يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في أغسطس 2018 اتخذ الرئيس التركى قراراً بتعيين مجموعة من مساعدي وزير الدفاع خلوصي آكار، كان من بينهم ألب أصلان كافاكلي أوغلو، كبير مستشاري قصر إردوغان.

أصاب قرار رجب إردوغان دهشة الجميع، فإلى جانب عدم امتلاك كافاكلي خبرات عسكرية تؤهله لشغل هذا المنصب، كانت الشبهات تدور حول الرجل، خصوصا في قضايا رشوة وفساد ومحاباة للأقارب، فضلا عن أن تعيينه في المؤسسة العسكرية مثل حركة مكشوفة من قبل إردوغان بزرع أحد أعوانه في المؤسسة العسكرية، للتجسس على قيادات الجيش.

الرئيس التركي استغل مسرحية انقلاب يوليو 2016، لتنفيذ خطة معدة سلفا للتنكيل بقيادات الجيش بتهم واهية، والإطاحة بهم، وتعيين آخرين ينتمون لحزب العدالة والتنمية بدلا منهم، شملت الخطة آلافا من العسكريين الذين وجدوا أنفسهم خارج الخدمة بين ليلة وضحاها.

بعد خطة تفريغ القوات المسلحة وزرع القيادات التي تتبنى توجهات إردوغان وأهداف العثمانيين الجدد في المواقع القيادية، استخدم الجيش في قمع أي تحرك شعبي ضد سلطات الرئيس الديكتاتورية وغير المحدودة.

وجد رجب إردوغان ضالته في معدومي الكفاءة من الوصوليين، الذين يتزلفون له بالتجسس على الشعب التركي وخيانة قضاياه، ربما يكون ألب أصلان كافاكلي أوغلو نموذجا لهذه النوعية من البشر، فهو شخص معدوم الكفاءة، ولا يحمل أي مؤهلات، باستثناء تقديم فروض الطاعة للرئيس.

شغل كافاكلي أوغلو عدة مناصب قيادية في أروقة نظام إردوغان، فالأخير عينه في الكثير من المناصب التي مكنته من الإشراف على قطاعات خدمات الصفقات والصناعات العسكرية، وكذلك خدمات الصحة والإنشاءات، والخدمات المالية، فضلا عن كونه رئيس لجنة الأمن والمخابرات، التابعة للبرلمان التركي منذ نوفمبر 2014،  فكان عين إردوغان على أكثر من 17 دائرة ومؤسسة حكومية، كما تذكر صحيفة سوبر هابير عام 2018. 

شخصية غامضة
سعى ديكتاتور أنقرة منذ قفزه إلى مقعد الرئيس لإخضاع كافة مؤسسات الدولة، لذا عمل على نشر رجاله في مفاصلها، ولم يمنح ثقته إلا لشخصيات جوفاء، لا تشكل خطرا على صلاحياته.

كافاكلي، الذي يوصف بأنه أحد بصاصي النظام، ولد بمدينة نيدي بوسط الأناضول، في 10 مارس 1962، وتخرج في قسم الإدارة بكلية العلوم السياسية بجامعة أنقرة، في العام 1985، وتولى في التسعينيات عدة مناصب إدارية كقائم مقام ومساعد للولاة بالمحافظات التركية المختلفة، ثم تولى فيما بعد عدة مناصب كمساعد للإدارة العامة في دوائر الأمن الداخلي وإدارة الطوارئ بالحكومة التركية، لكن كل هذا لم يمكنه من تحقيق الترقي الوظيفي الذي وصل إليه بسرعة الصاروخ بعد عدة سنوات.

جاءت اللحظة المناسبة ليكشف كافاكلي عن انتهازيته السياسية، عندما تم تأسيس حزب العدالة والتنمية، في العام2001، فسرعان ما انضم إليه ابن مدينة نيدي المهمشة، متمكسًا بوعود إردوغان في تحقيق تنمية سريعة في تركيا، وكان اختياره ليصبح أحد كوادر الحزب مقصودا، فإردوغان وضع نصب عينيه منذ البداية تكوين قاعدة جماهيرية في المنطقة الريفية بالأناضول، وهي المنطقة نفسها التي جاء منها كافاكلي.

استغل كافاكلي الفرصة التي منحته إياها الأقدار، اجتهد ليثبت إخلاصه لسيده، وكانت مكافأته جاهزة، ارتقى سريعا في أروقة العدالة والتنمية، ودخل البرلمان عن الحزب في العام 2011، وشغل منصب رئيس لجنة الأمن والاستخبارات، كما كان متحدثاً باسم لجنة الشؤون الداخلية، ومتحدثاً للجنة الدفاع الوطني كذلك، فضلا عن عضويته في هيئة الصداقة البرلمانية التركية اليابانية، تلك المناصب البرلمانية جعلته قريبا من دوائر صنع القرار في نظام إردوغان، فلا غرابة أن يحسب منذ ذلك الوقت من قيادات الصف الأول في حزب العدالة والتنمية.

أوهام الخلافة 
صعود كافاكلي في جهاز الدولة التركية أكسبه ثقة رجب إردوغان، الأمر الذي حوله إلى مدافع شرس عن مشروع سيده القائم على أفكار العثمانيين الجدد وإحياء أمجاد السلطنة الغابرة، ففي العام 2018،  وفي ظل تصاعد التوتر بين أنقرة والغرب، هاجم كافاكلي سياسات الدول الأوروبية، بلهجة تعزز من خطاب الإسلاموفوبيا، إذ توقع أن تصبح القارة العجوز مسلمة في غضون 20 عاما، بفعل الهجرة من الدول الإسلامية إلى دول أوروبا.

