يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كان من عادة الصدر الأعظم كوبرولو محمد باشا أن يلعب الشطرنج وحده، حتى يستطيع أن يفكر بالنيابة عن خصومه وينتصر عليهم، بينما رقعة الشطرنج لم تكن إلا قصر السلطنة، أما القطع فهي أمراء القصر وحريمه، تلاعب بهم، وشاهدهم يقتتلون أمامه وهو يدبر لهم الفخاخ ليقعوا واحدا تلو الآخر، وفي نهاية الأمر استطاع القضاء على نفوذ الملك (السلطان) وأصبح المتحكم في الدولة يدير شؤونها كيفما شاء، يذيق الموت لكل من يحاول الوقوف في وجهه ويمنح الحياة لمن يسانده في تحقيق أطماع بلا حدود.

خطف الصدر الأعظم في "جوال"
كان الليل قد انتصف عندما هاجم الجنود العثمانيون مدينة "رودنيك" الألبانية، اقتحموا البيوت وانتزعوا الأطفال المسيحيين من أحضان أمهاتهم، فانطلق الصراخ يشق السماء، ولم يغادر الجنود المدينة إلا بعد أن حصلوا على مجموعة من الصغار وضعوهم في أجولة وانطلقوا بهم إلى إسطنبول، وداخل حجرة مظلمة أطلقوا سراحهم وأغلقوا الباب.

كل ماشاهده الأطفال في ساعات اليوم هو السواد، سيطر عليهم الرعب وظلوا ينتحبون وكل منهم ينادي على أبيه لينقذه من الجوع والخوف، وفي الصباح وجدوا من يسوقهم إلى عنابر مدرسة "الدوشرمة" بجوار قصر "طوب قابي" التي يشرف عليها جنود قساة بلا رحمة، وزع الجنود على الصغار أسماء إسلامية بعد أن طالبوهم بنسيان أسمائهم الأصلية، وأجبروهم على حفظ القرآن والصلاة في المسجد، بجانب تأدية تدريبات خشنة لا تناسب سنهم الصغيرة، ومن كان يجرؤ منهم على مخالفة التعليمات يتعرض إلى تعذيب لا يستطيع أن يحتمله.
بين هؤلاء الأطفال نشأ محمد على السمع والطاعة للسلطان مراد الثالث في الربع الأخير من القرن السادس عشر، بينما كان الحقد يملأ قلبه ويطل من عينيه الخبيثتين وهو يتحين الفرصة للانقضاض على أمراء القصر.

رقبة خسرو الطائرة
مثل ثعبان ناعم تسلل محمد إلى القصر، وقع عليه الاختيار ليعمل في المطبخ السلطاني، بمجرد أن أنهى تعليمه في المدرسة المخصصة لتدريب أطفال الدوشرمة، مرور السنوات جعلت منه شابا مفتول العضلات، يمتلك الدهاء والمكر  واللسان الحلو الذي ينافق به من حوله ويتملق به رؤساءه. 
أدرك أن مفاتيح السلطنة في يد حريم القصر، تزلف إلى السلطانة كوسم حتى أوصلته بالسلطان مراد الرابع الذي رقاه ليصبح حاملا لسيفه الخاص، قبل أن يعينه ضابطا في فرق الخيالة السباهية المتمركزة في "كوبرو" الواقعة شمال الأناضول فاستقر فيها لسنوات ومنها أخذ لقبه "كوبرولو".

كان الاقتراب من دائرة السياسة هو ما يشغل محمد في تلك الفترة حتى يستطيع أن يضمن لنفسه مكانة كبيرة في بلاط القصر، فتزوج بـ"عائشة خانم" ابنة "يوسف باشا" عمدة المدينة ومن خلال والدها تعرف على "خسرو باشا" أغا الإنكشارية ووثق علاقته معه، إلى الحد الذي جعل خسرو بعد توليته الصدارة العظمى في العام 1628 يختاره ليصبح أمينا لخزانته، وعندما أحس أن القصر انقلب على خسرو، تبرأ منه، وأفشى أسراره، وتحول إلى حبل حول رقبته، حتى صدر الأمر بإعدام خسرو في 1632، ونال محمد مكافأته بالتنقل  بين المناصب الكبيرة في العاصمة والأقاليم المختلفة للدولة حتى عين وزيرا في العام 1645.
منصبه كوزير مكنه من التواجد الدائم في القصر، وإدارة المؤامرات داخل الحرملك، أشعل النار بين كوسم التي أرادت خلع الطفل محمد الرابع المعين منذ العام 1648 وبين والدته السلطانة طرخانة وانتظر ليعرف من الفائز لينضم إليه، وأعلن ولاءه لطرخانة التي انتصرت على كوسم وقتلتها بتدبير منه في العام 1651وهو ما جعل السلطانة ترى في الوزير المتزلف إليها معاونا قويا يمكنها أن تستخدمه لتوطيد وسلطة ابنها الصغير.

