يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في ساحة الحرية بدمشق، في السادس من مارس 1916، نفذ الجلاد العثماني حكم الإعدام ضد رفيق سلوم و6 من رفاقه، كانوا ضمن موجة الشهداء الثانية، الذين رحلوا عن الدنيا بأجسادهم، بينما ظل إرثهم حياً بين المناضلين العرب، الذين ثأروا لهم بعد عامين، حين طردوا الغاصب التركي من بلادهم، بعد 400 عام من الاحتلال العثماني الغاشم للأمة العربية.

سلوم قرر منح حياته لخدمة قضايا العروبة، حيث درس الحقوق ليعرف حق أمته، وتبحّر في علوم الاقتصاد ليفضح الخراب العثماني، وكتب المقالات والمؤلفات، لتنوير شباب أمته، مؤمناً بأن المعرفة أقوى سلاح في وجه المحتل التركي، ورفع لواء الإصلاح وافتخر بالمجد العربي.

أثناء خدمته ضابطاً في الحرب العالمية الأولى، انضم سلوم إلى جمعية العهد العسكرية، فقد كان عربياً قبل أن يكون مسيحياً، مثلما كان معلمه عبد الحميد الزهراوي عربياً قبل أن يكون مسلماً، فاجتمعا على العروبة، وقدما مثالاً على وحدة الأمة، وعلى ثرائها بالتنوع والاختلاف.

سلاح المعرفة والفن
المعرفة كانت الخطوة الأولى في طريق التحرر العربي، إذ بدونها لن يدرك العرب حقوقهم، ولن يدركوا زيف الدعاوى العثمانية، لذلك أخذ رواد النهضة العربية على عاتقهم نشر التعليم، وعقد حلقات النقاش، وإنشاء المجلات والصحف، والكتابة فيها، ووجد رفيق سلوم في الصحافة ضالته المنشودة، فكتب في المقتطف، والمقتبس، وحمص، والمفيد، كما كان محرراً دائماً في جريدة الحضارة، التي أصدرها عبد الحميد الزهراوي في إسطنبول.

لم يكتف سلوم بكتابة المقالات، لكنه وضع عدة مؤلفات في الحقوق والاقتصاد، فكان من رواد هذه العلوم في المشرق العربي، وألف موسوعة علمية حقوقية في 400 صفحة، تناولت حقوق الأمة العربية في الحياة وتقرير المصير والعيش بمطلق الحرية.

المحتل التركي أدرك خطوة المقاومة الثقافية التي كان سلوم من روادها، فطاردهم وأغلق الصحف، وصادر المطبوعات.

لم ييأس سلوم، لكنه لجأ إلى سلاح جديد يحارب من خلاله المحتل العثماني والدفاع عن قضايا أمته، ووجد ضالته هذه المرة في الفن، فأنشأ فرقة تمثيلية في "المنتدى الأدبي" بإسطنبول، وقدم على مسرح المنتدى أعمالا تشيد بمجد العروبة والإسلام، بهدف النهوض بالعرب في زمن التقاعس والخمول.

سلوم قام بدور البطولة في مسرحية "السموأل"، واستهل أحد المشاهد ببيتين معروفين من نظمه، أمام حشد كبير من المسؤولين الأتراك، مجد فيهما العروبة قائلاً:
قبلت حد السيف قبلة عاشق
وهتفت يا سلمى افرحي وتهللي
إن كان في موتي حياة ترتجي
للعرب، أقبل يا حمام وعجل
المسرحية أثارت حفيظة المحتل التركي، لذا كانت أحد الأسباب التي دفعتهم لمراقبة رفيق سلوم، قبل اعتقاله في حركة 1915 في الشام.

