يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


مثل رواية بوليسية مثيرة ودموية، تبدو سيرة السلطانة التركية "كوسم"، عبر 62 عامًا هي سنوات عمرها قضت أغلبها في رحلة صعود درامية إلى أعلى سلم السلطة في الدولة العثمانية، بالحيلة مرة والتآمر مرات، لم يوقف شغفها بالسلطة حب زوج أو غريزة أمومة عن قتيل اثنين من فلذات كبدها، والتدبير لاغتيال حفيدها لولا حظه الذي أنقذه من الموت وأنهى حياتها بالقتل خنقا. 
 
تاريخ ملطخ بالدم والمكيدة، طبع حياة ابنة القسيس اليوناني، التي دخلت إلى القصر جارية مهداة إلى السلطان ثم ما لبثت حتى صارت سيدته الأولى، وفي النهاية التفت حبال التآمر على رقبتها وكان أن خرجت من قصرها قتيلة.
 
بوجه منير كالبدر، وقلب تحول رويدا إلى لوحة مظلمة كقبر، دخلت "أناستاسيا" قصر الحكم في إسطنبول، أرسلها "بكلربيك" (والي) البوسنة ضمن مجموعة هدايا إلى أحمد الأول، شغف جمالها الأخاذ السلطان العثماني، فأطلق عليها لقب "ماه بيكر" وتعني وجه القمر.
كان التحول الاجتماعي قاسيا على فتاة ماكرة، بعد أن أسرها جنود الـ "بكلربيك" وجدت نفسها مجرد جارية، ربما لذلك قررت التمرد على حياة العبودية بالقفز إلى أحضان السلطان، في البداية أعلنت إسلامها تقربًا منه وحصلت على اسم "كوسم"، ووضعت جمالها تحت قدميه واستغلت أنوثتها وجمالها للإيقاع بالسلطان وقد كان لها ما أرادت، عشقها الرجل وتزوجها، وأنجب منها مراد.
 
بداية طريق الدم
لم تقنع الجارية السابقة والزوجة الحالية بما حققته من الاستيلاء على قلب السلطان، خاصة في ظل وجود خديجة ماه فيروز، السلطانة الأم، التي تجهز ابنها الأمير عثمان لولاية العهد، ما يعني قطع الطريق أمام ولدها مراد في الوصول إلى العرش، فلجأت إلى أول طريق الدم الذي سيمتد إلى آخر حياتها، دبرت مؤامرة محكمة لمنافستها، أزهقت روح السلطانة الأم في العام 1621.
 
لعبت الأقدار دورًا مهمًا في سلم صعود "كوسم" إلى السلطة، إذ توفي السلطان أحمد مبكرًا في العام 1617 في السابعة والعشرين من عمره، وجدت "كوسم" نفسها في مأزق، طفلها مازال صغيرًا ما يعني أن شقيقه عثمان سيصبح سلطانا، لجأت للمرة الثانية للتآمر، وأسعفها عقلها إلى حيلة ماكرة.
استعانت بمصطفى شقيق زوجها المعروف بخفة عقله، واتفقت مع رجال الدولة على تصعيده للعرش مؤقتًا تحت ذريعة أنها تطلب مهلة من الوقت للجلوس مع قادة الجيش لحسم انقسام حول أبناء السلطان: أيهم أحق بخلافته.
تلقت "كوسم" هزيمة ساحقة بعد 3 أشهر من المداولات وفشلت في إقناع الجيش بإطالة الفترة الزمنية لـ"مصطفى" على العرش، ليتسلم السلطان عثمان مقاليد الحكم.
بدأت على الفور في تأليب رجال الدولة والجيش ضد السلطان الجديد الذي وجد نفسه محاطا بدائرة من الخونة، وتحالفت زوجة أبيه مع الإنكشارية للتخلص منه بعد أن علمت بقراره  تقليص نفوذها في  الحرملك.
اشترت المرأة الدموية ذمم قادة الجيش، ودبرت مؤامرة لاغتياله، ليفاجأ السلطان النائم في جناحه بالإنكشارية يهجمون عليه، ويجرونه كالأسير أمام جواريه، حتى وصلوا به إلى مسجد "أورطة" فحاول مجموعة منهم خنقه داخل المسجد، لكنهم في النهاية فضلوا شنقه على أسوار القلعة المعروفة بذات السبع قباب، ليقتل أول عثماني على يد الإنكشارية في التاريخ، ما ترك آثاره على مصير الدولة فيما بعد.
رشوة للجيش 
أجبر الجنود رجال الدولة على إتمام البيعة للسلطان مصطفى ألعوبة "كوسم" لتحصل على فرصة جديدة في إعداد ابنها مراد للجلوس على العرش.
18 شهرا أمضاها مصطفى في الحكم، عمت فيها الفوضى لولا تدخل "كمانكش قره علي باشا" الصدر الأعظم، الذي اتفق مع الوزراء على ضرورة خلع مصطفى الضعيف، وتعيين ولي العهد الأمير مراد بدلا منه، بعد أن اتفق مع السلطانة على أن يأخذ منها مبلغا كبيرا من المال يوزعه على قادة الجيش حتى يعود الهدوء للعاصمة، وعندما نفذت السلطانة الاتفاق حصل على فتوى الشيوخ بضرورة خلع مصطفى.
2 مليون قطعة ذهبية هو المبلغ الذي دفعته متوحشة السلطة مقابل جلوس طفلها على العرش وحصولها على لقب السلطانة الأم، واضطرت لجمع أواني وأطباق السراي والحرملك وإذابتها وصك عملات ذهبية منها، عندما فوجئت بخزانة السلطنة فارغة، لم تكن الدولة فقيرة، كانت خزانة السلطان أحمد عند وفاته تكتظ بـ50 مليون قطعة ذهبية، أضخم ثروة لحاكم في العالم وقتذاك، لكن الفساد والفوضى بددها فلم يتبق منها قطعة واحدة.
 
