يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الأطباء يستخدمون مشارطهم في ذبح المرضى، هذا ليس كابوسا، أو فيلم رعب يعرض في سينمات هوليوود، لكنها حقيقة مثبتة بالوثائق، وجريمة مروعة أبطالها أطباء أتراك قادوا بأنفسهم عملية إبادة الأرمن بإقامة العديد من المذابح التي أراقت دماء عشرات الآلاف من الأبرياء عام 1915 دون وخزة ضمير واحدة. 
قدم البروفيسور واهاكن دادريان دراسة بعنوان "دور الأطباء الأتراك في المذابح الأرمنية أثناء الحرب العالمية الأولى" اعتمد فيها على المئات من شهادات المعاصرين والمشاركين في المذبحة، إضافة إلى سجلات المحاكم العسكرية التركية في جلساتها بين عامي 1919 و1920، وهي الدراسة التي فضحت دور الأطباء الأتراك في تخطيط وتنفيذ المجازر.

قادوا فرق الموت لذبح الأرمن 
تحول أطباء وجراحون أتراك إلى خدام لرغبات جمعية الاتحاد والترقي المتوحشة خلال الحرب العظمى الأولى (1914-1918)، في حين لم يكن تورطهم خاليا من الانتهازية ولو على حساب مئات الآلاف من الضحايا الذين لقوا حتفهم أمام أعينهم وبين أيديهم.
تشكيل الحزب بين جنبات الكلية الطبية العسكرية، منحه التغلغل منذ بداية عهده بين صفوف الأطباء العسكريين الأمر الذي مكن كثيرين منهم الحصول على عضويته مثل روسوهي وناظم وبهاء الدين شاكر وغيرهما ممن استغلوا الجريمة وأصبحوا حكام مقاطعات وإداريين يراقبون ويتولون تنفيذ المجازر المروعة.
لعب الأطباء الأتراك الدور الرئيس والمركزي في عمليات الإبادة، ليس بسبب إدارة ظهورهم للجروح الخطرة التي لفظ أصحابها أنفاسهم الأخيرة دون أن يقدم لهم أحد ضمادة واحدة، بل شاركوا في قيادة الفرق لإبادة الأرمن عن طريق التهجير الجماعي وإطلاق الرصاص وإجراء التجارب الطبية عليهم، ولم يخجلوا أن يعترفوا أمام المحكمة العسكرية بتسميم الأرمن وإغراقهم في البحر وتقطيعهم إربا.

الثنائي الدموي 
هيمن ناظم وبهاء الدين شاكر على القيادة المركزية العليا لـ "الاتحاد والترقي" الذي وصل إلى الحكم عام 1908، وشاركا بفاعلية في تأسيس عقيدة الحزب الدموية وتوجيه السياسة الخارجية والداخلية للدولة العثمانية بهدف فرض القومية التركية على الأقاليم التي تحتلها الإمبراطورية، واضطهاد الأعراق التي حاولت الحفاظ على هويتها من التتريك.
كشفت المحاكم العسكرية في جلساتها بين عامي 1919 و1920 أن الطبيبين لعبا دورا محوريا في تكوين تشكيلات خاصة عملت كآلة فناء للأرمن عن طريق أعضائها المتعطشين للدماء ممن أخلي سبيلهم من سجون تركيا لينضموا إلى وحدات قتل احتوت كل واحدة منها على 200 سفاح أطلق عليهم "الجتا" أي اللصوص المتطوعين.
أورد هنري مورغنطاو السفير الأميركي بإسطنبول في مذكراته نص حوار دار بينه وبين بدري بك قائد شرطة إسطنبول - أحد قيادات الاتحاد والترقي - الشخصية المقربة من طلعت باشا، ظهر فيه بدري بك متلذذا وهو يروي تفاصيل عمليات التعذيب قائلا: "إن أوامر القتل والإبادة تُناقش كل ليلة في قيادة حزب الاتحاد والترقي، وكل طريقة للتعذيب يرحب بها كاكتشاف باهر، وجميع الحضور كانوا ينبشون في ثنايا عقولهم لابتكار آليات جديدة، لدرجة أنهم غاصوا في سجلات محاكم التفتيش الإسبانية وتبنوا المقترحات التي جاءت فيها".

