يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


100 عام مضت ومازالت مقتنيات الحجرة النبوية الشريفة أسيرة في حوزة الأتراك الذين استولوا عليها خلسة من المدينة المنورة وهربوها إلى إسطنبول، بدعوى حمايتها أثناء الحرب العالمية الأولى.
 
عندما انتهت المعارك انتظر المسلمون إعادة المقتنيات الشريفة إلى مكانها، لكن العثمانيين اللصوص فروا  بفعلتهم.
ظلت تركيا -من أتاتورك إلى إردوغان- تتملص من أية وعود سابقة بإعادة المقتنيات المسروقة إلى المدينة المنورة، وصرح إردوغان بوقاحة أن الكنوز النبوية جزء من إرث الدولة العثمانية التاريخي، ونفى في أكثر من مناسبة أن تكون بلاده "سرقت" الآثار الشريفة، ما يثير حالة من السخط على بقاء هذه الآثار في أنقرة، في أنحاء العالم الإسلامي.
 
إردوغان الكذاب
أعلن إردوغان في 20 ديسمبر 2017 أن "تركيا فخورة بحماية الأمانات المقدسة، وشعبها الأكثر قدرة على حمايتها واحترامها، وهناك من يتهم الدولة العثمانية بأنها سرقتها، وهذه اتهامات غير صحيحة لأنها حمت الآثار وحكمت البلدان بعدل وإنصاف، وأرسلت أمانات الرسول إلى إسطنبول لتمنع انتقالها إلى المتاحف الأوروبية، وسيكون الأمر شفيعا لنا يوم القيامة".
لم يكتف بتبرير السرقة التركية للآثار النبوية، بل عمل على استغلال الواقعة من أجل تلفيق مجموعة من الأكاذيب لغسل سمعة الاحتلال الغاشم للأقطار العربية. 
تصريحات إردوغان لاقت معارضة شديدة في الأوساط العربية، التي استنكرت وقاحة الأتراك لصوص الحضارة، فرد الكاتب السعودي خالد عباس طاشكندي على تفاخر الرئيس التركي بجده فخري باشا في مقال بعنوان "حقيقة فخر إردوغان" جاء فيه أن والي المدينة التركي "أخذ معه الآلاف من مقتنيات الحجرة النبوية الشريفة الثمينة ومن بينها جوهرة الكوكب الدري والبردة النبوية ومصحف سيدنا عثمان بن عفان، إضافة إلى محتويات مكتبتي عارف حكمت والمحمودية من مخطوطات نادرة" وعلق بقوله:"ما نهبوه في متحف طوب قابي في إسطنبول شاهد على إنجازات جد إردوغان".
 
اللص السفاح
بدأ السفاح العثماني فخري باشا تاريخه بالمدينة المنورة بجريمة "سفر برلك" عام 1915، حين نصب المشانق للآلاف من سكان المدينة، بعد أن هدم بيوتهم ونهب أموالهم وسرق تمرهم وصادر قمحهم، وترك من تبقى منهم جوعى يتخطفهم الموت في رحلات التهجير التي أجبرهم عليها، ليواجهوا المصير المرعب في صحراء قاحلة عطشا أو بين أنياب الوحوش.
 
شهد عام 1917 أحداثا عصيبة على القوات العثمانية في الجزيرة العربية، خاصة بعد إحراز قوات الثورة العربية بقيادة الشريف حسين العديد من الانتصارات على فخري، حتى فكرت إسطنبول في سحب جيشها من المدينة المنورة، في وقت كانت تعاني هزائم على كل الجبهات، لكن القوات العربية فرضت حصارا محكما على جنود الأتراك، واضطر العثمانيون إلى إخلاء المدينة وحينها ذهب فخري إلى شيخ الحرم النبوي زيور بك وأجبره على إصدار فتوى تجيز نقل الأمانات النبوية إلى إسطنبول بهدف ترميمها، على أن يعيدها إلى المدينة مرة أخرى.
اقترح فخري على السلطان الاستيلاء على الأمانات الشريفة، ووافقت إسطنبول على طلبه، فسرق كل الآثار والهدايا التي أهديت لحجرة النبي محمد على مدار 1300 عام دون أن يستثني شيئا، وتولى نقلها عبر ما عرف بـ"قطار الأمانات المقدسة" عام 1917، ورافقتها حراسة مكونة من ألفي جندي تركي.
وفق المصادر التاريخية أخرج فخري باشا من الحجرة 14 صندوقا محملة باللؤلؤ والمشغولات الذهبية والفضية، ولم يكتف بذلك بل جاء إلى المكتبة المحمودية ووضعها كلها في صناديق وأرسلها إلى دمشق بالشام، ووضع الكتب الثمينة في أحد الحمامات، وفاض عليها نهر بردى ذات مرة فضاعت كلها.
 
