يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


مطاردات أمنية تعسفية، وظروف اقتصادية متدنية، وحقوق إنسان مُهدرة، ثلاثة عوامل أساسية وراء نزوح آلاف العقول التركية من طلاب وأكاديميين ورجال أعمال إلى خارج بلادهم، فراراً من القمع، وبحثاً عن مناخ آمن لممارسة حياتهم وأعمالهم بحرية.
وفيما يشترط القانون التركي تنازل المواطن عن جنسيته التركية مقابل الحصول على أية جنسية أخرى، كشفت هيئة الإحصاءات الألمانية، اليوم الخميس، عن حصول 16 ألفا و700 تركي على الجنسية الألمانية خلال عام 2018، وفي 2017، حصل عليها 14 ألفا و984 تركيا.
في 2016، أعلنت الإدارة العامة لشؤون المواطنة والسكان بوزارة الداخلية التركية عن تنازل 24 ألفا و545 مواطنًا عن الجنسية التركية خلال عام، منهم 20 ألفا و692 شخصا تنازلوا عنها للحصول على الجنسية الألمانية.
النائبة المعارضة أيلين نازلي آكا، قالت في وقت سابق إن هذه البيانات تعكس مدى تراجع تركيا فيما يتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان وتدهور نظام العدل فيها وتراجع مستويات الرفاهية الاقتصادية، مشيرة إلى أن الرأي العام التركي يعلم أن السنوات الأخيرة شهدت هجرة للشباب والعقول بمعدلات كبيرة.
 
هجرة العقول
خلال السنوات الأخيرة، ومنذ مسرحية الانقلاب المزعوم يونيو 2016، تتزايد ظاهرة هجرة العقول في تركيا، بشكل لم تشهده من قبل، هربًا من التضييق الأمني والملاحقة التي انتهجتها حكومة الرئيس التركي، رجب إردوغان، بالإضافة لتراجع الحالة الاقتصادية، وانهيار الاقتصاد وارتفاع التضخم وغلاء الأسعار.
ديسمبر الماضي أجرى حزب الشعب الجمهوري دراسة حول هجرة العقول التركية، ولفت النائب البرلماني عن بلدية إزمير إلهامي أوزجون، إلى الظاهرة أمام البرلمان، وقال: "سجلت أعداد العلماء المهاجرين خلال العامين الأخيرين أعلى نسبة لها في تاريخ تركيا، وجاءت ألمانيا في مقدمة الدول التي رحلوا إليها".
بحسب الدراسة فإن عدد الأتراك الفارين عام 2016 قد بلغ 69 ألفا و326 شخصا، وارتفع إلى 113 ألفا و326، بنسبة زيادة 63% خلال عام 2017، بينما ارتفعت نسبة المهاجرات من 37 إلى 42%، حيث زاد في عام  2018 إلى 253 ألفا و640 شخصا، وتصدرت مدن إزمير وجناق قلعة واسكي شهير وموغلا وأدرنة وتكيرداغ وقرقلر إيلي، النسبة الأكبر من تيارات المهاجرين.
وبالرغم من أن تركيا شهدت خلال الفترة الماضية قدوم 5 ملايين لاجئ إلا أنها لم تستفد بمهارت أي منهم، فعمد هؤلاء إلى جعلها دولة "ترانزيت" للذهاب إلى أوروبا الشرقية، فيما زادت طلبات الأتراك للجوء إلى ألمانيا في الشهور الأخيرة لتصل إلى 3 آلاف و 248 طلبا عام 2018.
سياسات إردوغان السبب
يناير الماضي صحيفة نيويورك تايمز قالت في تقرير موسع بعنوان "هجرة الأتراك إلى الخارج" إن أسباب هذه الموجة من النزوح الجماعي للعقول تتمثل في "انتشار المحسوبية والاستبداد المتزايد"، مضيفة "يهاجر من يقفون ضد رؤية إردوغان في مجموعات، مصطحبين معهم مواهبهم وممتلكاتهم".
الصحيفة كشفت أنه "للمرة الأولى منذ تأسيس الجمهورية، تهاجر عائلات الطبقة العليا التي تدير الثقافة والحياة العملية، وتترك البلاد بلا رجعة". مشيرة إلى أن الفارين يتوجهون إلى اليونان والبرتغال وإسبانيا، ويؤسسون حياة في هذه البلدان، بغرض الاستقرار النهائي.
وأرجعت الصحيفة الأمريكية انتشار الهجرة بين الأتراك إلى خوفهم من الاضطهاد السياسي والإرهابي وانعدام الثقة المتعمق بالقضاء والتعسف القانوني، فضلاً عن تدهور مناخ الأعمال المدفوع بمخاوف من تلاعب إردوغان بإدارة الاقتصاد من أجل مصالحه الشخصية ودائرته المقربة.
"نيويورك تايمز" نقلت عن تقارير رسمية تركية أن 12 ألفا، تتجاوز ثرواتهم المليون دولار، يقدرون بنحو 12% من أثرياء البلاد، بدأوا نقل أموالهم إلى الخارج، في الفترة بين عامي 2016 و2017، وتحديدا بعد استغلال إردوغان مسرحية الانقلاب في إطلاق حملة اعتقالات واسعة طالت الجميع.

Qatalah