يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"لم يكن ابن أمير، بل لم يتعد كونه حاكما على دولة متناهية الصغر، ولم يجعل الناس ينضمون إليه نتيجة نجاحاته المثيرة في ميدان القتال، فقد بنى سلطته على رقاب آلاف الضحايا".. هكذا وصف المؤرخ بول كولز شخصية عثمان الأول مؤسس سلطنة الاستبداد والبغي، الذي زور أحفاده تاريخا أسطوريا يجعله في مصاف النبلاء والسلاطين، رغم أنه ابن رئيس عصابة للمرتزقة حصل على لقب أمير نظير خدماته في قطع الطريق لدى أسياده من سلاجقة الروم.

ولد عثمان في 13 فبراير 1258 في مدينة سكود، وهو اليوم ذاته الذي اجتاحت فيه جحافل المغول مدينة بغداد وأمعنت تقتيلا بأهلها ودكت العمران والحضارة، ليصبح ذلك التاريخ نظير شؤم على المسلمين، فتسقط الدولة العباسية ويولد مؤسس دولة الظلم والاستبداد والتخلف لستة قرون.

الأصل المجهول
يحيط الغموض بأصل عثمان بن أرطغرل، إذ يدعي العثمانيون نسبه إلى إحدى قبائل الغز التركية تحديدا "قايي"، التي دفعها تقدم المغول أوائل القرن الـ13 إلى الهرب غربا تحت قيادة أرطغرل، الذي دخل في خدمة سلاجقة الروم الذين منحوه مع عشيرته بعض الأراضي شمال غربي الأناضول، بعد أن ظلوا لمدة قرنين رعاة غنم متجولين يبيعون خدماتهم لمن يدفع، وبعد تأسيس دولتهم نشروا أكذوبة أن أسلافهم كانوا قادة عسكريين في خدمة السلاجقة.
اختلق عثمان بن أرطغرل نسبا تركيا يمحو عنه العار بعد أن رماه معاصروه بأنه "لقيط الأتراك"، فادعى نسبا يتصل بقبائل محاربة، وأن جده سليمان شاه زعيم قبيلة "قايي" من الأتراك الأوغوز هاجر إلى الأناضول مع ألف فارس، ثم تولى أرطغرل زعامة القبيلة، وبينما هم يسيرون لمحوا جيشين يقتتلان دون أن يعلموا شيئا عن هويتهما، وكان أحدهما قليل العدد فناصروه وقاتلوا في صفه، وتم النصر لهم وكان الجيش لعلاء الدين كيقباد سلطان سلاجقة الروم.

يقول المؤرخ أحمد عبد الرحيم مصطفى "إن انتساب العثمانيين إلى قبائل الأوغوز وقصة القبائل وزعيمها إنما من اختلاق المؤرخين العثمانيين في القرن الـ15"، ويضيف أنه عام 1239 "نشبت حركات شغب في أوساط التركمان تزعمها داعية شيعي اسمه بابا إسحق، ادعى النبوة وأطلق على نفسه اسم رسول الله، ولقيت دعوته المنحرفة قبولا لدى القبائل التركية الوثنية، خاصة جماعة أرطغرل"، ربما يكون في ذلك إشارة للانحرافات العقدية التي عرف بها العثمانيون.

خلال الربع الأول من القرن الـ13 حدثت هجرة كبيرة من القبائل التركية صوب الأناضول هربا من جنكيز خان وقبائله المغولية، ولما كانوا يشكلون مجموعات مسلحة أقرب إلى الميليشيات المرتزقة تتكون من رجال وشباب عاطلين، يحترفون الحرب والقتال سعيا وراء الغنائم والسلب والنهب، فقد باشروا عهد إرهاب حقيقي في المدن والقرى بعد أن فقدوا أرضهم ونساءهم وأطفالهم على يد المغول.
قرر أرطغرل وعشيرته الانخراط في جيش السلطان السلجوقي علاء الدين كيقباد، لكن الأخير فزع لمجيء العصابات المسلحة إذ لم يكن بإمكانه الركون إلى إخلاصهم، واتبع سياسة تقضي بمقاومة انخراطهم في جيشه ومنح زعماءهم إقطاعات على حدود دولته، من ناحية ليأمن شرهم ومن أخرى يجعلهم في مقدمة الصفوف لمحاربة البيزنطيين لعل المعارك تبيدهم، وحصل أرطغرل على لقب "أوج بكي" أي محافظ الحدود من سيده علاء الدين.

