلي، والجميع من السلطان الى الصعلوك يستخدمون الفساد والرشوة في أعمالهم، فهل تريد أنت أن أصلح أنا لك وحدي المعارف العمومية؟".

حاشية من الخونة
كاظم بك اعتمد على مجموعة من الموظفين المعروفين بفسادهم، والذين تبنوا المشروع الصهيوني، وساعدوا المهاجرين اليهود على بناء المستوطنات وطرد السكان العرب، ويأتي على رأسهم عثمان أفندي مأمور جوازات السفر في فلسطين قدم لكاظم بك إتاوة شهرية قدرها 200 ليرة عثمانية، إذ فرض عثمان أفندي على كل يهودي مهاجر إلى فلسطين إتاوة 5 ليرات عثمانية، في مقابل منحهم تصاريح إقامة دائمة ، بعد استخراج أوراق رسمية تعترف بهم كسكان أصليين في فلسطين.

بشارة أفندي حبيب الترجمان الخاص لكاظم أفندي اشترك في المؤامرة العثمانية على فلسطين، إذ استغل منصبه في تحقيق ثروات طائلة، من خلال إشرافه على عمليات بيع الأراضي العربية إلى المستوطنين اليهود، إذ اعتبرهم "رعايا عثمانيين من الدرجة الأولى، وأصحاب الحق الأول في شراء تلك الأراضي التي سكنها أجدادهم".

بشارة أفندي منح اليهود المهاجرين تصاريح بناء المستوطنات، بعد أن ساعدهم في تسجيل عقود شرائها في المحاكم العثمانية، وأشرف على طرد السكان العرب من قراهم، وساعده في ذلك كلا من مأمور الشرطة، ويوزباشي الجندرمة، والقاضي التركي بمحكمة القدس.

سمسار فلسطين
كاظم بك اخترع نظاما ضرائبيا ظالما، أطلق عليه تسمية "الضرائب الكاظمية"، إذ بالغ كاظم بك في فرض الضرائب على المزارعين الفلسطينيين، حتى أن الفلاح بات مطالب بتقديم نصف محصوله لخزانة الوالي، والذي كلف فرِق الدرك بمساعدة الصيارفة والمحصلين في تحصيل الضرائب بالقوة، فهاجموا القرى وخطفوا المحاصيل من "شون المزارعين" دون الالتزام بمقدار الضريبة المفروضة، وإذا تجرأ أحد الفلاحين على الشكوى لا يصغى إليه، وإن ألح في شكواه يزج به في السجن، ولا يستطيع الخروج إلا بعد دفع الغرامة.

الحمى القلاعية والكوليرا تفشت في فلسطين عام 1903، وحصدت أرواح آلاف الماشية والأبقار، ولم يبق حيوان واحد لحرث الأراضي الزراعية، وبدلا من مكافحة الوباء، فرض كاظم باشا الوالي التركي ضريبة بقيمة 4 فرنكات على كل الماشية الباقية، لكن محصلي الضرائب الأتراك حصلوا ضعف الضريبة من الأهالي.

فلاحو فلسطين عجزوا عن دفع الضرائب الباهظة التي فرضها عليهم كاظم بك، والذي شجعهم على الاقتراض من المرابين اليهود لتسديدها، واضطر الفلاحون للاقتراض بفائدة مرتفعة تراوحت بين 200% و300%، ولكنهم عجزوا عن تسديد مديوناتهم في الموعد المحدد، ولما كان كاظم بك المدافع الأول عن المصالح اليهودية، فقد أمر ببيع أراضي الفلاحين المتعسرين في مزاد علني، واشتراها المهاجرين اليهود وسجلوها بأسمائهم في المحاكم العثمانية.

كاظم بك وثق علاقاته بكبار ممولي المستوطنات اليهودية، فكان شريكا لـ "ألبير عقيقي" وكيل الشركة اليهودية الفرنسية في القدس الشريف، والتي لم تقتصر عملياتها على أراضي القدس بل امتدت إلى بئر السبع وحيفا وصفد وطبريا، حتى أن الشركة أصبحت تمتلك تقريبا النصف من أحسن الأراضي في أقضية يابا والثلاثة أرباع من أراضي حيفا وصفد وطبريا ومرجعيون وحوران.

