يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


مع تزايد حملات الملاحقات الأمنية والعنصرية ضد السوريين في تركيا، لإبعادهم وترحيلهم إلى بلدهم الأصلي، الغارق في الحرب الأهلية، تساءل البعض، لماذا كل ذلك الآن، خصوصًا أن أنقرة سبق وفتحت ذراعيها لهم قبل نحو 8 سنوات، إلا أنه حينما يعرف السبب ينتفي السؤال.

فقبل 8 سنوات، كان رجب إردوغان، يسعى لاستغلال هؤلاء اللاجئين في كسب تعاطف المسلمين في شتى أنحاء العالم، عبر تقديم نفسه باعتباره الخليفة المنتظر، فضلا عن الاستفادة المادية من ملايين الدولارات التي تدفعها أوروبا، تحت دعاوى أن تركيا تحميها من تدفق اللاجئين إليها، أما الآن وبعد أن زاد غضب الداخل ضد وجود السوريين، ما أدى لخسارة إردوغان لكبريات المدن في انتخابات المحليات الأخيرة، قرر ديكتاتور أنقرة طردهم فجأة وإلقائهم في أتون الحرب الأهلية التي أشعلها بمساعدة ميليشياته الإرهابية.

ففي العام الماضي، دخلت تركيا في أزمة عملة طاحنة تسببت في انهيار الليرة بشكل دراماتيكي حتى فقدت 40% من قيمتها أمام الدولار، أعقبها ارتفاع خرافي في معدلات التضخم وانتشار البطالة وزيادة الديون الداخلية والخارجية، ووسط هذا التأزم الاقتصادي والذي تجلت تبعاته في خسارة نظام إردوغان لكبرى المدن في الانتخابات البلدية الأخيرة، كان على أحدهم أن يدفع الثمن فتحول السوريون إلى كبش فداء.

الرسالة وصلت
"ليس لدينا رقم هاتف إردوغان. لذا أرسلنا رسالتنا عبر صناديق الاقتراع"، بهذه الجملة لخص مراد منطارجي الذي يصف نفسه بأنه من أشد المؤيدين لحزب العدالة والتنمية، موقفه الرافض لسياسات الرئيس التركي والتي دفعته إلى التصويت لمرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو.

السياسات التي انتقدها منطارجي، الذي يدير وكالة عقارية في منطقة إكيتلّي بإسطنبول، لم تكن غير فتح إردوغان الباب أمام تدفقات اللاجئين السوريين الهاربين من جحيم الحرب الأهلية في بلادهم، إلا أن رجل الأعمال التركي البالغ من العمر 43 عامًا عاد وأكد " الرئيس استوعب رسالتنا".

في تقرير نُشر اليوم السبت، وقفت صحيفة وول ستريت جورنال على الأوضاع المأساوية التي يعيشها اللاجئون السوريون في تركيا بعدما اتفق الأتراك نظامًا ومعارضة وشعبًا على إعادتهم إلى بلادهم المنكوبة بالحرب الأهلية منذ ثماني سنوات.

الترحيل 
منذ انتهاء إعادة الانتخابات البلدية في إسطنبول في 23 يونيو الماضي، وتتخذ حكومة العدالة والتنمية خطوات متسارعة لترحيل ما يقرب من أربعة ملايين نازح من سورية التي مزقتها الحرب، والذين أسفر وجودهم إلى جانب الاقتصاد المتعثر عن إثارة غضب الرئيس رجب إردوغان.

بحسب الصحيفة الأمريكية، فإن الحكومة التركية تعمل حاليًا على وضع خطة لنقل 700 ألف سوري إلى المناطق التي تأمل الاستيلاء عليها من الجماعات الكردية "وحدات حماية الشعب" التي تدعمها الولايات المتحدة في شمال سورية. وبشكل تتخذ حكومة إردوغان خطوات لخفض عدد اللاجئين السوريين الذين تم تسجيلهم في مدن أخرى حتى لا يعيشوا في إسطنبول، التي تعد المركز الاقتصادي للبلاد.

الشرطة في إسطنبول، حيثما تعرض مرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم بن علي يلدريم إلى هزيمة موجعة بفارق يزيد على 800 ألف صوت أمام أكرم إمام أوغلو في الانتخابات البلدية الأخيرة، تقوم بإجراء المزيد من عمليات التحقق من الهوية في محاولة لخفض عدد اللاجئين السوريين ممن يعيشون في المدينة بينما تم تسجيلهم في مكان آخر.

