يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يكن الأتراك في حاجة إلى إثبات جديد على استبداد رئيس دولتهم، رجب إردوغان، بالسلطة عبر إجراءات غير ديمقراطية ولكن الرجل المعروف بكرمه في القمع زادهم دليلًا الاثنين الماضي، عندما قررت حكومته عزل 3 رؤساء بلديات أكراد في جنوب شرق البلاد.

في قراءتها للمشهد السياسي التركي بعد عزل رؤساء البلديات في أكبر ثلاث مدن تقطنها أغلبية كردية وهي ديار بكر وماردين وفان، حذرت صحيفة الإندبندنت البريطانية، الجمعة، من أن حملة القمع الحكومية قد تمتد إلى رؤساء البلديات المعارضين الآخرين المنتخبين حديثًا. 

مخاوف المعارضة
الاثنين الماضي، قررت السلطات التركية، استبعاد رؤساء ثلاث بلديات كردية منتخبين، في ماردين وديار بكر وفان، وتعيين وصاة تابعين لحزب العدالة والتنمية بدلًا منهم، وتزامنا مع القرار اعتقلت وزارة الداخلية التركية 418 كرديّا، بينهم الرؤساء الثلاثة المنتخبون، متهمة إياهم بـ"دعم الإرهاب".

ورغم الإدانات المحلية والدولية، عزلت السلطات مجددًا، الأربعاء الماضي، 4 رؤساء بلديات آخرين بمدينة بطمان، وعينت وصاة بدلًا منهم، إلى جانب استبعاد 9 من أعضاء مجالس البلديات التابعين لحزب الشعوب الديمقراطي في مدينة فان، ببلديات أدرميد وتشالدران وتوشبا.

الأمر لم ينته عند هذا الحد، حيث خرج وزير الداخلية سليمان صويلو مهددًا سياسيي البلاد المعارضين، وعلى رأسهم عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو، بمصير يشبه مصير العمد الأكراد إذا ما تحدثوا عن الإجراءات غير الديمقراطية التي تشهدها مدن جنوب شرق البلاد ذات الأغلبية الكردية.

أثناء لقاء مطول مع الصحافيين الدوليين، دافع صويلو عن قرار حكومة العدالة والتنمية المثير للجدل، ووصفه بأنه خطوة مبررة قانونًا لمواجهة حزب "العمال الكردستاني" المحظور الذي أُدرج على قائمة المنظمات الإرهابية، فيما أكدت "الإندبندنت" إن القرار والتبريرات التي تبعته زادت المخاوف من أن تطال حملة القمع الحكومية جميع العمد المعارضين المنتخبين مؤخرًا.

تهديدات 
القرار الحكومي أثار انتقادات واسعة النطاق، بما في ذلك من رئيس بلدية إسطنبول المنتخب مؤخرًا أكرم إمام أوغلو الذي قال على "تويتر" إن "تجاهل إرادة الشعب أمر غير مقبول"، وذلك في وقت كانت تنفذ فيه الشرطة التركية حملة اعتقال طالت العشرات لانضمامهم للاحتجاجات الرافضة لإجراءات العزل.

وفيما استهدفت الشرطة المحتجين بالرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع، وصف صويلو تعليقات رؤساء البلديات المعارضين وعلى رأسهم إمام أوغلو على قرارات العزل بأنها "رياء سياسي"، وألمح إلى إمكانية تعرضهم للمساءلة والاتهام لتعاطفهم مع "الجماعات الإرهابية".

صويلو قال: "إلى أي مدى ينبغي على رؤساء البلديات الانخراط في التعليق السياسي. نصيحتي لهم هي أن عليهم الاهتمام بشؤونهم وعدم الإدلاء بتعليقات سخيفة حول الأمور التي لا يفهمونها".

صدمة إسطنبول
قرار عزل رؤساء البلديات الأكراد يأتي بعد أشهر قليلة من انتخاب إمام أوغلو الذي هزم مرشح العدالة والتنمية بن علي يلدريم بفارق يزيد على 800 ألف صوت في انتخابات الإعادة بإسطنبول التي جرت في 23 يونيو، بعد إلغاء فوزه الأول في اقتراع 31 مارس تحت ضغط إردوغان، وهو ما هز المشهد السياسي في تركيا.