الوالي العثماني الصهيوني منح الشركة اليهودية الفرنسية ودعا صريحا بتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، فقد كتب كاظم بك في إحدى خطاباته إلى شريكه ألبير عقيقي ما نصه: "إن أرض فلسطين من جبل حرمون إلى لبنان إلى عريش مصر، ومن البحر المتوسط إلى البادية العربية، ستصبح ملِكا حلالا لليهود، ويصبح بنو إسرائيل هم أصحاب الحول والطول، فتسود كلمتهم ويعود مجدهم في أرض الميعاد".

كاظم بك اكتنز أموال طائلة من وراء إتمام صفقات بيع الأراضي للمستوطنين اليهود، إذ وضع تسعيرة تتراوح بين 300 إلى 1000 ليرة حسب مساحة كل صفقة، وكانت عملية بيع 100 ألف دونم من أراضي غزة و250 ألف دونم في سهل مرج ابن عامر أكبر صفقاته، إذ حصل منهما على 175 ألف ليرة عثمانية، على أساس نصف ليرة عثمانية على كل دونم، بالإضافة إلى 25 آلاف ليرة تقاضاها بشارة حبيب ترجمان الوالي وباقي الوسطاء الأتراك الخونة.

شهد عام 1903 عقد صفقة بيع 100 ألف دونم من أراضي بير سبع إلى الشركة اليهودية الفرنسية، بعد أن تعهد كاظم بك لشريكه ألبير عقيقي "بأن يقنعوا فلاحي غزة ببيع 100 ألف دونم إلى الشركات اليهودية بطريقة الوعيد والتهديد والقوة الجبرية"، وفي نفس العام ألزم الوالي العثماني فلاحي جهة اليهودية وياسور وبيت دفان وجهات أخرى بأن يبيعوا أراضيهم إلى المستعمرين.

أما صفقة البيع الأكبر في تاريخ كاظم بك فقد تمت في يونيو 1903، إذا ساعد كاظم بك المستوطنين اليهود في شراء 250 ألف دونم، من أملاك اللبناني الثري إلياس سرسق، في منطقة سهل مرج ابن عامر الفلسطينية، ورغم أن إلياس سرسق طلب 25 فرنكا للدونم الواحد، إلا أن كاظم بك ضغط عليه وأجبره على بيعها بسعر 15 فرنك للدونم الواحد، وفي مقابل ذلك حصل كاظم بك على عمولة قدرها 125 ألف ليرة عثمانية، وغض الطرف عن صراخ وعويل الفلاحين الفلسطينيين، الذين طردهم المستوطنون من أراضيهم.

المؤتمر الصهيوني
الحركة الصهيونية اعتبرت متصرف القدس حليفا مخلصا، بعدما رحب كاظم بك بالهجرات اليهودية وبناء المستوطنات، لذلك قررت الحركة الصهيونية عقد مؤتمرين في آن واحد، أحدهما في بال بسويسرا بزعامة ثيوردور هرتزل، والآخر في فلسطين بقيادة الروسي الصهيوني "مناحم ماندل أوسيشكين".

المؤتمر الصهيوني بفلسطين عُقد في مستعمرة "زخرون يعقوب" في الفترة من 23 وحتى 28 أغسطس 1903، ، وهو أول مؤتمر صهيوني يعقد في الأراضي المقدسة، وكان الاتجاه السائد في المؤتمر أن تكون فلسطين "دولة قومية لليهود".

قرر المؤتمر تقسم فلسطين إلى ست مناطق يهودية؛ الأولى بيت المقدس والخليل وعرطوف، والثانية الرملة، والثالثة يافا وبتاح تكفا، والرابعة الناصرة وطبريا، والخامسة الخضير وزخرون ويعقوب وحيفا، والسادسة صفد والجليل، على أن تتحد كلها تحت لواء الدولة اليهودية بعد إصدار الفرمان العثماني بتأسيس دولة بني إسرائيل.