تاريخ الأمانات المقدسة
يرجع تاريخ مقتنيات الحجرة النبوية إلى عهد الصحابة، إذ احتفظت أسماء بنت أبي بكر بـ"جُبة الرسول" بعد أن أخذتها عن السيدة عائشة، واستنادا إلى دراسة مستفيضة طرحتها "موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة"، فإنه منذ أن نفذ والي المدينة عمر بن عبد العزيز أوامر الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بتوسعة المسجد النبوي ليضم القبر الشريف، كان للحجرة الأهمية البالغة لدى الحكام والولاة والأمراء والأعيان، فعملوا على صيانتها وتقديم الهدايا من نفائس الأحجار الكريمة والجواهر، إلى أن تم سرقتها وحملها إلى الخزانة السلطانية في قصر طوب قابي سراي.
 
تاريخ نهب العثمانيين للتراث الإسلامي بدأ منذ عهد السلطان محمد الفاتح الذي أمر عام 1478 بإنشاء جناح بقصر طوب قابي أطلق عليه "غرفة الأمانات"، تحوي الآثار الإسلامية المنهوبة من البلاد المحتلة، وزادت المقتنيات بعد غزو مصر على يد السلطان سليم الأول عام 1517، الذي نهب جميع الأمانات المقدسة التي انتقلت إلى القاهرة بعد أن أصبحت مقر الخلافة العباسية في عهد الدولة المملوكية، وقام بإرسالها إلى إسطنبول ولم تعد من يومها.
المؤرخون وصفوا بدقة نفائس الحجرة الشريفة المتمثلة في الستائر والقناديل، فقد احتوت الخزانة النبوية على المصاحف الكاملة، وبلغ مجموعها 132 مصحفًا، أبرزها المكتوب بخط الخليفة عثمان بن عفان والمحفوظ داخل ستارة مذهبة من القماش. 
 
لصوص ميراث النبوة
منذ أن تولت جماعة الاتحاد والترقي الحكم استكملت المخطط الذي بدأه آل عثمان منذ محمد الفاتح، بنهب الميراث الإسلامي بالمدينة المنورة.
 
تفيد المراجع التاريخية أن فخري باشا لم يكتف بتهجير سكان المدينة المنورة، ولا بحملات السلب والنهب والتخريب، بل تطاول على المقدسات الدينية، تنفيذا لمخطط جمعية الاتحاد والترقي الطورانية، التي جعلت من الماسونية والإلحاد عقيدة لهم، فاستعلوا على الأمة العربية وسرقوا تراثها الحضاري.
كان من أوائل قرارات حكومة الاتحاد والترقي عام 1908 إجراء جرد لمقتنيات ونفائس الحرم النبوي والحجرة الشريفة، ما يكشف النية المبيتة منذ البداية للسرقة، وبالفعل صدرت الأوامر إلى مشيخة الحرم النبوي بجرد المحتويات بناء على طلب من السلطان العثماني محمد الخامس.
وعلى إثر القرار كلفت لجنة من 10 مسؤولين في الحرم النبوي بإعداد جدول بأصناف المقتنيات النفيسة، وبلغ عددها حسب جداول التقرير العثماني 391 قطعة، وجرى تقديم التقرير إلى مشيخة الحرم النبوي، التي رفعته بدورها إلى نظارة الأوقاف العثمانية، ومنها إلى الصدر الأعظم، بهدف اطلاع السلطان في إسطنبول عليه، والتي صادقت النظارة على التقرير في العام نفسه.
 
كشفت الوثائق العثمانية التي ترجمها المؤرخ سهيل صابان أن نقل الأمانات تم بناء على "محضر حصر رسمي"، شارك فيه مدير المسجد النبوي والذي رافقها حتى وصلت الخزانة السلطانية، وحفظت في ملف بعنوان (DUIT 2-3/52)، ويتضمن تسعة خطابات صادرة من جهات رسمية عليا في الدولة العثمانية، ويتضمن أيضًا قائمة من ست صفحات بوصف دقيق للمقتنيات النفيسة.
 
ضمت الأمانات المقدسة المنهوبة شعرات للنبي وضرسه الذي كسر في غزوة أحد وعمامته وعصاه وبردته وسيوفه، ورسالته إلى المقوقس حاكم مصر عام 627 المحفوظة داخل إطار من الذهب، وصنع لها أيضا صندوق من الذهب المزخرف بحليات رائعة، وأيضا الخاتم الشريف الذي كان يختم به رسائله إلى الملوك وغيرهم، المصنوع من حجر العقيق ومنقوش عليه "محمد رسول الله".

كما سرق فخري باشا "مصحف عثمان" المكتوب على جلد غزال، الذي كان يقرأ فيه ثالث الخلفاء الراشدين لحظة استشهاده، وهناك أيضا بعض الأمانات الخاصة بالكعبة المشرفة، منها المفتاح واثنتان من ستائرها و"محفظة الحجر الأسود" المصنوعة من الذهب الخالص، وأغلب مخطوطات المكتبة المحمودية بالمدينة فضلا عن مصاحف أثرية.

المصادر :

3 - أيوب صبري: مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب
4 - فريدون قاندمر: الدفاع عن المدينة
5 - أحمد أمين مرشد : المدينة المنورة في العهود الثلاثة
6 - عزيز ضياء : حياتي مع الجوع والحب والحرب

Qatalah