الثلاثاء الماضي، قال إردوغان للسفراء الأتراك في أنقرة: "نسعى إلى تسريع وتيرة عودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم"، وذلك في وقت تهدد بلاده بشن حرب واسعة شمال سورية إذا ما لم تتم الموافقة على مطالبها بإقامة منطقة آمنة في البلد العربي بعمق يزيد على 30 كم، وهو ما ترفضه واشنطن التي يتمركز المئات من جنودها في تلك المنطقة.

ورغم أن الدول الأخرى التي تستضيف اللاجئين تقوم بمراجعة سياسة دعمها للاجئين مع تلاشي الحرب في سورية، ولكن لا توجد أية منطقة تشهد تحول سياسي حاد في هذا الصدد أكثر من تركيا.

كبش فداء
عندما بدأت الحرب السورية عام 2011، قدّم إردوغان خدمات الإسكان والرعاية الصحية والتعليم للأسر التي فرّت من النزاع، وفي ذلك الوقت، استوعب الاقتصاد التركي القوي تدفق العمالة الرخيصة المفاجئ، لا سيما في مجالي الزراعة والتشييد.

في 2016، عندما أغلقت معظم دول الاتحاد الأوروبي أبوابها في وجه اللاجئين السوريين، تعهد الرئيس التركي بأن تساعد تركيا في إغلاق الحدود الأوروبية وتوسيع سياسة الباب المفتوح (استقبال تركيا للاجئين) في مقابل الحصول على الدعم المالي من الاتحاد الذي يضم 28 دولة. 

الكثير من السوريين استقروا في تركيا، وتعلموا اللغة التركية، ودشّنوا أعمالهم التجارية وأنجبوا حوالي 434 ألف طفل خلال السنوات الثماني الماضية، ولكن في ظل تعثر الاقتصاد التركي في الوقت الحالي مع تراجع الإنتاج الصناعي في العديد من القطاعات وارتفاع معدل التضخم ، يشير المزيد من الأتراك إلى أن اللاجئين لم يعد مرحبا بهم.

الأتراك ألقوا باللوم على اللاجئين السوريين في عدة مشكلات، من بينها ارتفاع معدلات البطالة وارتفاع أسعار استئجار المنازل، وهو ما كان السبب في انخفاض نسبة التعاطف معهم  إلى 40% في شهر يوليو مقارنة بـ 72% في فبراير 2016، وفقا لاستبيان وطني أجرته وكالة "كوندا" التركية للاستبيانات.

منظمو الاستبيانات أوضحوا أن قضية اللاجئين، التي قلّلت وسائل الإعلام الموالية للحكومة التركية الاهتمام بها منذ فترة طويلة، تساعد على تفسير انخفاض شعبية أردوغان.

المنطقة الآمنة 
الأربعاء الماضي، قالت الحكومتان التركية والأمريكية إنهما اتفقتا على تنسيق الجهود لإنشاء ممر آمن في شمال سورية للسماح للاجئين بالعودة إلى ديارهم، لكنهما لم يذكرا كيف سيتم التوفيق بين وجهات نظر أنقرة وواشنطن المتباينة حول المليشيات الكردية التي تهيمن على المنطقة.

 تعتبر الولايات المتحدة المقاتلين الأكراد كقوات وحدات حماية الشعب الكردي وقوات سورية الديمقراطية "قسد" كحليف لها بسبب دورهم في محاربة تنظيم داعش، بينما تعتبرهم تركيا منظمات إرهابية لصلتهم المزعومة بحزب العمال الكردستاني المحظور.

الوكالة العربية السورية للأنباء "سانا" نقلت عن مسؤولين حكوميين سوريين قولهم إن تنفيذ خطة الممر الآمن ستكون بمثابة عدوان يُشن على سيادة البلاد.

"أمر مرعب"
سلطات إنفاذ القانون التركية تستخدم خطًا ساخنا لجمع المعلومات من السكان حول موقع اللاجئين الذين يعيشون بشكل غير قانوني في إسطنبول. 
في البداية، كانت الحكومة تتغاضى عن اللاجئين الذين لا يقيمون في المدينة التي تم تسجيلهم فيها، لكن الآن، تم تحديد يوم 20 أغسطس كموعد نهائي لمغادرة أولئك الذين حصلوا على تصاريح إقامة في أماكن أخرى، وبالنسبة لهؤلاء الذين لم يتم تسجيلهم قانونيا من الأساس، فإنهم يواجهون الاحتجاز والترحيل المحتمل.