لم يكن السلطان مراد الرابع تخطى الحادية عشرة عندما جلس على العرش، لتصبح أمه السلطانة كوسم وصية عليه طيلة الـ8 سنوات الأولى من ولايته (1623-1632م)، وتحصل رسميا على لقب نائبة السلطان، وتسجل اسمها كأول امرأة تحصل على هذا المنصب في تاريخ الدولة العثمانية.
جذبت السلطانة المنافقين حولها في القصر، واهتمت بجواريها وزينتها وأهملت شؤون الدولة التي ضربتها الفوضى، فعرف الولاة في الأقاليم طريقهم للثورة، وانتشر فساد فرق الإنكشارية في إسطنبول، وتحكمت المحسوبية وسادت الرشوة واستغل رجال الدولة مناصبهم لتحقيق أطماعهم الخاصة، وباتت الخزانة خاوية، فظهر الضعف العثماني أمام العدو الأوروبي لتهاجم النمسا حدود الدولة في البلقان وتحقق انتصارات متتالية.
 
في تلك الأثناء، أعادت الدولة الصفوية في إيران بناء قوتها بعد سلسلة الهزائم التي منيت بها أمام آل عثمان على مدى قرن من الزمان، فهاجمت العراق وسقطت بغداد وبعدها تبريز، وتراجعت الحدود العثمانية في الشرق لأول مرة منذ عقود.
 
