يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يشهد مسرح السياسة الدولية لعبة مسلية وهزلية، كالتى لعبتها 28 دولة أوروبية بتركيا طوال 61 عاما، وقف خلالها الأتراك أذلاء على أبواب الجماعة الأوروبية طلبا لشرف عضوية لم ولن تأتى أبدا.
اعتبرت أنقرة الجلوس على مقعد فى الاتحاد الأوروبى، الذى تشكل نواته الأولى العام 1957، حقا طبيعيًا ينطلق من كونها جزءا لا يتجزأ من أوروبا، منذ اجتاحت الجيوش العثمانية مدينة القسطنطينية وتحويلها إلى عاصمة السلطنة باسم "إسطنبول"، لتضع بذلك قدمها فى الجناح الغربى الأوروبى لمضيق البسفور.
نظرت الحكومات التركية المتعاقبة إلى عضوية الاتحاد باعتبارها مسألة وقت، ثم شرعوا فى تقديم التنازلات يوما بعد يوم، لفك عقدة التعنت الأوروبى فى قبول عدو الأمس المريض جارا وشريكا فى القارة الغنية المتحدة، حتى تحول الوقت من مسألة إلى كابوس بلغ أشد درجاته إزعاجا فى عهد نظام رجب إردوغان، الذى عبر مرات عده عن يأسه من طرق أبواب الاتحاد.
على الجانب الآخر، تعددت دوافع أوروبا المعلنة لرفض "تركيا الأوروبية"، كما تعددت شروطها لقبول لايبدو أنه سيتحقق، خاصة فى ظل سوء الأوضاع المتفاقم فى تركيا، بدءا من الاقتصاد وقيمة العملة، وتفشى الفساد وغياب الشفافية ودولة القانون، فضلًا عن منهجية انتهاك حقوق الإنسان، وفرض الحديد والنار كأدوات حكم بيد حزب يذكر الأوروبيين بحقبة الفاشية البغيضة.

المحاولة الأولى
تتمثل بدايات تأسيس الاتحاد الأوروبى، فى دعوة وزير الخارجية الفرنسية روبرت شومان فى 9 مايو 1950 إلى إنشاء "الجماعة الأوروبية للفحم والصلب"، كونهما مادتين أساسيتين في صناعة أدوات الحرب، لتضم الجماعة التي تم تأسيسها  في 18 أبريل 1951 بباريس وحملت اسم (CECA) فرنسا وألمانيا الغربية، لتترك الدولتان الباب مفتوحا أمام الآخرين للانضمام  مستقبلا، وهو الأمر الذي تم بالفعل.
أرادت تركيا في البداية الانضمام إلى الجماعة الأوروبية للفحم والصلب عام 1959، لكنها لاقت صعوبات، سرعان ما تزايدت فى العام التالى، فقد كانت تعيش أنقرة أجواء انقلاب عسكري نفذه العقيد ألب أرسلان ترك، ضد رئيس الوزراء عدنان مندريس، في 27 مايو 1960.
شهدت تركيا وقتذاك انتهاكات عدة فضلًا عن انهيار الأوضاع الحقوقية بفعل العنف الذي استعمل إبان الحركة الانقلابية الأولى، ورغم ذلك عاودت تقديم طلب الانضمام ولكن هذه المرة كانت إلى السوق الأوروبي المشترك (CEE) والجماعة الأوروبية الاقتصادية، العام 1960، لتفوز بالعضوية فى 12 سبتمبر 1963، لكنها كانت عضوية محبطة، اقتصرت على المشاركة كمراقب وليس مقعدا دائما. 
قبلت تركيا وقتها الأمر على أمل الحصول على المقعد المستدام فى الجماعة التى تحولت عام 1992 إلى الاتحاد الأوروبى بموجب معاهدة ماستريخت، فيما فكانت الحقيقة أن الغرب قبل عضويتها فى السوق الأوروبي المشترك للاستفادة من موقعها كنقطة انطلاق لدول الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا.