مواطن سوري اشترط عدم ذكر اسمه قال لـ" وول ستريت جورنال" إن الشرطة في إسطنبول أوقفته للتحقق من هويته في يوليو لكنها أطلقت سراحه بعد ذلك برغم عدم امتلاكه وثائق تركية. لكن الوضع الآن تغير وبات السوري البالغ 27 عامًا يخشى الترحيل القسري تاركًا زوجته وأطفاله الثلاثة الذين يمتلكون أوراق تسجيل في إسطنبول.

أما وائل محمود سعيد، 25 عامًا، فكانت السلطات أقل تعاطفًا معه، يقول من سورية عبر الهاتف للصحيفة الأمريكية إنه كان يعيش في إسطنبول لمدة ستة أعوام دون تسجيل، وكان يرسل الأموال إلى أسرته في حلب عندما احتجزته الشرطة لمدة 10 أيام في شهر يوليو. طُلب من وائل التوقيع على استمارة عودة طواعية وتم نقله إلى الحدود السورية، بالنسبة له "كان الأمر مرعبا" على حد قوله.

من جانبها، تزعم السلطات التركية إنها لم تقم بترحيل اللاجئين قسرًا إلى سورية، وقالت إن حوالي 340 ألف مواطن سوري أُعيدوا إلى الوطن بمحض إرادتهم منذ 2016 واستقرّوا في منطقتيْن يسيطر عليهما الجيش التركي.

تشريد السوريين
في حي إكيتلّي بإسطنبول، أدى الموعد النهائي "20 أغسطس" إلى تقويض الاستقرار الذي حظي به 14 فردا من أسرة المواطن السوري أحمد الموسى في شقة صغيرة.

الأب، الذي يعاني من أمراض قلبية حادة، يتأهب هو وزوجته وبناته السبع وأربعة أحفاد للعودة إلى مرسين، وهي مدينة تركية على بعد 100 ميل من الحدود السورية حيث تم تسجيلهم قبل ست سنوات. 

بنات "الموسى" الأكبر سنا فقدن وظائفهنْ في مصنع للأنسجة بإسطنبول، لأن أرباب عملهن يخشون من قيامهنْ بما قد يتعارض مع إدارة العمل، كما لم يعد يُسمح للأطفال في الأسرة بالذهاب إلى المدرسة هناك.

أما الابن الوحيد فكان محظوظًا، إذ سيظل في إسطنبول لمواصلة العمل في مصنع للمناديل المبللة، حيث يكسب 80 دولارا في الأسبوع، فيما أشار رب الأسرة الموسى: "أخشى أن نتركه هنا. فهو مصدر الدخل الوحيد لنا".

ورغم معاناة رب الأسرة موسى من الترحيل إلى مدن غير إسطنبول، إلا أنه حتى الحي الذي سيسكنه "إكيتلّي" تحول لساحة حرب ضد السوريين من قبِل المتعصبين القوميين، الذين يتلقون على ما يبدو دعما من حزب "الحركة القومية" اليميني المتطرف وشريك حزب إردوغان في البرلمان.

بحسب فرانس 24، يظهر مقطع فيديو منتشر على مواقع التواصل الاجتماعي رجلًا يلقي خطابًا يحرض بشكل صريح على كراهية الأجانب في أحد شوارع الحي، بعد ذلك، بدأ الرجال في نهب المتاجر التي يملكها السوريون، فيما لم تصدر السلطات التركية أية معلومات عن عدد الأشخاص الذين أُصيبوا في أعمال العنف.

ويتعرض السوريون في تركيا بشكل مستمر لسلسلة من الاعتداءات رغم تلقي أنقرة مليارات الدولارات لمساعدتهم واستضافتهم على أراضيها، وعلق الخبير السياسي الذي يقوم بأبحاث الدكتوراة في جامعة كوتش، نزيه أونور كورو، على الواقعة قائلا: إن حي أكيتالي، يمتلك خلفية اجتماعية مناسبة للصراع بين المجموعات العرقية، خاصة أن المنطقة تضم واحدا من تجمعات السوريين الكبيرة في المدينة واللافتات العربية منتشرة.
 

Qatalah