يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"للأكراد تاريخ بائس في ظل الدولة التركية"، جملة قصيرة لخص بها الفيلسوف الأميركي نعوم تشومسكي أوضاع نحو 10 ملايين كردي يعيشون في جنوب وجنوب شرق تركيا منذ زمن بعيد. 

تاريخ دموي عانى منه الأكراد على مدار حياتهم عبر طمس هويتهم تارة، وتنفيذ عمليات قتل جماعية ضدهم تارة آخرى. ولعل تعامل الدولة الخشن معهم وذبحهم بشكل منهجي خلال أحداث أول انتفاضتين لهم (كينجو 1925 ودرسيم 1937) خير شاهد على ذلك.

لعب الأكراد دورًا استراتيجيًا لصالح الأتراك السلاجق، دعموهم في معركة "ملاذكرد" ضد البيزنطيين، العام 1071، كما شاركوا العثمانيين في معركة "تشالدران" ضد الصفويين، العام 1514.

النشاط الكردي لم يتوقف عند دعم سلاطين الدولة العثمانية، بل برز دورهم في مساعدة مصطفى كمال أتاتورك، في تأسيس الجمهورية التركية الحديثة، وخلال صراعه مع حكومة إسطنبول برئاسة السلطان محمد السادس (1861-1926)، وقتما كان حاكمًا لأنقرة.

دائمًا ما كان حلم إنشاء دولة مستقلة أملا يراود الأكراد طوال تاريخهم، واستغل الحكام الأتراك الأمر في تنفيذ مخططات تخدم مصالحهم، وسرعان ما كانوا يعطون ظهورهم للكرد بعد الانتهاء من المطلوب منهم.

 

 

وعد أتاتورك
كان الأكراد على موعد مع مؤسس الدولة الحديثة، الذي عُرف بدهائه ومكره واستغلاله لأنصاف الفرص، وعدهم بتوسيع رقعة دولتهم المنتظرة، على عكس ما جاء في معاهدة سيفر العام 1920 بغرض إغرائهم، لدعمه في تأسيس حلم الجمهورية، وتفادي حدوث حالات انفصال جديدة تقلص مساحة الدولة، بعدما فقدت العديد من الولايات التي كانت تابعة لها، بسبب ضعف العثمانيين في تلك الفترة.

كانت معاهدة سيفر التي أبرمتها الدولة العثمانية العام 1920 عقب هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، ألزمتها بالتخلي عن جميع أراضيها التي يقطنها غير الناطقين بالتركية، ما يعني أن الاتفاق سمح بانفصال الأكراد والأرمن، وكانت مصادقة إسطنبول عليه بمثابة المسمار الأخير في نعش تفككها وانهيارها.

اتفق أتاتورك مع الأكراد على دعمه في إنهاء خلافة العثمانيين، مقابل تأسيس دولتهم في أقرب فرصة بعد استقرار الأمور في الجمهورية الجديدة، وبالفعل وافقوا وبدأوا في التنفيذ.

كعادة الحكام الأتراك، تنصل أتاتورك من وعوده، بعد تأسيس الجمهورية العام 1923، بعدما تأكد من ضمان الحصول على دعم غربي لمشاريعه، لم يكتفِ بإعطائهم ظهره، بل قرر تدشين مرحلة جديدة من قمعهم والتنكيل بهم.

انتفاضة كينجو
وضع أتاتورك خطة ممنهجة لمواجهة الأكراد، بدأت بتهجير مليون شخص منهم من (جنوب شرق تركيا) خلال الفترة ما بين عامي 1925-1928، إلى الأناضول، ترتب على تلك السياسات موت المئات منهم نتيجة سوء الطقس، ونقص التجهيزات.

قرر الأكراد الانتصار لحياتهم، فخرجت أول انتفاضة كردية في تاريخ الجمهورية الحديثة العام 1925، بقيادة الشيخ سعيد بيران، احتجاجًا على تهجيرهم والانتقاص من حقوقهم الشرعية.

 

 

بدأت الانتفاضة بمهاجمة القوات التركية في 11 فبراير 1925، وتم الاستيلاء على منطقة البريد، من ليجه إلى قرية سيردي، وفي 14 فبراير أحكم الأكراد سيطرتهم على محافظة (كينجو)، وأعلنوها عاصمة مؤقتة لكردستان، ووقع المحافظ والموظفون الأتراك في الأسر.

