يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تعالى العثمانيون على مواطنيهم وعاملوهم كالعبيد، وجعلوا العاصمة إسطنبول منطقة آمنة بل ومقدسة، وحولوها إلى مدينة مغلقة على الطبقة الحاكمة والصفوة، وحرموها على الفئات العاملة والفقراء، وأبناء الشعوب المحتلة، خاصة العرب، ولم يسمحوا بدخول أحد منهم إلا للاستعباد والعمل تحت رحمة "كفيل إسطنبول".
وضعوا معايير صارمة للسفر أو الإقامة في العاصمة، وكان القدوم من مدينة أخرى للإقامة في إسطنبول أمرا صعبا جدا، يقول المؤرخ غليبوللي علي الذي عاش في عصر السلطان سليمان القانوني، في كتابه نصائح السلاطين، إن العثمانيين حرموا إسطنبول على سكان الولايات، وفرضوا على زائريها رسوما باهظة، وإذا تأخر أحدهم عن العودة، يتم القبض عليه وترحيله إلى قريته مكبلا بالحديد.

تشغيل بالسخرة
يقول  فيلييب مانسيل في كتابه القسطنطينية المدينة التي اشتهاها العالم إن القرن الـ17 شهد موجة من الأوبئة والمجاعات اجتاحت الولايات، ما دفع الكثير من سكانها للهجرة في طلب الرزق، خارج حدود المناطق الموبوءة، إذ ترك القرويون قراهم واتجهوا للإقامة في المدن الكبيرة، وبدلا من أن تهب الدولة العثمانية لانتشالهم من الفقر والمرض، أصدرت قوانين لتشديد الرقابة على دخول العاصمة.
العثمانيون استحدثوا مؤسسة الكفيل للسماح بالعمل داخل إسطنبول، في نظام أشبه ما يكون بالمقاولات العمومية، التي تولاها الأمراء والوزراء وكبار قادة الجيش، حيث تولوا توريد العمالة من خارج إسطنبول وحصلوا في مقابل ذلك على مبالغ مالية طائلة من عرق العمال، حتى وصلت عمولتهم في بعض الأحيان إلى ثلث الأجر اليومي، بصورة جعلت العمل لديهم أشبه بسخرة العبيد لدى السيد التركي.
يذكر  دونالد كواترت في كتابه الإمبراطورية العثمانية بين 1700 و1922 أنه قدم لإسطنبول العديد من سكان الولايات، لكن الكفيل أصبح البوابة التي يمر من خلالها العمال لدخول إسطنبول، لتلبية احتياجاتها من العمالة، لكنه تمادى في إذلالهم فشيد لسكن العمال ما عرف بـ "غرف العذاب"، لمنعهم من الاختلاط بالسادة العثمانيين، وكانت هذه الغرف شهيرة بصرامة القواعد التي لابد أن يرعاها المقيمون بها، إذ تحدد لهم موعد الدخول والخروج منها وعدد الأفراد بها، وفرضت عليهم الإقامة الجبرية في تلك الحجرات غير الآدمية، وكان عليهم البقاء بتلك الغرف أكثر من 12 ساعة يوميا، رغم انعدام التهوية والإضاءة بها، حتى ساءت أوضاعهم الصحية فانتشرت الأمراض التنفسية والجلدية بينهم، وحدث الكثير من حالات الوفاة نتيجة لذلك، وقد أعفت الدولة الكفيل من أية مسؤولية قضائية أو أدبية، فما عليه هو التوجه لبلدية إسطنبول لحذف اسمه من السجلات.

تذكرة المرور
شملت الإجراءات العنصرية إصدار "تذاكر مرور" لراغبي دخول إسطنبول، وكانت بمثابة جواز سفر داخلي، وكما يذكر بول كولز  في كتابه "العثمانيون في أوروبا" تولى الكفيل استخراج التذاكر لراغبي العمل، حيث يسجل بها بيانات الشخص وصفاته وسبب الزيارة ومدة الإقامة، وأصبح من يرغب في السفر إلى إسطنبول ملزما بأخذ هذه الوثيقة من كفيل العاصمة، وتم تحديد نقاط معينة لدخول المدينة، فكانت منطقة كوتشوك جكمجه بوابة للقادمين من الروميلي، وجسر بوسطانجي باشي للقادمين من الأناضول، وفرضت عقوبات مشددة على المخالفين.
تمادى الأتراك في ازدراء الأقليات العرقية والدينية،وفرضوا رقابة مشددة على الأكراد وسكان البلقان وبعض البلدان العربية، الذين أجبرهم الكفيل على حمل تذاكر مرور مسجل بها مواصفاتهم وبياناتهم الشخصية، وعليها عبارات ورموز مشفرة للدلالة على أصولهم المنبوذة، حتى تقوم البلدية بالتحقق من هيئتهم وهويتهم.
تذكر دائرة معارف الإمبراطورية العثمانية أن هذا الوضع العنصري استمر حتى عهد السلطان محمود الثاني، الذي انبهر بنموذج العواصم الأوروبية، واتهم جماعات العمال الوافدين بأنهم قاذورات المدينة، بل وصرح بأن إسطنبول مدينة الصفوة، وأصد فرمانا في عام 1838 ضمن ما يعرف بالتنظيمات المحمودية، أشاد بمنظومة الكفيل، وأكد على عدم السماح للعمال المهاجرين بالتجول في شوارعها، وأمر وزيره راشد مصطفى باشا بتعليق الفرمان في الميدان الرئيس، وكلف القاضي بتولي رئاسة بلدية المدينة ومحاكمة المخالفين.

Qatalah