يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يشبه تاريخ الدولة العثمانية امرأة قبيحة لا يمكن النظر إلى وجهها البشع، وهو ما جعل منتجي الأعمال الدرامية التركية يلجأون إلى إجراء جراحات تجميلية لتبدو الصورة النهائية أمام المشاهد العربي مختلفة تماما عن الحقيقية.

واظب المؤلفون على تزوير الوقائع التاريخية بالكامل، ظهر السلاطين القتلة على أنهم طواويس، يحملون ألوان الحق والخير والجمال للناس ، واختفت المذابح التي ارتكبوها في حق المسلمين والمسيحيين والأرمن والأكراد وراح ضحيتها مئات الآلاف من الأبرياء، أما حريم القصر اللاتي تفرغن لتدبير المكائد وبث الأحقاد فقد وجدن من يبرر أفعالهن الإجرامية ويقدمهن كفراشات يجرحهن النسيم العابر.

بحبكة رومانسية تلعب على وتر المشاعر، عرفت الدراما التركية طريقها إلى بيوتنا ليجلس مئات الملايين في الدول العربية ساعات طويلة أمام التلفزيون يعيشون مع الأحداث التي تجري أمام أعينهم فى بلاط الباب العالي، وكأنها حقيقة محصنة من الشكوك ، بينما كل ما يشاهده هو خداع بصري وفكري وثقافي وفق مخطط خبيث أداره إردوغان من مكتبه بهدف السيطرة على المواطن العربي وتقديم تركيا على أنها الدولة التي تدافع عن الإنسانية والتسامح بين البشر.

في آخر 10 سنوات، ذاع صيت الدراما التركية  بشكل لافت، أوقعت في العالم العربي في فخ متابعتها وحققت أعلى نسب مشاهدة، في حين أنها ليست أكثر من باقة من الزيف، لحقن الوعي العربي بأن تركيا قبلة الإسلام ومصدرة الحضارة للشعوب. 

 

 

الدراما.. خلطة "العثمانيين الجدد" لتجميل الدولة القبيحة
أدرك الرئيس التركي أن قوة تركيا الناعمة هي ذراعه لتلميع صورة أنقرة بين شعوب المنطقة العربية، ليواري سياساتها الحمقاء على مدار مئات السنين، وهي السياسة التي جلبت لها العداء مع جيرانها.

أثبت منتجو المسلسلات التركية أنهم قادرون على تزييف القضايا التاريخية والدينية وقلب الحقائق، واستغلالها بما يخدم سياسات، وتوجهات إردوغان، لاستقطاب المواطن العربي اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا، في الوقت الذي اعتمدت فيه الدراما العربية على تصدير المشكلات وكأنها تتضامن مع تركيا لتحويل المشاهد إلى "الفنتازيا الإردوغانية".

بعد الولايات المتحدة الأميركية، احتلت تركيا المرتبة الثانية عالميًا على مستوى الدراما الأكثر انتشارًا، صُدّرت أعمالها إلى 142 دولة حول العالم خلال الـ10 سنوات الأخيرة، وفق الكاتب الأميركي، نيك فيفاريللي، وارتفعت إيرادات مسلسلاتها من 300  مليون دولار في العام 2015 إلى 350 مليونا في 2016.

حفنة من المنتجين والمخرجين الأتراك يسممون الوعي العربي 
نجاح الدراما التركية - وفق مراقبين - لم يكن وليد الصدفة بل كان مخططا له ، فالرئيس التركي الذي يواصل قمع كل صوت حرّ أو معارض، استخدم حفنة من المنتجين والمخرجين لغسل سمعته وتقديم نفسه على أنه جاء من نسل سلاطين عظماء خاضوا معارك تاريخية ضد خصومهم في الخارج من أجل رفع راية الإسلام وتوحيد كلمة المسلمين، وهو ما يؤكد أن استغلال تركيا لقوتها الناعمة مجرد مؤامرة محبوكة لتسمم العقل العربي، بدليل ترجمة المسلسلات  إلى العربية، فور إذاعتها بساعتين على أكثر تقدير، وإتاحة مشاهدتها على أكثر من موقع وبث إلكتروني.

أما الدبلجة إلى العربية، فقد وصفها نقاد على أنها مسألة تجارية بحتة، في حين أبدى المهتمون بالساحة الثقافية استياءهم مما أطلقوا عليه غزوا فكريا ممنهجا، وكشفوا تخصيص ميزانيات هائلة للتسويق لها، واستغلال تركيا للاتفاقيات السياسية والاقتصادية مع الدول العربية  للترويج لما يسمى "السلطنة العثمانية الجديدة".