قربان قتل الابن
في عام 1632 تقدم مراد الذي بلغ مبلغ الرجال لإدارة الدولة، فوجد أمه قد تركت له إرثا هائلا من الخراب، فكان أول قراراته إقصاءها، وأمرها بقطع اتصالاتها برجال دولته، وهددها بالنفي عن العاصمة إن لم تستجب لأوامره.
إلا أن "كوسم" التي أدمنت السلطة لم تستطع البقاء خارج دائرة الحكم، لم يرضها النفي الشرفي إلى غرف الحرملك، فكانت تدس أنفها بين الحين والآخر في شؤون الدولة، لكن السلطان مراد بدا عازما على تنفيذ تهديده، ولم يكن يخطر بباله أن أمه تدبر مؤامرة لاغتياله، ليموت في العام 1640، عن عمر ناهز الـ27 عاما، بجريمة قتل مروعة.
بالتخلص من ابنها عادت من جديد إلى صدارة المشهد، وأحيت تحالفها مع قادة الجيش لتتقاسم معهم إدارة الدولة في ظل سلطنة ابنها إبراهيم الأول ضعيف الشخصية، والذي لم يصدق نفسه عندما أجلسوه على العرش وظن أن أخاه مراد يختبر ولاءه.
عندما اندفع الأغوات لتهنئة السلطان إبراهيم، فكر أنهم يريدون قتله إذا وافق على تولي الحكم، فأعرض عنهم إلا أن أمه التي تقدمت نحوه ومن خلفها جنود يحملون جثة أخيه بددت شكوكه، فجلس على العرش ووافق على كل الشروط التي فرضتها أمه.
كان السلطان إبراهيم مريضا، لكنه لم يكن أحمق، يدرك ولع أمه بالسلطة، واستعدادها لارتكاب المذابح، ومع كل هذا لم يقبل أن يكون مجرد قطعة من الديكور في بلاط القصر، وظل يسحب من نفوذها إلى أن امتلك شجاعته وهددها بالنفي إلى قبرص، إذا أصرت على التدخل في شؤون الدولة، وأمام ثقته المفرطة قررت الأم أن ترجع خطوة للخلف.
لم يتعلم إبراهيم الدرس من أخيه، أبقى السلطانة بجانبه في القصر فأعدت له طبخة الموت على نار هادئة، ووجدت حفيدها الأمير محمد شاهزاده بن إبراهيم الذي لم يتجاوز السادسة، وسيلتها للعودة من جديد للحكم.
بدم بارد نفذت السلطانة الأم خطتها الشيطانية ونجحت في إزاحة السلطان إبراهيم، بعد أن أبرمت اتفاقا مع الجنود على عزله مقابل حصولهم على مبلغ ضخم من المال، ليتم إعدامه في 18 أغسطس 1648، ويدفن في جنح الليل بجوار قبر عمه مصطفى الأول في مسجد "آيا صوفيا".
 
نهاية رحلة الدم
حققت "كوسم" حلمها بالحصول مجددا على منصب نائب السلطان، وعينت ابن القتيل الطفل محمد الذي لم يبلغ السابعة سلطانا، لكنها لم تهنأ بانتصارها الدموي، فقد نشب الصراع على لقب نائبة السلطان بينها وبين خديجة تارخان باعتبارها أم السلطان، إلا أن الجدة رفضت مناقشة الأمر واحتفظت لنفسها باللقب بحجة أن خديجة لا تزال صغيرة لم تتجاوز الحادية والعشرين.
انحاز رئيس الأغوات والصدر الأعظم إلى خديجة تارخان، في الوقت الذي أيدت فرق الإنكشارية السلطانة كوسم، فرض قادة الإنكشارية سطوتهم على الدولة وتقاسموا السلطة والنفوذ مع السلطانة كوسم، فضربت الفوضى مرة أخرى أرجاء الدولة، وفاض الكيل بالشعب، لتخرج إسطنبول عن بكرة أبيها في ثورة عنيفة ضد نفوذ السلطانة كوسم وأغوات الإنكشارية، وحددوا مطالبهم بعودة الجيش إلى ثكناته.
أدركت أن تقليص صلاحيات الإنكشارية يعني القضاء عليها فلم تستجب، ليقرر الشعب اللجوء إلى السيدة الثانية في الحرملك السلطانة خديجة تارخان، التي دعمتهم منذ البداية.
شعرت "كوسم" أن الخطر يوشك أن يلتهمها، لذلك لم تقف مكتوفة الأيدي، قررت التحرك لوقف نفوذ خديجة تارخان المتصاعد، ورأت أن أفضل حل هو ذبح حفيدها محمد الرابع، ما يعني زوال نفوذ والدته إلى الأبد.
دبرت أمرها بقتل حفيدها السلطان الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره، لتولية أخيه الطفل سليمان العرش، لأن أمه تدين بالولاء لها، ولكن سوء حظها هذه المرة جعل خطتها تنكشف مبكرا.
بمساعدة رئيس أغوات الحرملك، أعدت السلطانة الأم خديجة تارخان مؤامرة مضادة وفي ليلة مظلمة من شهر سبتمبر 1651، دخل العبيد جناح كوسم ماه بيكر ونفذوا فيها حكم الإعدام خنقا، لتلقى حتفها عن 62 عامًا، لتشغل السلطانة خديجة منصب نائبة السلطان إضافة للسلطانة الأم، وتسدل الستار على واحدة من أكثر قصص التاريخ درامية ووحشية في آن واحد.

المصادر :


Qatalah