الإسلام من أجل بنت الشيخ
أكد المؤرخ التركي أحمد آق كوندوز في "كتابه الدولة العثمانية المجهولة" أن  العثمانيين قبيلة صغيرة هربت من المغول ولم تدخل في الإسلام إلا بعد وصولها إلى الأناضول، واعتنقوا الدين بعد تأسيس دولتهم على يد الطرق الصوفية الشيعية، لذا اختلطت معتقدات الأخيرة بالسنية الحنفية وكونت مزيجا أثر في الإسلام الذي اعتنقه رعاياهم من الأتراك والتركمان الذين احتفظوا بشكل مقنع بمعتقدات أسلافهم.

ذكر خليل اينالجيك في كتابه "تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار": اعتنق الأمير عثمان الإسلام وتبعه الأتراك العثمانيون، بعد أن كانت عقيدتهم الوثنية الشامانية، ودخل الدين على يد الشيخ (أده بالي)، بعد أن طلب الزواج من ابنته، لكنه رفض نظرا لما كان من فوارق من الناحيتين الاجتماعية والدينية، وظل يترجاه عامين، فاشترط الشيخ دخوله الإسلام، فوافق حبا في بنت أده بالي"، وهي الرواية التي يؤكدها عبد العزيز الشناوي في كتابه "الدولة العثمانية"، وهو ملمح مهم في تاريخ العثمانيين فقد دخلوا الإسلام واستخدموه لتحقيق غايات دنيوية على الدوام. 

دولة النهب
توفي أرطغرل في العام 1281 عن 93 سنة، وفي أيامه الأخيرة استحوذ ولده عثمان على الحكم، وكان يفتخر بتبعيته لعلاء الدين كيقباد الثالث سلطان سلاجقة الروم، و
ذكر المؤرخ التركي ابن كمال في كتابه "تواريخ آل عثمان" أنه حدثت منازعات على رئاسة قوات أرطغرل بعد وفاته، فقد رأى "دوندار بك شقيق أرطغرل أنه الأحق بالرئاسة تنفيذا للقاعدة التركية القديمة بأحقية الأخ الأكبر في السلطة، إلا أن عثمان ادعى أن والده أوصى له بالحكم، ونصب نفسه أميرا على ميليشيات أبيه وإقطاعياته، وأثار سخط وسخرية أفراد عشيرته المحاربة، وثارت قواته ضده وأعلنت العصيان وتنصيب دوندار أميرا".
يضيف ابن كمال "اجتمعت العشائر وأعلنت أحقية دوندار بالإمارة من ابن أخيه، إلا أنه رفض وأعلن الحرب على عمه وأفراد العشيرة، وكعادة أبيه اشترى ولاء ميليشيات مرتزقة وطلب مساعدة الأمراء البيزنطيين ودق طبول الحرب ضد دوندار وجنود والده، ثم تمكن من عمه فقتله بنفسه برمية سهم وأمر جنده بإعدام زوجته وأولاده".
قتل دوندار النموذج الذي سار عليه آل عثمان في وراثة العرش، فلحظة وفاة السلطان ينهال الابن الأكبر على إخوته بل وأولاده ينحرهم، حتى أصبح قتل الإخوة والأبناء وأفراد أسرة قانونا أساسيا بالدولة تحت اسم "القتل سياسة" أو ما عرف بـ"قانون البغي" الذي أصدره محمد الفاتح بعد ذلك بنحو قرنين من الزمان.

قتل جماعي
خشي عثمان من انقلاب جيش والده بعد قتل دوندار المحبوب بين صفوف القوات العثمانية، لذا سعى لشراء ولاء طوائف الآخيان (تنظيم الدراويش المسلح) وفرق المشاة "يا يا"، عن طريق توفير المال والمأكل والمأوى لهؤلاء المرتزقة، وكانت مهمتهم الرئيسة إبادة سكان الأناضول الأصليين من السريان واليونان، أو على الأقل محو هويتهم ليتحولوا فيما بعد إلى أتباع للأمير عثمان، وفي سبيل ذلك أمر جنوده بتهجير أهالي المدن والقرى الثرية، وفي المقابل كان يوطن القبائل التركمانية البربرية محل المهجرين، فكان عثمان يبحث عن عصبية عرقية تسانده في مواجهة أصحاب الحضارة البيزنطية اليونانية.
يذكر محمد فؤاد كوبريلي في كتابه "قيام الدولة العثمانية" أن طائفة الآخيان أو جماعات الفتوة ساندت العثمانيين بعد زواجه من بنت الشيخ أده بالي، والأخير كان أحد رؤسائها، وقد حمى صهره بتسخير الميليشيات تحت أمرته، وحينما أراد عثمان تأسيس قوات عسكرية ثابتة بدلا من ميليشيات أبيه، كان الآخيان نواة جيش المشاة الذي عرف باسم "يا يا".
تشبعت طوائف الآخيان وفرق المشاة "يا يا" بروح العقائد المنحرفة، وأخذوا على عاتقهم إجبار أهالي المدن المحتلة على الدخول في الإسلام على عقيدتهم، وسفكوا دماء الكثير من المسيحيين بدعوى الجهاد، وهي السياسة التي انتهجها خلفاء عثمان أجمعون تجاه الأقليات الدينية والعرقية، ما استند إليه محمد الفاتح بعد دخوله القسطنطينية عام 1453 فسمح لجنود الإنكشارية بذبح وهتك أعراض المسيحيين ثلاثة أيام.