واصل خطابه الشعبوي، تأسيًا برجب إردوغان، وتحدث عن قرب انفجار أوروبا من الداخل، وظهور 50 دولة قومية جديدة فيها، مرجعا ذلك إلى ظهور الأحزاب العنصرية الصغيرة، وتصاعد خطر الأحزاب المعارضة للاتحاد الأوروبي، للتدليل على أن أوروبا ستكون مسلمة، وحتى حدوث ذلك، على تركيا أن تكون جاهزة لتتبوأ الصدارة. 

أكمل أصلان حديثه عن عودة الخلافة العثمانية، قائلا :"في غضون ذلك يتملك الخوف كلا من أوروبا وأمريكا، حيث تنهض تركيا العثمانية مرة أخرى، لقد تناسوا عظمة العثمانيين، لكن بوصول العدالة والتنمية للسلطة، وما حققه من نجاحات ستعود متلازمة الخوف من العثمانيين مرة أخرى، إنهم قلقون من فكرة عودة الخلافة العثمانية مرة أخرى". 

يردد كافاكلي نفس الخطاب المعادي للغرب - ظاهريا - والذي أطلقه إردوغان، بهدف التغطية على الفشل الاقتصادي والسياسي الداخلي، بالحديث عن مؤامرة كونية مزعومة، تعيق وصول تركيا إلى مكانتها المستحقة، وهو خطاب أثبتت التجارب والاحتكاكات المباشرة كذبه، بعدما ركع إردوغان أكثر من مرة أمام الغرب، وسعى زاحفا لطلب ود الاتحاد الأوروبي وواشنطن.

فضائح الرشوة 
كافاكلي دخل في شبكة فساد الحزب الحاكم سريعا، لذا لم يكن غريبا أن تظهر إحدى قضايا فساده للعلن، إذ نشرت صحيفة إلري هابير في أغسطس 2018، بعض التفاصيل المخجلة التي تخص رجل إردوغان، عندما كان عضواً في لجنة الميزانية والتخطيط بالبرلمان التركي، بشأن طلبه رشوة، مقابل الموافقة على تعيين العشرات من الأتراك، كموظفين بالدولة وقوات الشرطة الخاصة.

وتعود تفاصيل الفضيحة إلى العام 2017، عندما رصدت عدة وثائق رسمية قيام أصلان كافاكلي بتوجيه تقارير رسمية للوزراء والمديرين بشأن تعيين العشرات من أنصار العدالة والتنمية كموظفين بالدولة، وتظهر الوثائق مخاطبته لكل من وزيري الثقافة والسياحة بتلك الفترة، نابي أفجي، والعمل والعدالة الاجتماعية محمد معز الدين أوغلو، وكذلك مساعد وزير الدفاع شوباي ألتاي، والمدير العام لهيئة التنقيب عن المعادن جنجيز إرديم، حيث وجه لهم أصلان طلباته بشأن تعيين كوادر الحزب، في ذروة أزمة البطالة التي تعصف بملايين من الشباب التركى.

إحدى المكاتبات، قال فيها كافاكلي: "أوجه عنايتي إلى السيد معز أوغلو وزير الصحة، باتخاذ اللازم بشأن أسماء الأشخاص الواردة بالمكاتبة، لعمل اللازم بشأن تعينهم كمساعدين في إدارة البحث بهيئة الضمان الاجتماعي، وتيسير كافة الأمور عند دخولهم لمقابلة نيل الوظيفة".

أصلان لم يكتف بذلك بل كان يحدد المكان الذي يرغب بتعيين هؤلاء الأشخاص فيه، حيث كتب في إحدى تلك الوثائق إلى وزير السياحة، قائلاً: "بشأن وظيفة مسؤول المكتبة بالتعاقد، لقد قام بتقديم طلب للحصول على الوظيفة، وسيدخل لمرحلة المقابلة الشفوية في 23 فبراير 2017، هو يريد أن يتم توجيه تعيينه في مدينة إسطنبول".

كما كتب إلى ألتاي شوباي مساعد وزير الدفاع، قائلاً: "أكتب إليكم بكل الاحترام لعمل اللازم، لقد مر من مرحلة الفحص والمراجعة بقيادة دعم أمن الساحل، وسيدخل مرحلة المقابلة الشفوية بمبنى الخدمات الإضافية لأمن الساحل بأنقرة".

سلطات أصلان في تعيين موظفين بالدولة، وصلت إلى حد تعيين مساعدي الوزراء، حيث ظهرت في الوثائق توصيته بتعيين فاتح متين مساعدا لوزيرة التجارة رهسار بيكجان، بل وزاد على ذلك، قيامه بتعيين رئيس مستشاري رئاسة الجمهورية، فايسال بيكتاش، والذي ظهر بالفعل قرار تعيينه بالجريدة الرسمية. 

امتد نفوذ كافاكلي إلى التوصية بتعيين يوسف كارا أوغلو، مدير الأمن العام، وحمود كازان المدير العام للدعم والشؤون المالية بإدارة رئاسة الجمهورية، وحسب صحيفة جمهورييت فإن أصلان مسؤول كذلك عن التعيينات بالوحدات الخاصة بالشرطة التركية، حيث كتب عدة مرات في الوثائق موجهاً إلى سلامي ألتنوك، مدير الأمن التركي العام، بشأن تعيين عدد من الأسماء بالحركة التاسعة عشرة، وتعيين مستخدمين بالوحدات الخاصة بالشرطة، حيث دعا سلامي لاتخاذ اللازم بشأن دخولهم اختبارات المقابلة الشخصية بمركز الشرطة التعليمي. 

Qatalah