يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


جعل الله ذكر اسمه طريقا إلى الفردوس الأعلى والنعيم المقيم، فيما جعل رجب إردوغان اسم الله وسيلة للمكر والشر والتجسس أيضا. هذا ما يفعله الرئيس التركى بهدف واحد فقط هو دعم قبضته على السلطة فى تركيا، وإيذاء المعارضين لجرائمه، فى الداخل بالقمع والسجون والتهم الملفقة والاختطاف والقتل، وفى الخارج باوكار التجسس التى زرعها فى طول أوروبا وعرضها - تحت اسم الله وراية نشر الإسلام- بلافتة عريضة اسمها المراكز الإسلامية. 

كلية الإلهيات في فرنسا هى الأحدث فى سلسلة كتائب الاستطلاع التى يزرعها إردوغان فى أنحاء العالم، كقنابل مفخخة ودور إيواء للجواسيس، وتعد واحدة من مئات المراكز الإسلامية التى سعى أردوغان إلى  إنشائها، مثل تلك الموجودة فى شمال قبرص، وليس لهذه المراكز غرض إلا تحقيق أهداف إردوغان الشخصية، وعلى رأسها مكايدة النظام الفرنسى بعد صدام قريب إثر قيام السلطات الفرنسية باستبعاد عدد كبير من الأئمة الأتراك، فضلاً عن اعتراض نحو 300 شخص فرنسي على القرآن الكريم من بينهم الرئيس الفرنسي السابق  ما أثار شكوى الرئيس التركي ودفعه لاتخاذ قرار قبل يومين بضرورة تشييد الكلية بأسرع وقت ممكن. 

لم يكن قرار إردوغان أول أمس بإقامة كلية الالهيات والتى من المقرر افتتاحها فى مدينة ستراسبورغ الفرنسية بجديد، إنما تمت مناقشته فى يناير الماضى خلال زيارة الرئيس التركي للعاصمة الفرنسية، كما نشر فى الجريدة الرسمية، ويأتي القرار بمثابة مكايدة للنظام الفرنسي بعد صدام بين الطرفين، ونتج عنه أن اتخذت باريس عدد من القرارات  من بينها استبعاد الأئمة القادمين من خارج البلاد "تركيا"، ما يعبر عن عدم رغبة فرنسا فى توظيف الأئمة الأتراك داخل المساجد الفرنسية، ما يزيد من صعوبة تقديم الخدمات الدينية للجالية التركية في الداخل الفرنسي. وكان من ضمن القرارات الاتجاه الفرنسى لإغلاق بعض المساجد التي يديرها مسلمون أتراك فضلاً عن قيام فرنسا بتخفيض عدد الأئمة القادمين إليها من تركيا بمعدل 5 موظفين سنويا، دون ملء هذه الشواغر متحججين بعدم اتقان الأئمة الأتراك للغة الفرنسية.

وكذلك من ضمن القرارات صدور الإعلان المضاد للقرآن والذى وافق عليه 300 شخص  فرنسي من ضمنهم الرئيس الفرنسى السابق ورؤساء الوزراء السابقين الثلاثة وممثلين من الجمعيات اليهودية والمسيحية وعدد من الكتاب، ما دفع مجلس التعليم العالي التركي بإغلاق نصف عدد الأقسام التي تدرس اللغة الفرنسية فى الجامعات التركية. 

كما نصّ الإعلان على أهمية تأهيل المواطنين الفرنسيين من أصول تركية في كليات الشريعة بتركيا، وبموجب هذه الفقرة تم تخفيض عدد الموظفين الدينيين الأتراك في فرنسا تدريجيا من موسم 2014-2015، والاستعاضة عنهم برجال دين فرنسيين من أصول تركية.

كل هذه القرارات أثارت غضب الرئيس التركى فجاءت زيارته إلى فرنسا فى شهر يناير الماضى، وعرض التعاون بإعادة افتتاح كلية الشريعة بجامعة ستراسبورغ التابعة لكلية الشريعة بجامعة إسطنبول، لتكثيف العملية التعليمية بها بناء على عدم رغبة فرنسا فى استقطاب الأئمة الأتراك، ما يجعل فرنسا تضطر لتعيين الخريجين من الكلية في الوظائف الدينية بالبلاد.

1000 مركز إسلامي للأغراض الخفية لتركيا
حرص تركيا على إنشاء  كما كبيرا من المراكز الإسلامية  والتي وصل عددها 1000 مركز ومسجد فى أكبر عدد من الدول الأوربية ليس الغرض منه نشر الفكر الاسلامى والحفاظ على حقوق الجاليات الإسلامية التركية بقدر استخدامها كأداة سياسية لصالح حزب العدالة والتنمية، ما يعتبره البعض جزءًا من المخطط الأردوغاني لإعادة الاعتبار لتركيا الإسلامية العالمية، وقد ساعدها على ذلك أمران.

أولهما: انتشار الأتراك في أوروبا  بصورة الإسلام المعتدل التي تُحاول الإدارة التركية تصدير نفسها كممثل لها، بالإضافة إلى أن استخدامها من أجل تحقيق بعض الأهداف السياسية مثل المحور التركي القطري لمواجهة المحور السعودي المصري الإماراتي، والذي سبقته السياسة الإيرانية بعد الثورة الإسلامية بمواجهة النفوذ الخليجي في الثمانينيات والتسعينيات، والذي استخدم فيه الطرفان فائض الثروة خلال ارتفاع أسعار النفط العالمية للترويج لنمط من الإسلام يتماشى مع توجهات هذين المحورين.

وأنفقا أموالا طائلة لمحاولة كل طرف نشر المذهب الخاص به وطريقة فهمه  للإسلام، والذي أدّى فيما بعد لما شاهده العالم من انتشار للأفكار المتطرفة وخلق الأرضية التي ساعدت على ظهور ما سمّاه الغرب بالإرهاب الإسلامي بشقيه السنّي والشيعي ووصفه  مؤيدوه بــ "الصحوة الإسلامية". 

استراتيجية الهيمنة: إحياء الإرث العثماني
من ضمن الأغراض الخفية التي يسعى إردوغان لتحقيقها من هذه المراكز ترويج خطاب سياسي يستدعي إرث العثمانية القديمة في ثوب جديد، خاصة أنه  يرى أن هناك عدداً من دول أوروبا تُعد امتداداً للتواجد التاريخي العثماني بالقارة العجوز في الماضي.

وتعد استراتيجية إقامة المراكز الإسلامية فى الدول الأوروبية جزء من استراتيجية إردوغان  الذى يهتم كثيرا بتراثه التاريخي وإرثه العالمي، ويرتبط في ذهنه بجهده من أجل المساعدة في نشر الإسلام لذا يتوسع فى إقامة هذا النوع من المراكز لتحقيق هذا الهدف.

Qatalah