كما خاض حروب سلب ونهب بحق سكان الأناضول، لكن قواته ذاقت مرارة الهزيمة على يد القائد البيزنطي "تكفور" الأرمني حاكم مدينة بورصة في منطقة أرمني بلي أي تلة الأرمن عام 1284، ووقع في الأسر ابن عمه صاروخان بن صاووجي، ورغم أن العثمانيين تمكنوا من احتلال بورصة عام 1326، إلا أن آثار هزيمتهم ظلت عالقة في أذهانهم طوال تاريخهم، ما ولد لديهم عقدة كره الأرمن، ودفعهم إلى ارتكاب مذابح دموية بحق الآلاف بل والملايين.

شهد العام 1300 تحولا كبيرا في تاريخ عثمان بك إذ أرسل  كيقباد إليه الطبل والعلم والشرابة، وهو تقليد عسكري يؤكد به أن عثمان أحد الولاة التابعين لسلطته رسميا، في وقت كانت دولته في طورها الأخير بعد هزيمتها القاسية على يد سلطان مصر والشام الظاهر بيبرس، في موقعة الأبلستين عام 1277.
أغار المغول بقيادة قازان خان على دولة الروم السلاجقة، وتوفي علاء الدين كيقباد الثالث عام 1307، فأعلن عثمان انفصاله عن أسياده ليبدأ مرحلة جديدة في تاريخه الدموي، وتحول إلى مغتصب لأراضي السلاجقة، وكشف عن وجهه القبيح كمحتل يقتل المسلمين ويشغلهم عن محاربة البيزنطيين والصليبيين، وفق ما ذكره بول كولز في كتابه "العثمانيون في أوروبا".

رغم ادعاء عثمان أنه مجاهد إسلامي، إلا أنه لم يكن يخشى غير الدولة والإمارات الإسلامية بالأناضول، بعد أن نهب أملاك علاء الدين السلجوقي في ظل احتقار الإمارات للأمير ذي الأصل المجهول، فتقرب من حكام بيزنطية المسيحية وساندهم في حروبهم ضد السلاجقة، واتخذهم سنده في معاركه ضد جيرانه المسلمين، وفي خطوة منه لتعزيز التحالف الصليبي العثماني طلب من حاكم قيليقيا الزواج من ابنته، كما اختار لولده أورخان زوجة يونانية مسيحية، واتخذ من ميخائيل الفرنجي ذي الأصول البيزنطية قائدا للميليشيات العثمانية ونائبا له في ميادين الحرب.
اعتمد عثمان سياسة الإغارات السريعة أسلوبا لدولته، فقام بأعمال السلب والنهب وتخريب الحقول والاستيلاء على المواشي وعرقلة الطرق التجارية، وتدريجيا أدى تخريب المنطقة وعدم استقرار الأمن إلى ارتفاع أسعار المؤن وهجرة السكان، وانتشار المجاعات بين أهالي الأناضول، لذا أطلقوا عليه "قره عثمان" أي عثمان الأسود لقسوته وتجبره ودمويته، كما أنه وضع على رأسه الذئب الأغبر رمزا للوحشية والقسوة.

عاش عثمان بك 68 عاما قضاها في السلب والنهب وقتل الأبرياء، وقبل وفاته كان ولده أورخان يستعد لغزو مدينة بورصة، وكان عثمان وقتها على فراش الموت، فأوصى بنقل جثمانه إليها وأن يدفن داخل كنيسة القصر، ما طرح الكثير من الأسئلة حول حقيقة عقيدته.

المصادر :


Qatalah