يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


ليس هناك كذبة أكبر من مقولة فتوح العثمانيين الإسلامية في أوروبا، فقد جرت هذه الحروب الدمار على العالم الإسلامي، وتسببت في تشويه صورة الإسلام، خاصة في شبه جزيرة البلقان، حيث كشفت أطماع دولة قامت على مبدأ الإغارة والسلب والنهب، لا نشر الحضارة والثقافة والدين.
والنتيجة، رفض غالبية سكان أوروبا الشرقية للإسلام، بسبب ممارسات الأتراك الهمجية وسعارهم في جمع الضرائب والإتاوات، حتى أنهم فرضوا الجزية على الشعوب المحتلة بما فيها الأقليات المسلمة داخل االإقليم الأوروبي المشتعل حتى اليوم بسبب ميراث الكراهية، الذي خلفه جنود آل عثمان.

الظلم يجلب الانتقام
بدأ الاحتكاك العسكري العثماني بحكام البلقان عام 1353 حين عبر السلطان سليمان باشا بن أورخان الغازي بجنوده مضيق الدردنيل إلى منطقة الروملي واستولى على قاعدة جيمبه، وتمكن سليمان باشا من إخضاع عدة مدن بيزنطية تحت حكم الأتراك، كما ذكر آيتاج أوزكان في كتابه "السلطان محمد الفاتح".
منذ ذلك الوقت دشن العثمانيون عهدهم بسكان البلقان عن طريق الدم، فكانت دماء الشعوب في البلقان ضحية لأطماع الترك التوسعية، ما خلق عداوة بين كل ما يمثل الترك وبين هذه الشعوب، ونال الإسلام الذي تستر الأتراك وراء رايته نصيباً وافراً من كراهية الأوروبيين.

أشعلت هجمات الأتراك الرغبة الانتقامية ضد الإسلام، وتجمع حلف أوروبي مدعوم من بابا روما عام 1364 لوقف التوغل التركي، إلا أن الهزيمة كانت من نصيب هذا الحلف. 
بعد ذلك عمد العثمانيون إلى نقل عاصمة دولتهم من بورصة إلى أدرنة لرغبتهم في مواصلة غزواتهم في البلقان وأوروبا، وقاموا بتوطين قبائل التركمان في المنطقة، بهدف أسلمتها، كما فرضوا الجزية والضرائب على الإمارات الصربية والبلغارية، وفق ما ذكر آيتاج أوزكان في كتابه.
خلال السنوات التالية توسعت الحرب التركية على دول البلغار والأفلاق والبغدان والصرب، وبحلول عام 1396 سيطرت الدولة العثمانية على كامل جنوب نهر الدانوب، ثم سقطت القسطنطينية عام 1453 بيد العثمانيين، ما مهد الطريق أمام استيلائهم على كامل البلقان، واستقدام اليهود إلى أراضي الاستعمار الجديدة بهدف الاستفادة من خبرتهم التجارية في جلب خيراتها.

نشر التعصب المذهبي
فرض العثمانيون الجزية على السكان في كل المناطق الخاضعة لهم، كما فرضوا ضرائب باهظة على النشاط التجاري والصناعي، وفيما وقعت بعض حالات فرض الإسلام بالقوة على السكان المسيحيين، إلا أن اتجاه الدولة العثمانية - في الأغلب - انصب على تحصيل الضرائب والجزية.
لم يكن النظام العثماني يهتم كثيراً بمسألة دخول رعاياه المسيحيين في الإسلام، بل اكتفى منهم بالولاء والضرائب، كما ذكرت نادية مصطفى في كتاب "التاريخ والعلاقات الدولية: منظور حضاري مقارن".
ميز العثمانيون بين المسلمين الأتراك وغيرهم في البلقان، ما خلق صورة مشوهة عن الإسلام، وزاد من فاعلية الدعاوى المحرضة ضد اعتناقه. واتبع المحتل سياسة اللعب على الاختلافات الدينية والصراعات المذهبية، بتغذية الصراع الأرثوذكسي الكاثوليكي، والعرقيات الصربية مع الكرواتية، بهدف ضمان تفتيت شعوب البلقان، وضمان خضوعها لهم.
تقول نادية مصطفى في كتابها: من الأبعاد الشائعة المقترنة بدراسة أزمات الصراعات القومية في البلقان وتجديد جذورها تلك التي تبرز ظاهرة القهر والقمع العثماني لشعوب البلقان (البلغار والروس في الشمال والصرب في الجنوب) وتوظيف العثمانيين للانقسامات الدينية بينهم والمساهمة في تعميقها وتجذرها في شكل أحقاد وكراهية متبادلة بين الصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك والمسلمين في البوسنة.
اتسمت سياسة العثمانيين بالقمع الشديد للشعوب البلقانية، ما أدى إلى نمو الروح الاستقلالية، وانتشار الأفكار القومية المطالبة بالاستقلال،  والتي كتب لها النجاح في القرن التاسع عشر.
بجانب أن تخلف الدولة العثمانية في ظل النهضة الحضارية التي تعيشها أوروبا دفع سكان البلقان للتطلع إلى الخلاص من المحتل، والالتحاق بالنهضة الأوروبية.