 

 

"قيامة أرطغرل" شوه الواقع وتلاعب بالعقول
اللافت للنظر أن المسلسلات التركية التاريخية مثل "قيامة أرطغرل" الذي حظي على نسبة مشاهدة ضخمة، تعمد تهميش وربما محو الدور العربي والكردي نهائيا خلال محاربة قبائل التركمان للصليبيين والمغول، ما يؤكد تزييف الحقائق التي وثقها المؤرخون.

يسرد المسلسل قصة "قايي"إحدى قبائل التركمان التي ينتمي إليها الغازي أرطغرل بن سليمان شاه وهو والد عثمان مؤسس الدولة العثمانية التي استمرت نحو 6 قرون وعاشت على  احتلال واغتصاب الدول المجاورة لتحقيق أطماعها التوسعية.

"يتنافى تمامًا مع الشخصية الحقيقية في الكتب التاريخية" بهذه الجملة وصفت أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية د. حسناء الدمرداش، أرطغرل ، مشيرة إلى أن صناع العمل اختصروا  الإسلام في الأتراك فقط، الأمر الذي أظهر عصبيتهم العرقية.

أما القبيلة التي ظهرت في المسلسل على أنها المنقذ للإسلام فالمصادر التاريخية تؤكد أنها لم تدخل الدين الإسلامي، إلا بعد وصولها لآسيا الصغرى، لأن موطنها الأصلي آسيا الوسطى التي تركتها بسبب الهجمات المغولية.

 

 

وانتقدت "الدمرداش" تجاهل الخلافتين الأيوبية والعباسية، وأحصت العديد من المغالطات التاريخية،  أهمها إظهار فرسان المعبد على أنهم ضعفاء للدرجة التي تجعل 3 أشخاص من التركمان يهزمون جيوشهم، وهو ما لم يحدث جملة وتفصيلا، بدليل وصف المؤرخ البريطاني ستيفن هوارث، في كتابه "فرسان الهيكل" قوة وشجاعة فرسان المعبد، واستعدادهم الدائم للقتال.

وحول  الدراما التي تروج للمناطق السياحية في تركيا، أوضح نقاد أن المسلسلات تثير جدلا كبيرًا فيما يتعلق بمصداقيتها، وارتباطها بالواقع، واعتمادها على المبالغة في تقديم حياة مخملية رومانسية تهتم دائما بالحياة المرفهة داخل قصور فخمة غالبا ما تطل على البحر، وسيارات فارهة، وتحكي عن علاقات حب ومغامرات متواصلة وسط عالم من الثراء.

ولفت النقاد إلى أن الخيانات والغدر والعنف علامات فارقة في الدراما  التركية تكسبها طابعا من التسلية بإمكانه إهدار ساعات طويلة في مشاهدتها، واكتساب عادات لا تمت لحياة الإنسان العربي بصلة.

 

 

وقف بث المسلسلات التركية بسبب أكاذيبها المتعمدة
أمام هذه الهجمة الشرسة من تزوير التاريخ  قرر تلفزيون الشرق الأوسط "إم بي سي "، وقف عرض جميع المسلسلات التركية، وأرجع المتحدث الرسمي باسم مجموعة "إم بي سي"، القرار للسياسة التي تنتهجها أنقرة قائلا : " القرار جاء نتيجة اتخاذ موقف عربي بالتوقف عن بثّ كل ما يتعلق بالقوة الناعمة التركية والترويج لها داخل البيوت العربية، حيث تتخذ تركيا إجراءات لا تصبّ في مصلحة المنطقة العربية، ووحدة وسلامة واستقرار الوطن العربي".

ورفضت الحكومة التركية على لسان وزير الثقافة والسياحة التركي، نعمان كورتولموش هذا الإجراء الذي وصفه بأنه نوع من الرقابة التي لا لزوم لها"، واعترفت "وكالة الأناضول الرسمية"، بأن المسلسلات الحالية مثل "عاصمة عبدالحميد"، و"الكوت والعمارة"، و"قيامة أرطغرل"، والفاتح"، جاءت لتلقي الضوء على حقب متنوعة، لم تذكر في التاريخ الحديث.

وأكدت دراسة أكاديمية، أجراها باحثون من مركز الدراسات الشرقية بجامعة بانديون للعلوم السياسية والإدارية في أثينا، أن المسلسلات التركية التي انتشرت مؤخرا بشكل لافت في الشرق الأوسط، والبلقان، جزء من القوة الناعمة التي توظفها تركيا لتحسين صورتها بين شعوب المنطقة.

Qatalah