عمل الشيخ سعيد على فرض سياسة الأمر الواقع، أصدر أول قرار يحمل توقيعه، بتولي فقه حسن، رئيس عشيرة "مودان"، منصب المحافظ الجديد في كينجو، ومنذ ذلك الوقت انتقلت السلطة الدينية والمدنية إليه، وقرر إرسال الأسرى إلى مركز الانتفاضة، وألغى ضريبة العُشر، ودعا السكان إلى تقديم المؤن للثوار.

بدأ التضامن مع الانتفاضة يتزايد، انضم إلى الثوار قوات صالح بك، وفصائل حاجي حسن، وعمر فارو، وعشائر مستيان وبوتاني، وفصيلة كبيرة تتبع الشيخ شمس الدين في ضواحي ديار بكر.

اتساع النطاق الجغرافي للانتفاضة، شجع الشيخ سعيد على إصدار قرار في 11 مارس بمهاجمة منطقة "ديار بكر" من جميع الاتجاهات، لكن معرفة الحكومة بأهميتها دفعها إلى تكثيف تواجد قوات الأمن بها، الأمر الذي عرقل زحف الثوار إليها.

أصدر زعيم الانتفاضة أمرًا بالانسحاب الفوري والتراجع إلى مدينة درخاني، ليقلل الخسائر في صفوف قواته، مع الحفاظ على ما تم تحقيقه على الأرض من تقدم ميداني.

تحرك حكومي
في أول رد فعل حكومي على الأكراد، قرر مجلس الوزراء في 22 فبراير فرض حالة الطوارئ، وتطبيق الأحكام العرفية مدة شهر، حتى يستطيع الجيش وأد الانتفاضة المشروعة.

عُقد الاجتماع الوزاري بعد نحو 11 يومًا من الأحداث بعدما استشعرت الحكومة خروج الأمور عن السيطرة، الاجتماع تم في وقت متأخر من ليلة 22 فبراير، واستمر حتى صباح اليوم التالي، وشارك فيه رئيس الأركان وقتها فوزي باشا.

لم تكتفِ الحكومة بالاجتماع، عقد مجلس العموم في البرلمان جلسة طارئة في 25 فبراير أفضت إلى تعديل المادة (1) من قانون العقوبات المتعلقة بخيانة الوطن، كان النص الجديد: "منع تكوين المنظمات السياسية على أسس دينية، وكذلك منع استخدام الدين في سبيل تحقيق أهداف سياسية، واعتبار الأشخاص القائمين بمثل هذه الأعمال أو المتسببين فيها خونة".

استقالة الحكومة
تأزم الأمور دفع حكومة فتحي بك إلى الاستقالة في 2 مارس، وفي صباح اليوم التالي ترأس عصمت باشا الحكومة الجديدة، وتعهد أمام البرلمان بالقضاء على مثيري الشغب، واستتباب الأمن في البلاد، وبمقتضى هذا البيان أعدت الحكومة تدابير عسكرية لقمع انتفاضة الشيخ سعيد.

كما عقد مجلس الأمة اجتماعا في 4 مارس، وأصدر القانون رقم 578 الخاص بالحفاظ على النظام، والذي منح الحكومة صلاحيات واسعة لمحاربة الحركات الشعبية، وأي نشاط معارض، إلى جانب السماح لها باستخدام التدابير المقرونة بحالة الطوارئ.

استغلت الحكومة صدور القانون، وشكلت محكمتين مستقلتين واحدة منها لعموم تركيا، مقرها الدائم أنقرة، وتتمتع بصلاحيات محدودة (كان لابد من مصادقة مجلس الأمة على قرارات الإعدام)، أما المحكمة الثانية كانت في الولايات الشرقية وكانت تتمتع بصلاحيات مطلقة.

أصدرت المحكمة القائمة في الولايات الشرقية جملة من أحكام الإعدام الجماعية التي كانت تنفذ عبر إطلاق النار على المضبوطين بتهمة الانضمام إلى الثوار.

وأد الانتفاضة
كان مطلع أبريل 1925 موعدًا لإسدال الستار على الانتفاضة الشعبية الكردية، استطاعت القوات الحكومية شن هجوم على مناطق الثوار من الشمال والجنوب والجنوب الشرقي، في آن واحد.