الشعر عند رفيق سلوم كان وسيلة لإثارة الحمية العربية، وبث الهم بقضايا الأمة بين أبنائها، فراح ينشر قصائده الثورية، ومن أبرزها قصيدة "لا تقنطوا يا عرب"، التي نشرها في جريدة الحضارة، وفيها يقول:
هو الحق مثل الشمس في الكون يظهر
وليس يضير الشمس أرمد ينكر
الشباب العربي كان المُخاطبَ في شعر سلوم، فقد كان هم الأمل في الثورة، وكتب سلوم لهم:
ترى يعيد لنا التاريخ رونقنا
وننقذ المجد من خطب ومن نوب؟
هل يبعث الدهر أخلافا لمن سلفوا
وهل نفوز أيا أصحاب بالأرب؟

شهيد الأمة
السلطنة العثمانية تورطت في الحرب العالمية الأولى، وتم تجنيد سلوم في الجيش ضابطاً، واستغل تلك الفترة في الانضمام إلى "جمعية العهد" التي تأسست بين الضباط العرب داخل الجيش العثماني، بهدف تنظيم عمل عسكري ضد المحتل التركي، لكن سلوم تعرض للاضطهاد مثل رفاقه العرب داخل الجيش التركي، حيث قام جمال باشا السفاح قائد الجيش الرابع بتشتيت شملهم، وتفريق الكتائب العربية على جبهات القتال، حتى يأمن جانبهم، حين يبدأ الفتك بأقطاب القومية العربية في الشام.
أثناء إجازته، قام العثمانيون بالقبض عليه، ونقله إلى الديوان العرفي في جبل عالية، حيث تعرض إلى التعذيب، بهدف نزع المعلومات عن نشاطه في الحركة الإصلاحية، لكنه فضل الموت على الإدلاء بكلمة للمحتلين.
تاريخ رفيق سلوم الطويل في مقاومة المحتل العثماني، بجانب الاشتباه في نشاطه العسكري، كانا السبب في اعتقاله عام 1915، وكتب رسالة إلى أهله في حمص، قبيل إعدامه بفترة وجيزة، جاء فيها :"لقد وجهوا إليَ التهم القاسية، التي أيقنت من إعدامي بموجبها، منها أن لي قصائد وأناشيد وطنية أحض فيها الناشئة العربية على طلب الاستقلال".

سلوم مثل رفاقه العرب تعرضوا إلى التعذيب البدني، والإيذاء النفسي، من قبل زبانية المحتل التركي، وقد حكى عما تعرض له :"لقد ربطوا أطرافي بالحبال، وبدأوا يضربونني ضرباً مبرحاً أليماً، فأغمي عليَ من شدة الألم، ولما أفقت عادوا إلى ضربي ثانية حتى أغمي عليَ، ثم أفقت مرة ثالثة فعادوا إلى ضربي، وتكسير العصي فوق جسدي، كل ذلك ليرغموني على الكلام والاعتراف، وأنا مصر لا أنطق".

آخر ما تفوه به سلوم كان دعوة لاستثارة الهمة وتربية الشباب العربي على حب الوطن، والتضحية في سبيل الأمة، وكتب في وصيته: "عليكم أن تعتنوا بتربية أولاد أخي الثلاثة على المبادئ الوطنية القويمة، وعلموهم أن يعيشوا ويموتوا من أجل الوطن".

مثال التسامح
رفيق رزق سلوم، ولد عام 1891 بمدينة حمص في عائلة أرثوذكسية متميزة، اهتم والده بتعليمه، حيث ظهرت عبقريته منذ حداثة سنه، فكان المتفوق على أقرانه في الدراسة، والتحق بالكلية الأمريكية ببيروت، وعمره 13 عاماً، وتعلم علوم اللغة التركية في ذلك الوقت، بينما كانت الإنجليزية هي اللغة الثالثة التي أجادها، وأتقن الروسية والفرنسية واليونانية، وكان محبا للأدب: شعرا، ونثرا، وفي عمر السابعة عشر كتب أول مؤلفاته، وهي رواية "أمراض العصر الجديد"، وطُبعت في بيروت عام 1909، وأهداها إلى معشوقته "الحرية"، التي تمناها لأمته العربية.

سلوم عاد إلى حمص عام 1909، والتقى المناضل عبد الحميد الزهراوي، الذي كان من دعاة القومية، والإسلام القويم، فتعرف على الإسلام عن طريقه، وأحبه، فكان مثالاً حياً على التسامح الذي صبغ الحركة القومية العربية.

المعلم الزهراوي نصح سلوم بالمغادرة إلى إسطنبول، لدراسة الحقوق، وهناك تعرف على الشباب العربي المتحمس لقضايا أمته، وانضم إلى المنتدى الأدبي العربي.

المصادر :


Qatalah