خرج المؤتمر بعدة توصيات؛ أولها السعي لدى إسطنبول لإصدار فرمان يدشن قيام الدولة اليهودية في فلسطين، وثانيا مواصلة التواصل مع كاظم بك نصير المشروع الصهيوني، وثالثا أن يجتمع المؤتمر اليهودي بفلسطين مرة كل عام، وتقديرا لجهوده في إنجاح المؤتمر الصهيوني بفلسطين فقد حصل كاظم بك على لقب "أبو اليشوف" أي أبو الاستيطان اليهودي، وهو نفس اللقب الذي حصل عليه البارون إدموند جيمس دي روتشيلد.

تكفل كاظم بك بحماية اليهود المؤتمرين، وكلف رجال الدرك بتأمين مستعمرة "زخرون يعقوب" طوال أيام إنعقاد المؤتمر، حتى تنتهي جلساته في سرية تامة، إلا أن عرب فلسطين تنبهوا لاجتماع دعاة الاستيطان اليهودي، وأعلنوا رفضهم لأي نشاط صهيوني، كما نشرت الصحف الفلسطينية عدة مقالات تندد برضوخ السلطان عبد الحميد والوالي التركي للصهيونية العالمية، وعلى إثر ذلك شن كاظم بك حملة اعتقالات موسعة على الصحف المعارضة.

المؤتمر الصهيوني كان نقلة كبيرة في مسار عملية الاستيطان اليهودي، وبعد الاتفاق مع كاظم بك تم طرد 10 ألف عربي من أراضيهم من شهر أغسطس وحتى ديسمبر 1913، كما تم إبعاد العمال العرب عن المستوطنات الزراعية اليهودية، والتي اقتصر العمل فيها على المهاجرين اليهود.

عبد الحميد يكافئ كاظم
السلطان عبد الحميد الثاني اعتبر كاظم بك متصرف القدس من أنجح الولاة، ولاسيما وأن كاظم بك غمر السلطان وحاشيته بالهدايا والأموال، كما أن الوالي سار على نهج عبد الحميد في فتح أبواب فلسطين أمام الهجرات اليهودية، بل وتعهد بتوفير أراضي لبناء المستوطنات. 

عبد الحميد الثاني وصلته عدة تقارير من نجيب عازوري مساعد حاكم بيت المقدس، تفضح تواطؤ كاظم بك مع الحركة الصهيونية، وقدم له بيانات مفصلة عن أعداد المستوطنين اليهود، ومساحة الأراضي التي اغتصبوها برعاية كاظم بك، كما نقل له صرخات آلاف الفلسطينيين الذين طردهم الوالي من أراضيهم وباعها لليهود، وطالب السلطان بالقيام بدورة في حماية أراضي المسلمين.

عبد الحميد رد على تقارير نجيب العازوري بخطاب يؤكد فيه على أن كاظم بك ينفذ سياسات وتعليمات إسطنبول، وأن السلطان لم يكن يوما ضد الاستيطان اليهودي في فلسطين، وأبدى رضاه عن متصرف القدس بقوله: "إن كاظم بك أتم نعمته على بيت المقدس وجعل متصرفيته تصارع أعظم ولاية في الإيرادات الغزيرة".

فهمي باشا رئيس جهاز الاستخبارات الحميدية أرسل خطابا إلى كاظم بك يحذره من خطورة بقاء مساعده نجيب العازوري في منصبه، لأنه يثير أهالي فلسطين ضد سياسات إسطنبول، فما كان من كاظم بك إلا أن أرسل هدية إلى عبد الحميد قدرها 4000 ليرة عثمانية، و2000 ليرة لفهمي باشا، فأصدر السلطان قرارا بمنح كاظم بك الوسام المجيدي.

Qatalah