انقلاب وراء انقلاب
الانقلابات العسكرية المتتالية التى شهدتها تركيا ظلت تعانى تداعياتها على علاقاتها الخارجية، فقد شهدت عام 1970 مظاهرات طلابية عنيفة ضد الحكومة، ما اضطر الجيش إلى التدخل وتعيين حكومة جديدة سنة 1972 برئاسة سليمان ديميرال. 
خطوة الجيش لم تفلح، إذ زادت أعمال العنف بشكل كبير، حتى بلغ متوسط حصاد الصراع الدموى بين اليسار واليمين القومى المتطرف أواخر 1977 ثلاثة قتلى يوميًا، ليفرض الجيش الأحكام العرفية مجددا فى 20 إقليما.
ازدادت حدة الخلافات بين حكومة ديميريل وحزب الشعب الجمهورى الذى طالب بالتحالف مع دول العالم الثالث والكتلة الشرقية، على عكس توجه الحكومة التى زادت من تحالفاتها مع الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، فوقع الانقسام الشديد الذى قاد إلى انقلاب عسكرى ثالث فى 12 سبتمبر 1980، جاء بالجنرال كنعان إيفرين رئيسًا للجمهورية وبولنت أولوسو رئيسا للحكومة.
فور تسلم الجيش الحكم، جرى تعليق العمل بالدستور، وإطلاق الأحكام العرفية، ومنع ممارسة النشاط السياسى، وفرض الرقابة على الصحافة وتكثيف أوامر الاعتقال.
اختلفت ردود الفعل الدولية على الانقلاب بين مؤيد ومعارض، خاصة عندما أيدته واشنطن، ما أثار مخاوف دول أوروبا الغربية التى شنت حملة على تركيا ضد انتهاكات حقوق الإنسان وعسكرة المجتمع.

تهديد بالطرد
فى عام 1982، ضاعفت أوروبا الغربية إدانتها لتركيا، إذ طالبت بوقف المساعدات بأنواعها لأنقرة، لحين التزامها باحترام حقوق الإنسان، كما دعا المجلس الأوروبى القادة الأتراك إلى صياغة دستور متسق مع الميثاق الأوروبى لحقوق الإنسان، خاصة فيما يتعلق بالنظام الديمقراطى، مهددا أنقرة بالطرد من عضويته (السوق الأوروبي والجماعة الاقتصادية) حال رفض الاستجابة.
عمدت تركيا إلى رد فعل سريع اتسم بالحدة والعنف، فرفضت الاعتراف بقرار الإدانة الأوروبية، واعتبرته تدخلاً فى أعمال السيادة التركية، ورفضت الدعوة الأوروبية لتسليم السلطة إلى المدنيين.

طلب أوزال الرسمى
هدأت الأوضاع قليلا، فقررت تركيا تقديم أول طلب رسمى بالحصول على مقعد دائم وليس مشاركا أو مراقبا فى السوق العربى المشترك، العام 1987، وقال رئيس الوزراء التركى آنذاك تورجوت أوزال: "أوروبا ستستفيد كثيرًا بقبول تركيا فى السوق، لأنها ستعطى طاقة حيوية جديدة لها، عبر منحها فرصًا للاستثمار، إننا نستند إلى الحقيقة الثابتة المتعلقة بحيوية إقليمنا للدفاع الغربى، خاصة عقب أحداث أفغانستان وأزمة النفط والثورة الإسلامية فى إيران وحرب الخليج، والتى تبرز أهمية المنطقة التى توجد فيها مصالح حيوية لأوروبا وتجاورها تركيا جغرافيًا".
ردت المفوضية الأوروبية على طلب تركيا بعد عامين، كان هذا وحده جديرا بالشعور بالمهانة، ففى عام 1989 قالت إن أنقرة تعانى نقصًا فى الديمقراطية بسبب دور العسكر المحورى فى الحياة السياسية، والقيود القانونية التى تحد من حرية العمل السياسى، والقمع الثقافى الذى يعانيه الأكراد فى الجنوب وجنوب شرق البلاد، فضلاً عن انتهاكات حقوق الإنسان.
ولأن لعبة المصالح هى وحدها التى تتحكم فى طبيعة العلاقات بين الدول، قررت الدول الاوروبية فى 6 مارس 1995 السماح بإقامة اتحاد جمركى مع تركيا، وجرى إبرام الاتفاق فى يناير 1996 ونص على إلغاء الحواجز الجمركية وفتح حوار سياسى وتقديم قروض ومساعدات مالية لتركيا لتنفيذ المشاريع التنموية، شرط قيام أنقرة بمزيد من الإصلاحات الدستورية خصوصًا فى مجالى حقوق الإنسان وحماية الأقليات، خاصة الأكراد والأرمن.
قبول عضوية الاتحاد الجمركى كانت محاولة ظاهرية من قبل أوروبا لإسكات تركيا بعد كثرة إلحاحها على طلب العضوية، فضلا عن النظر لبعض المصالح الأوروبية فى الاتفاق، فقد ضمنت الموانئ التركية ممرات آمنة ورخيصة لنقل البضائع الأوروبية شرقا، دون مقابل تقريبا للجانب التركى الذى لم يكن أحرز أى تقدم وقتها فى مجال التصنيع يتطلب نقل بضائعها إلى الخارج.  لكن الحكومة التركية ارتضت بالأمر على أمل الحصول فيما بعد على "المقعد المفقود"، لكن خسارتها كانت كبيرة ولم تحقق أية مكاسب من تلك الخطوة.

