يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كعادته يلجأ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى الخطب الحنجورية والوعود الزائفة، لكن سلاحه المفضل كان بلا طلقات في ملف الاقتصاد، الذي لم تفلح تصريحات الديكتاتور في وقف أزمته التي تزداد تعقيدا مع مضي الأيام، لذا فضل التهرب من المسؤولية بإلقائها على عاتق البنك المركزي التركي.

وظهر ذلك بوضوح عندما رفض البنك المركزي التركي ظاهريا الانسياق وراء تصريحات إردوغان خلال اجتماعه مع اتحاد الصناع والحرف والذي قال فيه "إن تركيا ستتخذ المزيد من الخطوات للحد من تقلبات سعر صرف العملات الأجنبية، لكن موقفه الرافض من مسألة زيادة أسعار الفائدة كما هو لم يتغيّر"، ليضرب البنك المركزي التركي تصريحات إردوغان عرض الحائط ويقرر رفع أسعار الفائدة لتصل إلى معدل قياسي يبلغ 24%، بدلاً من 17.75%.

"عدو أسعار الفائدة" هكذا أطلق إردوغان على نفسه، لكن على أرض الواقع تحتل بلاده المرتبة الثالثة عالميا من حيث معدلات أسعار الفائدة المرتفعة، لتأتي بعد كل من دولة سورينام بنسبة فائدة 25 بالمئة، والأرجنتين بنسبة 60 بالمئة، وبرر البنك المركزي التركي هذا القرار خلال بيان له يوم 13 سبتمبر الماضي، "أنه يطبق سياسة نقدية بقوة لدعم استقرار الأسعار ويلجأ إذا اقتضت الضرورة، إلى تشديد السياسة النقدية أكثر".  

تأتي محاولة البنك المركزي لإنقاذ بلاده من أزمة اقتصادية طاحنة أدت إلى خسارة الليرة 40 بالمئة من قيمتها مقابل الدولار نتيجة مخاوف تأثير إردوغان على السياسة النقدية، والأزمة بين أمريكا وتركيا على خلفية توقيف أنقرة للقس الأمريكي أندرو برانسون.

لكن قرار المركزي له عدة نتائج سلبية على الاقتصاد والمواطن التركي الذي يدفع ثمن لعبة إردوغان والبنك المركزي والتي وصفتها فينيكس كالين، الخبيرة في مؤسسة سوسيتيه جنرال، خلال تصريحات صحفية لها "إن السوق التركي يشهد لعبة (الشرطي الجيد والشرطي السيء) بين إردوغان والبنك المركزي".

ويحاول إردوغان عدم دفع فاتورة رفع أسعار الفائدة فيظهر أمام شعبه بمظهر الشرطي الجيد ويهاجم قرار البنك المركزي، لكن في نفس الوقت يدرك أنه محاولة لإنقاذ الاقتصاد التركي ليترك دور الشرطي السيئ للبنك المركزي.

يخدع إردوغان والبنك المركزي المواطن التركي بالآثار الإيجابية على المدى القصير من القرار الذي رفع من سعر صرف الليرة التركية وقلل من حجم التضخم، لكنها نتائج مؤقتة ومسكنات للمواطن التركي الذي ينتظره نتائج كارثية، ومن أبرز تلك النتائج؛ زيادة حركة الأموال الساخنة وهي استثمارات بعيدة عن القطاعات التي تزيد من حركة الإنتاج، مثل البنوك والأسهم والسندات وشراء الأصول حيث لا تستقر تلك الاستثمارات وتخرج وقتما تشاء مما يؤثر سلبا على الاقتصاد.

كما أدى رفع أسعار الفائدة إلى انتشار المخاوف لدى المستثمرين في تركيا بسبب ارتفاع تكلفة الإقراض وبالتالي نتج عن ذلك تأجيل عدد من المشروعات الاستثمارية الجديدة والعزوف عن القروض بسبب ارتفاع سعر الفائدة.

ويساهم رفع سعر الفائدة إلى تفاقم الدين المحلي بسبب ارتفاع قيمة العائد، وهروب أموال المستثمرين المحليين والمواطنين من مشروعات التنمية الصغيرة لتذهب إلى البنوك لاستغلال الأرباح والعوائد. ويضر القرار البورصة التركية التي تتخوف من هروب السيولة من الأسهم إلى الودائع بحثا عن الملاذ الآمن. 

أكد الخبير الاقتصادي والمتخصص في شؤون الاستثمار، مؤسس مجموعة “Mobius Capital”، مارك موبيس، على قرار البنك المركزي التركي "أن رفع أسعار الفائدة في البنوك خطوة لن تفيد في زيادة ثقة المستثمرين في أداء السوق والاقتصاد التركي".

وأضاف موبيس، في تصريحات لوكالة بلومبيرغ الاقتصادية: "أن رفع أسعار الفائدة ليس حلًا للأزمة الاقتصادية التركية، وأضاف: "أن الأزمة تتمثل في كسب ثقة المستثمر المحلي أيضًا وليس الأجنبي فقط، وهذا يتطلب قبل كل شيء رسم سياسات متوازنة في الموازنة، واتخاذ خطوات تزيد ثقة المستثمرين". وأكمل موبيس "أن الأرجنتين رفعت أسعار الفائدة ولن يفيد ذلك بسبب غياب الثقة، لذلك فلا تأثير لهذا القرار".

Qatalah