يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يعيش صناع الدراما في تركيا اليوم حلم يقظة طويلا، في محاولة لإرضاء إملاءات سلطان أنقرة والعثمانيين الجدد الواهمين بعودة عصر "السلاطين"، ولو بتزوير التاريخ وتصوير السلطنة العثمانية ملاكا بأجنحة ظللت العالم الإسلامي بالعدل والرخاء، وتحويل الهزائم إلى انتصارات على الشاشة فقط.
قبل أيام من قيام الجيش التركي بعملية غصن الزيتون داخل الأراضي السورية مطلع 2018، استضاف الرئيس التركي رجب إردوغان في المركز الثقافي بالمجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة طاقم عمل مسلسل كوت العمارة، بحضور زوجته أمينة ورئيس الوزراء وقتها بن علي يلدريم، إضافة إلى سياسيين بارزين ومشاهير الفن في البلاد احتفاء بالمسلسل.
كانت الاستضافة الرئاسية تقديرا لقدرة فريق المسلسل على الكذب، والذين يشتركون مع  صناع الدراما في تركيا - وفق أجندة مفضوحة - في جريمة محو هزائم العثمانيين الثقيلة ومذابحهم وتاريخهم الأسود، واستبدال انتصارات كاسحة لا وجود لها في التاريخ بتلك السيرة الموثقة.
بناء على أوامر مباشرة من رجب إردوغان تم تنفيذ مسلسل كوت العمارة، وفق تصريحات الكاتب والمنتج محمد بوزداغ صاحب مسلسل "قيامة أرطغرل" الذي قال إن إردوغان طلب مني إنتاج مسلسل يتحدث عن الحرب العالمية الأولى وانتصار الأتراك.
يحاول الرئيس التركي، من خلال الدراما، تعزيز دوره التوسعي في المنطقة والظهور في صورة "خليفة منتظر" يتحضر لإنقاذ الشعوب الإسلامية من كبوتها، لإعادة بسط هيمنة الأتراك على المنطقة العربية، وتعظيم دور تركيا في العالم.
 
حقائق مهدرة
المعركة التي يدور حولها المسلسل، حسب المصادر التاريخية، بدأت بحصار الجيش العثماني للقوات البريطانية والحلفاء في بلدة الكوت الواقعة على ضفاف نهر دجلة جنوب شرقي العراق، بلغ تعداد القوات العثمانية في 7 ديسمبر 1915 بقيادة الوالي العثماني السبع باشا 11 ألف جندي تم وضعهم تحت تصرف الجنرال الألماني بارون فون در كولتسو.


استمر الحصار عدة شهور، ذاق خلالها العراقيون مرارة الجوع، بعد أن قطع الجنود الأتراك عنهم الطعام ومنعوا التجار من التعامل معهم، فضلا عن قصف المدينة بطلقات المدافع بحجة الضغط على القوات البريطانية، لتنتهي المأساة بسيطرة العثمانيين على الكوت واستسلام الجيش البريطاني الذي عاد ونظم صفوفه سريعا وألحق بالعثمانيين هزائم مذلة، سقط بعدها العراق مجددا في قبضة الاحتلال البريطاني.
 
أوهام الرئيس
يكذب إردوغان ويصدق كذبته، ففي تعليقه على المسلسل وصف معركة كوت العمارة بأنها "صفحة مشرقة في التاريخ العثماني، وأنموذجا للوحدة الإسلامية"، وقال: عند توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار، كان الجيش العثماني مستمرا في قتاله على جميع الجبهات، أي أنه لم تكن هناك دولة أو جيش منهار قُضي عليه، كما كانوا يزعمون، لكني أقول لكم - والكلام على لسان إردوغان - إن الآفة التي ابتلينا بها خلال تلك الفترة هي قدرتنا على الانتصار في المعارك، والهزيمة على طاولات المفاوضات، أي أن الأمر برمته كان ضعفا في الأداء الديبلوماسي.
محمد بوزداغ مؤلف ومخرج المسلسل واصل سلسلة المغالطات التاريخية لرئيسه، قائلا: حقق العثمانيون انتصارين على البريطانيين خلال الحرب العالمية الأولى، هما غاليبولي وكوت العمارة، لكن انتصارنا في الثانية على يد جيش خليل باشا، رغم قلة أعدادنا، تسبب في انكسار وخيبة أمل لدى قوة بريطانيا العظمى، وضعف ثقة الإنجليز بأنفسهم.
في يوم 29 أبريل من كل عام تحيي تركيا ذكرى المعركة والنصر المزيف، وفي أبريل 2016 أُقيمت في مقبرة الشهداء العثمانيين بالمدينة، مراسم إحياء الذكرى المئوية للمعركة، والتي حضرها مستشار السفير التركي في العراق سنان زران، في محاولة لتبرير احتلال حلب والموصل سابقا، وربما لاحقا باعتبارهما من أملاك الدولة العثمانية.
 
أكاذيب فادحة
يتهم الكاتب والمحلل السياسى التركي مصطفى أوزجان، المسلسلات التركية التاريخية بأنها "موجهة"، لافتا إلى أنها وسيلة دعاية للاستبداد، حيث تنتقي من التاريخ ما يتماشى  مع شعارات التمدد التركي في المنطقة العربية، لكن أوزجان يقلل من تأثير هذه المسلسلات في الوقت الحالي، خاصة بعد عزوف العالم العربي عن مشاهدتها، وتراجع الفضائيات الخليجية عن شرائها بسبب مواقف إردوغان المعادية، فضلا عن أن قطاعا عريضا من الأتراك يرفض رسائل المسلسل السياسية التي تضخم أمجاد الماضي خدمة للعثمانيين الجدد، في الوقت الذي يمارسون فيه أمام أعينهم عمليات القمع ضد معارضيهم.