قاد القوات التركية الجنرال كمال الدين سامي باشا، ولم يجد الأكراد مفرًا سوى التراجع باتجاه "بالو"، في نفس الوقت كانت القوات التركية أصدرت بيانا وعدت فيه بمنح مكافأة 1000 ليرة ذهبية لمن يلقي القبض على قادة الحراك الثوري (سعيد وعلي وغالب ورشيد أغا)، وبذلك تم القضاء عمليًا على الانتفاضة.

اضطر الشيخ سعيد، ونحو 300 فارس إلى التراجع نحو شالهان في 6 أبريل، وفي 15 أبريل تمت محاصرة القوات الرئيسية وتحطيمها في وادي كينجو، وألقى القبض على قادتها.

بدأت محاكمة الشيخ سعيد في 29 يونيو، واستمرت شهرًا كاملًا، وصدر حكم بإعدامه شنقًا، ونفذ الحكم في اليوم الثاني.

 

انتفاضة درسيم
لم يتوقف أتاتورك عن استكمال سياسة "التتريك"، التي أقرها لقمع الأكراد والانتقاص من حقوقهم، فأصدر العام 1932 قانونًا نص على: "منع الأشخاص الذين يتكلمون لغة غير التركية من إعادة بناء القرى أو البلدات".

قانون آخر أراد من خلاله أتاتورك تفريغ الأكراد من هويتهم، فخلال العام 1934 صدر قانون بإلغاء الاعتراف بالقبائل أو الأغوات أو الشيوخ، وحوّل اسم مدينة "درسيم" التي تعني "باب الفضة" بالكردية إلى "تونجالي" التي تعني "أرض البرونز" بالتركية، بدأ الأكراد يدركون أن الحكومة تتجه إلى تصفية قضيتهم والإجهاز عليها تمامًا.

 

 

كان العام 1936 بداية الصدام بين الطرفين، أصدر البرلمان التركي قانونًا خاصًا بمنطقة "درسيم" نص على تجريدها من السلاح، وطالبت الحكومة التركية من رئيس المنطقة سيد رضا تسليم ما لديه من سلاح إلى الدولة، لكنه رفض، فبدأت الفيالق التركية التأهب للحرب.

بحلول الشتاء فشل الجيش في دخول "درسيم"، فلجأت الحكومة التركية إلى بث الدسائس وزرع الفتنة بين العشائر الكردية وفي ربيع العام 1937م استطاعت تحييد بعض العشائر وجذب عشائر أخرى للوقوف إلى جانبها.

أول قصف مدفعي
نفذت كتيبة تركية بقيادة الجنرال آلب دوغان، أول قصف مدفعي لمدينة "درسيم"، وفي المناطق التركية أعلنت النفير العام وجندت كل فتى بلغ 26 عاما إلى 28 عاما، في صفوف الجيش وأرسلتهم إلى "درسيم"  لقتل أهلها.

كان غالبية المقاتلين المرتزقة من مناطق "أرزروم" و"أرزنجان" و"دياربكر" إلى "ألْ عزيز"، بدأوا في فرض حصار على درسيم، لتجويعها وقطع مصادر الإعاشة عنها.

في المقابل كان سيد رضا وعلي شير، ينظمان الصفوف داخل درسيم للدفاع عنها، كانت الحرب شرسة وقاسية، ولكن أهالي درسيم قاوموا ببطولة وكبدوا المرتزقة خسائر جسيمة.

خيانة في صفوف الأكراد
فشل الحصار والقصف المدفعي والجوي في كسر درسيم، لم يكن أمام أتاتورك إلا سياسة شراء الذمم ممن لا خلاق لهم.

تمكن من إحداث خرق في كتلة سيد رضا، اشترى نجل شقيقه المدعو "ريبر"، كلفه بقتل القائد علي شير، وبالفعل نفذ المطلوب، وسلم جثته إلى القائد التركي آلب دوغان، ثم اشترى ذمم بعض العشائر، فخرجت من القتال وتركت سيد رضا وحيدًا في المعركة، وترك مقتل علي شير فراغا كبيرا في صفوف الثورة.

أضرمت الكتائب التركية النار في جميع الغابات المحيطة بـ"درسيم"، كل ذلك أدى إلى إضعاف موقف سيد رضا، ولم تبقِ له قوة،فاضطر للانسحاب بمن بقي لديه من القوات إلى جبل "مُنزور" ودافع عن نفسه.