العلاقة المشبوهة بين  الوزير والسلطان لم تكن خافية على الصدر الأعظم "جورسو محمد باشا" الذي أدرك الطموحات البعيدة لكوبرولو ، فقرر إرساله إلى جنوب بلغاريا بعد أن عينه حاكما على مدينة "قسطنديل" الحدودية ليحصن نفسه من أطماعه. 
لم يكن المنصب الجديد في حقيقته إلا نفيا لكوبرولو الذي لم تهدأ اتصالاته بالسلطانة طرخانة راجيا إياها إعادته إلى العاصمة، فأوغر قلبها على الصدر الأعظم وأقنعها بأنه يدبر مؤامرة للتخلص من ابنها فألغت القرار، وأعادته إلى إسطنبول من جديد، ليطيح بجورسو بعد سلسلة من المؤامرات ويتقلد منصب الصدر الأعظم في العام 1656. 

المشانق للجميع
حتى منصب الصدر الأعظم لم يشبع كوبرولو محمد باشا ولم يمثل بالنسبة له إلا وسيلة للاستيلاء على السلطة في الإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف، ساعده في ذلك ضعف السلطان محمد الرابع، وعدم خبرة السلطانة طرخانة في إدارة الحرملك والتي تقبلت أن يكون لكوبرولو نفوذ كبير مادام يحمي عرش ابنها.

في تلك الفترة ظهرت أمام الصدر الأعظم عقبتان، الأولى حركة "قاضي زاده" السلفية، والثانية جماعة الوزراء في الديوان من الذين ينافسونه في النفوذ، فبدأ بحركة "قاضي زاده" التي رأها الخطر الأقرب، خاصة بعد أن فرضت الرعب في الدولة، واستخدمت العنف والتعذيب في تعاملها مع الرعية باعتبارها جماعة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر في شوارع إسطنبول.
أسس الحركة عالم الدين "قاضي زاده محمد أفندي" وشجعها على اقتحام الحانات والمقاهي ليلا وتأديب من يرتادها بالجلد أمام الناس دون الرجوع للصدر الأعظم، وهو ما جعل كوبرولو يعتبر المسألة تحديا لسلطته، ووجدها فرصة ليثبت قوته أمام الرعية،  فأعدم بعض قادتها ونفى البعض الآخر إلى جزيرة قبرص وأعاد الانحلال والخمور من جديد لإسطنبول.  

فرمانات الإعدام
تخلص كوبرولو من جماعة "قاضي زاده" السلفية وتفرغ لخصومه في الديوان، فصدرت  فرمانات الإعدام في حقهم باسم السلطان الضعيف الذي يأتمر بأمره،  وتحت دعوى التخلص من العناصر المشاغبة في الدولة أعدم كوبرولو كل من رأى فيه منافسا لسلطته المطلقة، وعلى رأس هؤلاء أباظة أحمد باشا القائد الذي خاض الحروب الشرسة ضد البندقية، إضافة إلى مجموعة كبيرة من وزراء الديوان، الأمر الذي أدى في النهاية إلى تأسيس جبهة معارضة لكوبرولو بين صفوف النخبة العثمانية عملت على التخلص منه قبل أن يلتهمهم جميعا.
التفت النخبة الغاضبة التي كان أغلبها من كبار الضباط في الجيش حول أباظة حسن باشا حاكم حلب، والذي بعث برجاله إلى الأناضول لإثارة الحاميات العسكرية ضد كوبرولو في العام 1658. 
وعندما علم كوبرولو بالتمرد أرسل قائده مرتضى باشا للقضاء على الحركة في مهدها، وتمكن مرتضى في نهاية الأمر من الانتصار عليهم ، والقبض على رؤوس الثورة فأمر "كوبرولو" بإعدامهم جميعا في حلب في العام 1659.


وبعد إخماد ثورة حلب، لاحظ كوبرولو أن سكان المناطق المختلفة من الأناضول ساهموا بفاعلية في الثورة عن طريق إمدادها بالسلاح والرجال، فقرر نزع أسلحتهم منعا لاستخدامها في الثورة عليه من جديد، فجمع 80 ألف بندقية وأعدم الآلاف من السكان في مجزرة دموية بشعة، ليصبح الحاكم الفعلي للبلاد حتى وفاته في العام 1661. 

المصادر :

6 - خليل اينالجيك تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار

Qatalah