قرارت هلسنكى
حاولت أوروبا وضع حد لطلبات تركيا المتكررة، خلال قمة هلسنكى فى ديسمبر 1999، بإعلان عدة شروط لبدء المفاوضات الرسمية مع تركيا، بينها احترام الأقليات ومراعاة حقوق الإنسان، وإلغاء عقوبة الإعدام، وتحسين علاقتها مع اليونان، وكف يد الجيش التركى عن التدخل فى السياسة.
عقب هذه الخطوة، أقر مجلس النواب التركى سلسلة قرارات حاول من خلالها استمالة الأوروبيين وإرضاءهم، على رأسها إلغاء الإعدام ومنح حقوق للأقليات الدينية غير المسلمة.
كانت أمريكا بين أكثر الدول المتحمسة لضم تركيا إلى الاتحاد، لحماية مصالحها الاستراتيجية فى الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والقوقاز، وخشيت حال رفضها أن تلجأ تركيا إلى رد فعل معادٍ للغرب يشمل الارتماء فى حضن المنافس التقليدى، الدب الروسى. 

مسمار جحا الأوروبى
كذريعة مسمار جحا للتشبث بما لا يملك، تعرض أستاذ التاريخ ألكسندر أبـى يونس فى تقرير بعنوان "العلاقات الحائرة بين تركيا والاتحاد الأوروبى" نشره العدد 77 من مجلة الدفاع الوطنى اللبنانية فى يوليو 2011، لدوافع النظام التركى نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبى، وعلى رأسها الدافع الجغرافى.
قال أبى يونس إن النخب التركية تنظر إلى العلاقات مع الاتحاد الأوروبى فى سياق يتجاوز اعتبارات السياسة الخارجية، ويعتمد على الجغرافيا الطبيعية، وإن كان 3٪ فقط من مساحتها يقع فى الجزء الأوروبى، إلا أن تركيا تعتبر باقى المساحة امتدادًا طبيعيًا لأوروبا، وأن الجزء الأوروبى منها هو الأهم، أما الدولة ككل، فهى جسر بين الشرق والغرب.
ورغم الدعم الأميركى، تبنت أوروبا الغربية شكاوى اليونان المنددة بتركيا، عبر إثارة قضية تقسيم قبرص فى المحافل الدولية، بهدف غلق الأبواب نهائيا أمام رغبة تركيا الفوز بمقعد إلى جوار جارتها اللدود اليونان داخل الاتحاد الأوروبى. 
اتهمت أثينا أنقرة بأنها تغذى النـزاعات فى بلاد البلقان، وتحرض الأقليات التركية المسلمة على الشغب والتمرد الثقافى والدينى فى الدول الأوروبية، فضلا عن احتلالها لجزء من أراضى قبرص، بل وذهبت إلى أن الجزء الأوروبى من الأراضى التركية لا يعدو جزءا من مستعمرة عثمانية قديمة، لا تقدم ولا تؤخر فى منحها هوية أوروبية.


خاتمة
تطالب تركيا بالانضمام إلى التكتل الأوروبى منذ الخمسينيات، حينما قررت إعطاء الروس ظهرها العام 1935، وتغيير قبلتها غربا، مع تصاعد نجم أوروبا اقتصاديا وعسكريا، لكن الغرب الأوروبى لم يحقق لتركيا طموحها، على الرغم من كم التنازلات التى قدمتها أنقرة لنيل هدفها الثمين، إذ حافظ على وجودها عل حافة الحلم، ومنحها العضوية المشاركة فى السوق الأوروبى المشترك، وفى العام 1996 أبرم معها اتفاقية لرفع الحواجز الجمركية، بما يخدم مصالحه وفقط.
تركيا ظلت حتى العام 2000 تقدم تنازلات على حساب سيادتها بغية الحصول على منصب عضو فى الاتحاد الأوروبى الذى تأسس عام 1992، لكن دون جدوى، حيث برهنت دول الاتحاد على لفظ تركيا من الجسد الأوروبى، لما تعانيه من أمراض المناعة التى بدأت بالانقلابات العسكرية وساءت بالأوضاع الاقتصادية الهشة وفوضى الهجرة غير الشرعية.
فشل الثقل والدعم الأمريكى لتركيا فى ضمها للجماعة الأوروبية، فيما نجحت جارتها اليونان فى عرقلة خطواتها المتلهفة نحو قاعات الاتحاد، التى بات من المؤكد أنها لن تدخلها أبدا.

Qatalah