بحسب "الإندبندنت"، يُنظر إلى إمام أوغلو على أنه نجم ساطع على ساحة المعارضة التركية، لافتة إلى المخاوف المتزايدة من محاولة إردوغان إعاقة صعوده إلى السلطة، خاصة بعدما أدى فوزه بجانب فوز منصور يافاش برئاسة بلدية أنقرة، إلى إنهاء 25 عامًا من سيطرة الحزب الحاكم على أكبر مدينتين في تركيا.

تعليقًا على قرار العزل، كتبت المحللة السياسية التركية جيجدم طوكر في صحيفة "سوزجو" اليومية: "من يستطيع الجزم بأن إقالة رؤساء البلديات لا تشكل تهديدًا للبلديات التي تحكمها حاليًا أحزاب المعارضة الأخرى؟".

تهم واهية
وخلال اللقاء بالصحافيين الأجانب، سلّم فريق وزير الداخلية التركي ملفات تذكر تفاصيل حول الجرائم المزعومة لكل من رؤساء بلدية ديار بكر عدنان سلجوق مزراكلي، وبلدية ماردين أحمد تورك وبلدية فان بديعة أوزغوكجه. وتمكن جميعهم من هزيمة الأمناء الذين عينتهم الحكومة التركية في انتخابات 31 مارس، وينتمي جميعهم لحزب "الشعوب الديمقراطي" ذي الجذور الكردية.

صويلو عقد مقارنة بين قرار عزل المسؤولين الأكراد المنتخبين ومحاكمتهم وتحركات إسبانيا ضد المسؤولين المنتخبين في إقليمي الباسك وكاتالونيا اللذين أصبحا جزءًا من الحركات الانفصالية. وقال: "بالرغم من عدم ارتكاب أعمال عنف، تمت محاكمة 12 مسؤول في إقليم كاتالونيا لارتكابهم جرائم تتعلق بتدمير النظام الدستوري من خلال أعمال العنف والعصيان".

قرارات العزل ترتكن إلى تغيير في قانون البلديات حدث في سبتمبر من عام 2016، بموجب مرسوم حالة الطوارئ التي أعقبت محاولة الانقلاب المزعوم في 15 يوليو 2016، ويتيح التعديل إقالة رؤساء البلديات ممن اتُهموا بأن لهم صلات بالإرهاب، واستبدالهم بآخرين.

كما جاء تنفيذًا للتهديدات التي أطلقها إردوغان، قبيل انتخابات مارس بـ"عزل وحبس" الأكراد الفائزين برئاسة البلديات، بدعوى أنهم قيد الملاحقة القضائية، وحينها قال: "نمتلك السجلات الجنائية الخاصة بهم، فإذا ما أسفرت الصناديق عن فوزهم، فسيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة فورا وتعيين وصاة بدلا منهم"، متجاهلا الإجابة عن سؤال حول السماح لهم بالترشح من الأصل إذا كانوا بالفعل متهمين في قضايا جنائية.

وزير الداخلية أعلن في الفترة نفسها أنه "لن يبقي على الأكراد في رئاسة البلديات"، وقال: "أقولها بكل صراحة: لن تظل هناك بلدية لحزب الشعوب الديمقراطي، وما شابه هناك".

انقلاب على الانتخابات
في الانتخابات المحلية التي أجريت في 31 مارس، حصل رئيس بلدية ديار بكر عدنان سلجوق مزراكلي على 63% من الأصوات في المقاطعة، وحصل عمدة ماردين أحمد ترك على 56% وحصلت الرئيسة المشاركة لبلدية وان، باديا أوزجوكتشه إرتان، على تأييد شعبي بنسبة 54%. 

وتعد هذه المرة الثانية التي يتم فيها إبعاد رؤساء البلديات المنتخبين في الجزء الجنوبي الشرقي من البلاد واستبدالهم بأشخاص مُعينين من الدولة، بعدما استبعدت السلطات نحو 95 منهم بعد انتخابات 2014.

العديد من المؤسسات الدولية والمحلية اعتبرت أن ما فعلته السلطات التركية، تقويض للديمقراطية في البلاد، فمنظمة هيومن رايتس ووتش، المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان، قالت إن قرار الحكومة التركية "يلغي فعليا انتخابات مارس الماضي، ويعلق الديمقراطية في البلاد".

المنظمة الحقوقية الدولية ذكرت كذلك على لسان مديرها التنسيقي في أوروبا وآسيا، هيو ويليامسون، أن "تشويه سمعة رؤساء البلديات من خلال الزعم بوجود صلات غامضة بينهم وبين الإرهاب، يحرم الأكراد من ممثليهم، كما يعرض كل الملتزمين بالديمقراطية في تركيا للخطر".

Qatalah