السفاح ناظم
أثبتت أوراق محاكمة السفاح ناظم أنه مهندس الإبادة الأرمنية حيث جاء في أقواله:" إن  المذابح أقرت بعد مداولات مستفيضة من اللجنة المركزية للحزب"، إضافة إلى اعتراف 5 من زعماء الاتحاد والترقي بدوره في تنظيم فرق الموت، بينما يصف المؤرخ التركي شوكت أيدامير ناظم بأنه ذراع الإرهاب في حزب الاتحاد والترقي خلال الحرب العظمى.
وفي تعليقها قالت جريدة التايمز اللندنية عام 1915 إن ناظم "طبيب ناجح في مهنته تبنى قضية تركيا الفتاة كعقيدة سياسية وتسبب باستمرار في آلام الشعب أكثر من المستبدين المحترفين الأنانيين، ما يبرهن على أن هذا الغوغائي المحنك سياسي خطير جدا".
اتخذ ناظم من نعرة القومية التركية وسيلة لإبادة الأرمن داخل الولايات العثمانية، ففي مايو 1915 اجتمع بـ10 آلاف تركي بمدينة "كوشك باشا" التابعة لمقاطعة أرضروم وتوصل معهم إلى اتفاق يقضي بإبادة الأرمن، ونصحهم بعدم إقامة المذابح داخل المدن والقرى حتى لا تنتشر الأوبئة والأمراض بعد تحلل الجثث، بل يجب أن تتم في مناطق نائية وخالية من السكان.

السفاح شاكر
ويروي وهيب باشا قائد الجيش الثالث العثماني تفاصيل دور الدكتور بهاء الدين شاكر فيقول: إن ذبح وإفناء الأرمن وسلب ممتلكاتهم جاء نتيجة قرار من حزب الاتحاد والترقي واصفا بهاء بأنه أتى إليهم بـ"جزاري البشر" قبل أن يتولى قيادتهم في المذابح بعد رضوخ زعماء الحكومة لأوامره وتوجيهاته.
وأكد حسن تحسين حاكم أرضروم على دور شاكر في إبادة الأرمن واعتبره القائد الفعلي للتشكيلات الخاصة، وكان يستعمل شفرة خاصة في رسائله السرية إلى وزيري الحربية والداخلية، وكشف عن برقية لبهاء إلى السكرتير الأول لحزب الاتحاد والترقي في مدينة خربوط يتساءل فيها:" هل تمت تصفية الأرمن المهجرين في منطقتكم؟ هل أبيدوا أم هجروا فقط؟".
تكونت فرق التشكيلات الخاصة من قبل حزب الاتحاد والترقي عام 1914 لإبادة الأرمن وكان يسيطر عليها الطبيب بهاء الدين شاكر السييء السمعة وفق تقرير للمخابرات الإنجليزية، بينما كتب المؤرخ التركي "أتاي" في مذكراته :" الطبيب شاكر كان مصمما على محو الأرمن لكي تتجنب تركيا مستقبلا خطر إنشاء أرمنيا المستقلة في المقاطعات الشرقية".
وبمجرد استسلام تركيا في الحرب العالمية الأولى هرب ناظم وشاكر مع بقية زعماء الاتحاد والترقي إلى خارج تركيا على ظهر باخرة عسكرية ألمانية بعد الهدنة بفترة قصيرة في منتصف ليل 1 نوفمبر 1918 قبل أن تحكم عليهم المحكمة العسكرية التركية بالإعدام غيابيا في 5 يوليو 1919.

