يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يكرس إردوغان احتلال بلاده لجزيرة قبرص الشمالية، وذلك بسعيه إلى طمس هويتها، وتغريب تاريخها الإغريقي، متخذًا من بناء المساجد سبيلا لتنفيذ مخططه التوسعي.

افتتح الرئيس التركي، خلال أول زيارة خارجية له إلى شمال قبرص، بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 24 يونيو 2018، مسجد هالة سلطان ذات المآذن الأربع الشاهقة المشيدة على الطراز العثماني في مدينة نيقوسيا، والذي بلغت كلفته 30 مليون دولار.

يثير المسجد جدلا واسعا في الشارع ذي التوجهات العلمانية، ويبدي القبارصة اليونانيون وبعض الأتراك مخاوفهم من مخطط إردوغان الرامي لطمس هويتهم.

يقول مؤسس حزب "قبرص الموحد الاشتراكي" عزت إزجان لصحيفة ديلي ميل، إن "سياسة إردوغان تفضي إلى تغيير هوية القبارصة الأتراك"، مضيفا: "لدينا الكثير من القواسم المشتركة مع اليونانيين والأرمن والموارنة، وكلهم لهم وجود على الجزيرة"، معقبا: "ما يحاول إردوغان فعله هو ضمّ الشمال، وبناء هوية أخرى، إنهم يحاولون أن يجعلونا مسلمين صالحين بطريقتهم"، واختتم قائًلا: "كلنا نعرف أن الهدف هو استيعاب ودمج الجزء الشمالي من قبرص إلى تركيا".

سياسة المحتل
رئيس نقابة المعلمين القبارصة الأتراك، شينير إلجيل، انتقد ما سماه "سياسة المحتل التركي"، وقال في تصريح لوكالة فرانس برس نقلته ديلي ميل: "المجتمع القبرصي التركي علماني، ونحن لسنا مجتمعا دينيا، منتقدًا الكلفة الضخمة لبناء المسجد التي تخطت 30 مليون دولار"، وعلق: كان يمكنهم تشييد مشفى ضخم بكلفة أقل، أو أن يشيدوا أكثر من 20 مدرسة، وهو ما نحتاج إليه، واتهم إردوغان بانتهاج سياسة طامعة في احتلال الجزء الشمالي للجزيرة مجددا، ووجه له الحديث قائلًا: "ليس الأمر بريئا أن تبني مسجدا في قبرص".

بدأت ردود فعل قبارصة الشمال تتوالى، فتظاهر عدد من المواطنين ضد السياسة التركية، مرددين هتافات أن المدارس والمشافي لها الأولوية، وقال متظاهرون في بيان لهم: "ما تحتاجه بلدنا هو العلوم والتعليم والصحة، لكن الأولوية تعطى للاستثمارات في الدين".

أستاذ التسويق في جامعة العلوم الاجتماعية في قبرص، مصطفى تومار، قال: "هذه الأنواع من المباني، لن تضيف شيئا إلى المجتمع"، وتابع: "تلك المآذن ضخمة ومبالغ فيها، ولماذا هم كثيرون. إذا كنت أرغب في الصلاة فيمكنني أن أصلي بمفردي أو في متجري"، وأردف: "إذا كنت ترغب في بناء مسجد، فعليك أيضًا إصلاح المدارس، فالمدرسة أكثر أهمية بالنسبة لنا، نريد إرسال أطفالنا إلى مدارس جيدة". 

مكايدة إردوغان
حرص الرئيس التركي على افتتاح مسجد هالة سلطان في مدينة نيقوسيا، وهو نسخة من جامع السليمانية في محافظة أدرنة، وشيد خلال الإمبراطورية العثمانية بقسمة إيرادات الضرائب التي تم جمعها من قبرص العام 1574، لذلك يعد الجامع جزءا من سياسة مكايدة الخصوم التي يحترفها إردوغان، فضلًا عن إشارتها الواضحة لسياسة إثارة النعرات الطائفية مجددا في الجزيرة القبرصية وطمس ثقافة الآخرين. 

يعارض القبارصة الأتراك، وخاصة أبناء اليسار، تصرفات أنقرة في الشمال القبرصي، الذي أعلن انفصاله عن الجزيرة العام 1974، عندما اجتاحت القوات التركية الثلث الشمالي منها واحتلته بالقوة.

ومسجد هالة سلطان هو حجر الزاوية في سلسلة مشاريع تمولها تركيا في المنطقة نفسها على مشارف العاصمة، بما في ذلك المدرسة الثانوية الإسلامية، والعديد من الجامعات ومشاريع الإسكان للطلاب، الأمر الذي يدخل ضمن سياسة تتريك قبرص الشمالية.

منهجية التتريك
إلى جانب محاولات الغزو الديني، تسعى تركيا إلى تأكيد احتلالها لقبرص الشمالية بجملة من الإجراءات الثقافية والتعليمية، فتمكنت من افتتاح أول مدرسة ثانوية تتبع مؤسسة "إمام خطيب" خلال العام 2013. 

اللافت للنظر أن المدرسة كانت تحمل اسم "مدرسة هالة سلطان للإلهيات"، وشارك في افتتاحها العديد من المسؤولين الأتراك بينهم نائب رئيس الوزراء، بشير اتالاي، ورئيس اتحاد الغرف والبورصات، رفعت حصار جيكلي أوغلو.


افتتاح المدرسة جاء بالتزامن مع الذكرى السنوية للغزو التركي للمدينة، يقول بشير اتالاي في كلمته التي ألقاها في الافتتاح وقت ذاك: "حرصنا على افتتاح المدرسة في ذكرى دخولنا الجزيرة، هذا المكان مهم بالنسبة لنا، سيصبح من أهم البصمات في قبرص"، واعترف قائلًا: "المدرسة واحدة من الإشارات المهمة على وجود تركيا في الجزيرة، سوف تساعدنا على طرح المبادرات في المدينة. سنبني جيلا يحمل توجهاتنا".

 

ومنذ الاحتلال التركي للشطر الشمالي في السبعينيات، ومحاولات طمس الهوية مستمرة، يقول نجم الدين أربكان، رئيس الوزراء من الفترة بين 1996 و1997، إنه من أشد الراغبين في تأسيس مدرسة دينية في قبرص، موضحًا في تصريح قديم أوردته صحيفة صباح أنهم يواجهون معارضة شديدة داخل الجزيرة لكنهم مصممون على المضي قدمًا في ذلك الأمر، وتابع: "قبرص ذات أهمية لنا ولن ندع أية قوى أخرى تتوسع فيها".
  

تعليم اللغة وافتتاح مدارس
تمكنت تركيا من افتتاح 23 مدرسة للمرحلتين الابتدائية والإعدادية في قبرص، ويقول موقع هابرل إن تلك المدارس تتبع وقف "جمعية التعليم التركية" التي أسسها كمال أتاتورك.

 

كما افتتحت أنقرة مركز "يونس إمرة" الثقافي في العاصمة نيقوسيا في ديسمبر 2015، ويستهدف المركز تعليم اللغة ونشر التقاليد التركية، وبحسب ما أورده الموقع الإخباري ترك يوردو فإن المركز له أهمية كبيرة في الجزيرة، لأن لغة الجامعات هي الإنجليزية، ويستهدف المسؤولون تعميم التركية. 


ويرفض جزء من القبارصة القوميين السياسة التركية، وحرك بعضهم دعاوى قضائية لإغلاق مدارس "إمام خطيب"، وفي نوفمبر 2016، رفعت نقابة مدرسي أتراك قبرص للمرحلة المتوسطة، دعوى قضائية ضد المدرسة.

Qatalah