ميراث الكراهية
قبل أن تستولى إسطنبول على البلقان كان سكانه مجبرين على دفع الجزية للسلطنة، وتقديم عدد من أولادهم عبيداً للسلطان العثماني، فيما عُرف بنظام الدوشرمة، وهم الذين تكون منهم الجيش الإنكشاري.
يقول يوسف البستاني في كتابه "تاريخ حرب البلقان الأولى": الواقع أن تاريخ البلغار تحت الحكم التركي (منذ سقوط دولتهم سنة ١٣٩٣ إلى سنة ١٨٧٧ ) كان تاريخ ذل وهوان، فإنهم كانوا أرقاء تلعب الأكف التركية في رقابهم، وإذا شكوا حكمت السيوف في هاماتهم ولبثوا سنوات عديدة على أثر سقوط ملكهم يحسبون الأتراك من محتد أشرف من محتدهم.
مقابل ذلك قرب العثمانيون الأقلية المسلمة من أهالي الإقليم لتدشين اتحاد إسلامي ضد الأغلبية المسيحية في البلقان، واتبعت الدولة العثمانية سياسة استخدام المسلمين - وأغلبهم من البوسنة - في قمع الأغلبية المسيحية، ما خلف ميراثا من الكراهية والحقد، كشفت عنه الحروب الأهلية  في القرن التاسع عشر، وتسعينيات القرن العشرين في يوغوسلافيا السابقة. 

خلال الثورة البلغارية عام 1877 صب البلغار غضبهم على كل ما هو إسلامي، وارتكبوا مذابح بشعة بحق الأقليات المسلمة في بلادهم. واجهت السلطنة ثورات البلقان المتكررة بالعنف الشديد، ما أدى إلى تعمق الشعور المسيحي ضد المسلمين، وخلق حالة انقسام دينية خطيرة في البلقان.
يذكر يوسف البستاني في كتابه أن الدولة العثمانية أطلقت واستخدمت ميليشيات شبه عسكرية في عقاب البلغار على ثورتهم، ارتكبت مذابح لم يرحموا فيها كبيراً ولا صغيراً، وراح ضحية أعمالهم الوحشية 20 آلفا من الأطفال والنساء والرجال، ما ألب أوروبا ضد الدولة العثمانية، وزاد من كراهية الإسلام في أوروبا.

كان سوء الإدارة العثماني، وتدهور العلاقة بين مركز الحكم والولايات التابعة، واقتصارها على جني المكاسب، وانتشار الفساد داخل الإدارة، من أهم الأسباب التي أدت إلى نمو الروح القومية لدى شعوب البلقان، و مطالبتها بالاستقلال، كما تقول نادية مصطفى، بينما رسخ طرد الأتراك لمسيحيي البوسنة خارجها في عام 1697 موقفا عدائيا ضدها باعتبارها ولاية عثمانية.

تفخيخ البلقان

إن المسؤول الأول عن العنف والمذابح التي انفجرت في منطقة البلقان عام 1912 وأواخر القرن العشرين، بعد تفكك دولة يوغوسلافيا، هو التاريخ الطويل والسيء لإدارة العثمانيين، خلال خمسة قرون لعب الأتراك فيها على زرع الحروب الأهلية من أجل تفتيت شعوب المنطقة وإخضاعها على الدوام.
إن ما ضمن سيطرة إسطنبول على البلقان في ظل الثورات الأهلية كان الدعم الأوروبي من قبل فرنسا وبريطانيا للدولة العثمانية، بهدف وقف التقدم الروسي والنمساوي.
لم يهتم الأتراك بمصير شعوب البلقان، حين تأكد لكل عاقل أن مسألة إجلائهم عن البلقان آتية عن قريب، فخلفوا وراءهم انقسامات عرقية خطيرة بين الشعوب الصربية والكرواتية والبوشناق، إلى جانب الصراعات الدينية والمذهبية الموجودة سلفا.
تسبب عجز الدولة العثمانية عن إدارة البلقان إلى تعقد المسألة، وتدخل القوى الأوروبية وفشل جميع مساعي الحل بسبب التعنت التركي، وتمثل الفشل العثماني في ولاية البوسنة، التي كانت تضم أغلبية مسلمة وأقليات صربية وكرواتية، حيث تنازل العثمانيون عنها إلى النمسا، وأدى ذلك لإثارة الصرب ضد النمساويين، الأمر الذي فجر حربا عالمية الأولى حين قتل صربي متطرف ولي عهد النمسا وزوجته، ليشهد العالم فصلا من الدمار عرف باسم الحرب العالمية الأولى.

أوهام إردوغان

شهد عام 2009 عودة تركيا إلى غرب البلقان كلاعب فاعل، عقب توليها رئاسة "عملية التعاون لجنوب شرق أوروبا "SEECP"، إلا أن تباهي إردوغان بالإرث الدموي العثماني مازال يمثل عقبة كبيرة أمام بناء علاقات جوار حسنة مع بين أنقرة ودول البلقان.
يصور صحافي كرواتي الاحتلال العثماني للبلقان بقوله: تلك الحقبة العثمانية بالنسبة لكثير من الناس في المنطقة هنا كانت تمثل حقبة اضطهاد.
يرجع عدم وجود علاقات صداقة بين غير المسلمين من سكان البلقان وبين تركيا إلى  الشكوك في نوايا حكومة إردوغان، بجانب ميراث الكراهية التاريخي، الذي يتباهى به الأتراك حتى الآن. 
الأحزاب والقوى السياسية في البلقان أعلنت خشيتها علنا من أن يصبح التدخل التركي في البوسنة والهرسك جزءًا من طموح تركيا لبسط نفوذها من جديد على المنطقة، وقد أظهرت بعض وثائق ويكيليكس عددًا من الديبلوماسيين الأميركيين يشاركونهم تلك المخاوف، وفق ما ذكر الكاتب أورهان توربدار في مقال بصحيفة "رؤية تركية".

Qatalah