محمد رشيد.. ثالث السفاحين
ثالث السفاحين هو الطبيب محمد رشيد الذي عين حاكما لديار بكر عام 1915، وذكره دوره محمد رشيد خلال مذكراته في العام نفسه قائلا: إن أكثر من 25 ألفا من الأرمن هجروا في مقاطعته، الأمر الذي منحه لقب الجلاد بسبب توحشه في القتل والتعذيب، كما أطلق عليه أيضا  "النعال"، لأنه كان يأمر بدق حدوات الأحصنة على أرجل ضحاياه ثم يجبرهم على المشي في الشوارع في موكب استعراضي قبل أن يحطم جماجم بعضهم ويصلب البعض الآخر.
تورط الكثير من الأطباء في عمليات الإبادة انطلاقا من إيمانهم القوي بأهداف حزب الاتحاد والترقي القومية، أما من لم يشارك منهم في المذابح فقد أيدوا مشروع التدمير دون تحفظ.
تشكلت لجنة برئاسة علي منيف وكيل وزارة الداخلية تضم في عضويتها قائد الأمن الداخلي إسماعيل جانبولات لتقرر في النهاية إرسال توفيق روشدو صهر الدكتور ناظم وعضو اللجنة الصحية العليا في مهمة خاصة إلى الولايات الأرمنية، فجهز توفيق كميات هائلة من الحجر الجيري ليضعه كغطاء سميك على الأبار بعد إلقاء الجثث فيها، ومن ثم إهالة التراب على الآبار لتمحو معالم الجريمة، وهي المهمة التي استمرت 6 أشهر، أما الدكتور سليمان نعمان باشا رئيس الخدمات الطبية العسكرية للقوات المسلحة العثمانية ورئيس الجراحين في الأركان العامة للجيش فقد أصدر أوامره بقتل وتسميم الأرمن المرضى في أرضروم وسيواس وإرزنجاب بحجة حماية بقية السكان الأصحاء من الوباء، واتهم أيضا بقتل الأطباء والعاملين الأرمن في مجال الصحة العسكرية التركية.
وجمع فازيل بركي المساعد المقرب للدكتور شاكر، بين مهارته وموهبته الخطابية وقدرته على تجنيد وتحريض الأتراك ضد الأرمن في محافظتي قسطموني وسيواس، وطاف في مقاطعات قسطموني وسيواس وأرضروم لتأسيس التشكيلات الخاصة، وكانت له اليد الطولى في قتل الشاعرين الأرمنيين الشهيرين دانيال واروجان وروبين سيفاك بالتنسيق مع "جمال أوغوز" سكرتير الاتحاد والترقي في منطقة جانغري.

تحسين قاتل المثقفين
شارك مئات الأطباء العسكريين بفاعلية في عمليات الإبادة الممنهجة ضد مثقفي الأرمن، حيث تفنن الدكتور تحسين طبيب البلدية في مقاطعة أورفة في قتل اثنين من أعضاء البرلمان العثماني الأرمن - زوهراب الكاتب الأرمني الشهير، ووارتكيس السياسي المعروف - خارج المدينة، وكتب الطبيب في تقريره المزيف المؤرخ في 12 يوليو 1915 الخاص بملابسات وفاة النائبين قائلا: "بعد معاينتي للجثتين تبين أنهما توفيا بسكتة قلبية".
وتحت إلحاح أرملتيهما وثورة الرأي العام اضطرت الحكومة التركية أن تعترف بقتلهما في 28 نوفمبر 1916 خلال رسالة من رئيس الوزراء موجهة إلى مجلس النواب.
وفي مذكراته أكد أحمد رفيق أتاناي النقيب في المخابرات التركية وأستاذ التاريخ بجامعة إسطنبول أن النقيب الطبيب أحمد جركس روى له تفاصيل الجريمة قائلا: فجرت جمجمة وارتكيس بمسدسي الماوزر ثم قبضت على زوهراب وسحقته بقدمي قبل أن أهشم رأسه بصخرة كبيرة حتى انتهيت منه كليا.

علي صائب.. سالب أرواح الأطفال 
اتهم الطبيب علي صائب مدير الخدمات الصحية في طرابزون بتسميم عدد لا يحصى من الأطفال والكبار والنساء في مستشفى الهلال الأحمر وفي مدارس عديدة كانت تستعمل مأوى مؤقتا للأطفال الأرمن الذين فقدوا والديهم، حيث كان يتولى عملية رمي الأطفال في البحر الأسود ليموتوا غرقا، وشهدت زياراته للمستشفى اختفاء عدد كبير من الصغار، واعترف الممرضون بالمستشفى أنه أمر بوضع السم والمبيدات الحشرية في الأدوية التي تقدم للمرضى الأرمن.
وقال الدكتور عدنان مدير الخدمات الطبية في طرابزون إن تسميم الأطفال الأرمن لم يكن مقتصرا على مستشفى الهلال الأحمر وإنما تخطته إلى المدارس، ويقص الطبيب التركي حيدر جمال شهادته عن المذابح قائلا: انتشر مرض التيفود خلال الحرب، وفي يناير 1916 صدر أمر من المكتب الصحي بالجيش الثالث التركي إلى الأطباء في أرزنجان بتطعيم  الأرمن بحقن ملوثة بدم مرضى التيفود لإجراء التجارب الطبية عليهم قبل ترحيلهم، ما أدى إلى وفاة أعداد كبيرة من التعساء الذين خدعوا وهم يحسبون أنهم يعالجون، وحينما نشرت النتائج في المجلة الطبية العسكرية أعلنت أن المتوفين محكوم عليهم بالإعدام دون ذكر أنهم من الأرمن.

Qatalah