أغفل المسلسل عن عمد عدم جاهزية الدولة العثمانية لدخول الحرب العالمية الأولى، إضافة إلى التغلغل الألماني في مفاصل الدولة خاصة المناصب القيادية في الجيش، ما تسبب في التورط في الحرب، وهو خطأ سياسي فادح لحزب الاتحاد والترقي - وفق المحللين - بينما اكتفى  بتمجيد وزير الحربية وقتذاك أنور باشا، وتصويره على أنه "مجاهد".
حرص القائمون على المسلسل على تطبيق ما يمكن وصفه "القراءة العكسية للتاريخ"، فاخترعوا علاقة ودية بين العرب والعثمانيين من بنات خيالهم، إذ تناولت الحلقة الأولى من المسلسل مزاعم تأييد عربي للعثمانيين خلال الحرب، في حين أن إسطنبول ورطت العرب في حرب عظمى بين قوى استعمارية كبرى، دون مبرر أو مصلحة.
تناسى المؤلف الذي سلط الضوء على انتصار وحيد لم يكتمل، أن دولته خرجت من الحرب  تجر أذيال الخيبة على يد قوات الحلفاء ومنيت بالعديد من الهزائم - في الشام ومصر والحجاز - راح ضحيتها عشرات الآلاف من شباب العرب، تم تجنيدهم تحت التهديد، وإرسالهم إلى ساحات الحرب دون أي تدريب عسكرى، لتحصدهم مدافع الحلفاء.
عاد بوزداغ وناقض نفسه في المسلسل وهو يقدم صورة تقوم على احتقار العرب بترسيخ صورة سلبية ضدهم في مطلع القرن الـعشرين، إذ أظهر بغداد بيئة صحراوية قاحلة ليس فيها إلا رعاة الإبل، وتجاهل أن الكوت بلدة زراعية تطل على نهر دجلة، ولم تكن يوما من الأيام صحراء جرداء، كما زعم المسلسل في كذبة واضحة.
 
تشويه العرب
دفع العراقيون من أرواح أبنائهم ثمنا لصراع بين القوتين الغازيتين، في حين تعمد محمد بوزداغ تشويه الزعامات العربية بالعراق، وأظهرهم كخونة باعوا أرضهم وعرضهم للمحتل الإنجليزي، وقدم حاكم بغداد على أنه متعاون مع الإنجليز ضد أبناء وطنه، بينما زعم أن الأتراك كانوا دعاة لوحدة السنة والشيعة، ما يتناقض مع الوثائق والمصادر التاريخية الثابتة.
اتبع العثمانيون في العراق سياسة "فرق تسد" بهدف كسر وحدة العراقيين، وفق عشرات الحوادث التي سجلها مؤرخون رصدوا تدبير سلاطين آل عثمان للفتن الطائفية، ورغم ذلك يتحدث المسلسل في حلقاته الأولى عن اجتماعات سليمان عسكر القائد التركي بالسنة والشيعة "من أجل توحيد كلمتهم".
حاول العمل تعظيم الأتراك في مقابل تشويه العرب، دون أي اعتبار لفضل الحضارة العربية على الإنسانية التي ردمها العثمانيون بنشر الجهل والتخلف في المنطقة، فحاول دمغ العرب بأنهم بلا هوية، ولا قضية يدافعون عنها، وقسمهم إلى فريقين: جهلاء لا يفقهون في السياسة، وخونة تحالفوا مع الإنجليز، كما حاول صناعه غسل عار الأتراك بحق الأرمن، بتبرير مذابح 1915، واتهام الضحايا بالخيانة ومناصرة الحلفاء. 
 
التاريخ يسخر
أغفل إردوغان وأبواقه الفنية أن انتصار الكوت لم يستمر إلا بضعة أيام، فلم تكد إسطنبول تعلق شارات الاحتفال به، حتى لاحقت جيوشها الهزائم المتتالية سواء في أوروبا أو على جبهات القوقاز وحتى في بلاد الحجاز والشام، حيث اجتاحت القوات البريطانية العراق عام  1917 بعد فرار القوات التركية.


يبقى أن ادعاء إردوغان أن اتفاق وقف إطلاق النار تزامن مع انتصارات عسكرية كبيرة للعثمانيين، وأن تركيا خسرت إمبراطوريتها بسبب التفاوض في لوزان، مجرد كذب صريح مثير للسخرية، فقد وقع العثمانيون المنهزمون معاهدة سيفر مع الحلفاء في 10 أغسطس 1920، بعد أن فقدت إسطنبول كل ممتلكاتها في المستعمرات العربية السابقة، بل إن الحلفاء احتلوا الأناضول فجعلوا إسطنبول على أطراف أصابعهم.
أمام انهيار الجبهات العثمانية، هربت قيادات من الحكومة إلى أوروبا، فاستدعى الحلفاء ممثلي إسطنبول وأمروهم بالتوقيع على معاهدة الاستسلام، بعد التهديد بمحو الكيان التركي من وجه الأرض في حال الرفض، ونتيجة لذلك جرى تقسيم الأملاك العثمانية في الشرق وشمال إفريقيا بين إنجلترا وفرنسا، ورسمت حدود جديدة للدولة الهامدة لا تتجاوز الأناضول وتراقيا الشرقية، فعن أي انتصار يتحدث إردوغان؟.

Qatalah