مجازر إنسانية
سحقت القوات التركية المدنيين بشكل مبالغ فيه، استُخدمت المقاتلات في إلقاء قنابل سامة عليهم، ما أسفر عن إبادة أكثر من 95 ألف كردي، فضلا عن تهجير عشرات الآلاف أيضا، وفق إحصائيات غير رسمية نشرها موقع (onedio).

تقول التقارير إن الفيالق التركية كانت تربط الرجال والنساء والأطفال وتوجه إليهم فوهات المدافع، وتقذف قنابل الغازات السامة والحارقة إلى الكهوف التي يلجأون إليها.

خداع سيد رضا
رغم ضعف الإمكانيات ظل زعيم الانتفاضة صامدًا تجاه القصف، فكر أتاتورك في حيلة استعان فيها بوالي "أرزنجان"، الذي أرسل إلى سيد رضا كتاباً قال فيه إن حكومة أنقرة تستجيب لجميع مطالبكم، وعليكم الذهاب للتفاوض.

لكي تنطلي الخدعة توقفت الكتائب عن القتال، صدّق سيد رضا كلام الوالي ووثق بوعده، فخرج في 5 سبتمبر العام 1937 مع بعض خاصته من الرجال إلى "أرزنجان"، ولكنّ الكتيبة التركية اعتقلته ومن معه وأرسلتهم إلى مدينة "آل عزيز" حيث أعدم.

من هي المرأة التي نفذت مجزرة درسيم؟
يذكر أن صبيحة غوكتشن، ابنة أتاتورك بالتبنّي، هي مَن قصفت المدينة بالقنابل الكيماوية، لتصبح أوّل امرأة تقود طائرة حربيّة في تركيا، ويقال إنها من أصول أرمنيّة، بحسب الكاتب التركي الأرمني الراحل هرانت دينك.

أوضح مراقبون أن مجزرة درسيم بُقرت فيها بطون الحوامل، وقُتل الآلاف من الأطفال، وتعد من أبشع الجرائم التركية بحق الكرد العلويين، الأمر الذي يمثل نقطة سوداء في تاريخ أتاتورك.

 

علق الصحافي التركي طه آكيول على المجزرة قائلا: "أتاتورك كان رجلا دمويًا، لا يؤمن بالديموقراطية ولا بالحرية وهو الذي خلق عبادة الفرد في تركيا".

وأكد إحسان جاغلايان رئيس مدينة العزيز - مجاورة لدرسيم - أن أتاتورك كان يُشرف على الحملة العسكرية شخصيًا، ولفت إلى أنه أمر باستعمال الغاز السام، الذي تسبب في موت الأكراد العلويين كالفئران.

اعتراف إردوغان
خلال العام 2011، سعى إردوغان إلى كسب ود وتعاطف الأكراد، حتى يضمن مساندتهم لحزب "العدالة والتنمية" في انتخابات 2012، وكان أول من قدم اعتذارا لهم عن مجزرة درسيم واصفا إياها بأنها "الحادث الأكثر مأساوية في الماضي القريب".

أضاف: "ما حصل في درسيم كان إبادة وحشية وهي نقطة سوداء في تاريخ تركيا، ومن يفتخر بهذه المجزرة ليست لديه ذرة من الإنسانية".

يقول كاظم أوز مخرج فيلم "زير" - وثائقي رصد المجزرة - إن اعتذار إردوغان واعترافه بالمذبحة كان مفيدا سياسيا له لأنه أظهر السياسات الدموية لحزب الشعب الجمهوري الذي كان حاكمًا أثناء وقوع المجزرة.

أوضح أوز أن حزب "العدالة والتنمية" أراد أن يُظهر لتركيا وللعالم أن ما حدث في درسيم، جريمة ارتكبها "الشعب الجمهوري"، فيما وصف رئيس الوزراء التركي، أحمد داود أوغلو، في وقت سابق المجزرة بأنها "كربلاء العصر".

اللافت للنظر أنه على الرغم من موقف إردوغان المتضامن ظاهريًا مع الأكراد خلال مجزرة درسيم، إلا أنه يرتكب هو الآخر مجازر في حقهم أبرزها كوباني واستهدافهم في غازي عنتاب.

Qatalah