يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تحالف العثمانيون مع يهود أوروبا بعد أن تخلوا عن مسلمي الأندلس يلاقون أهوال محاكم التفتيش، فيما أرسلوا سفنهم لتهجير اليهود إلى شواطئ شمال إفريقيا، ثم استكملوا خيانتهم بتهجير تجارهم من ميناء ليفورنو الإيطالي إلى تونس، ليصبحوا عمالقة تجارة البحر الأبيض المتوسط على حساب المسلمين والعرب، الذين أفلسوا وأصبحوا عمالا لديهم.

ظهور تجار يهود ليفورنو في تونس يعود إلى مطلع القرن السابع عشر، حين اجتمع زعماؤهم مثل موسى فرانكو ومودخاي صوريا وإسحاق أرقاس وكتبوا طلبا لفردينان الثاني حاكم توسكانيا وطلبوا مساعدته للحصول على امتيازات في البحر المتوسط، فأصدر الأخير قرارا بتأسيس "الجالية الليفورنية"، وحظيت بحماية القناصل الإيطاليين في الأراضي العثمانية.

بناء على توجيهات فردينان الثاني اجتمع القنصل الإيطالي في إسطنبول بالسلطانة كوسم -المسيطرة على السلطان الشاب عثمان الثاني- وتمكن من الحصول على امتيازات تجارية لطائفة يهود ليفورنو، ثم نال توقيعها على وثيقة "الحقوق الليفورنية"، التي جعلت منهم طائفة متميزة في ولايات شمال إفريقيا، خاصة تونس.

ميثاق الحقوق الليفورنية استقطب نخبة ثرية من التجار اليهود، الذين انتقلوا إلى تونس، التي كانت مركزا تجاريا مهما، وشكلوا لوبيا سيطر على النشاط التجاري وأطلقوا على أنفسهم "يهود القرنة"، وامتد نفوذهم إلى بلاط الولاة العثمانيين، وحظوا بحماية الدول الأوروبية، بعد أن شمل نشاطهم موانئ البحر المتوسط.

لم يواجه تجار الجالية القرنية منذ وصولهم إلى موانئ تونس قادمين من ليفورنو ما يهدد أمنهم وسلامتهم، وخلال سنوات قليلة تمكنوا من احتكار التجارة الخارجية بمباركة البايات (الولاة الأتراك)، خاصة بعد وصول رسالة مختومة من السلطانة كوسم توصي خيرا بهم، وأصبحت بمثابة "وثيقة امتيازات وحقوق" للطائفة، يجري التأكيد عليها من كل باي جديد.

حماية فرنسية
القنصل الفرنسي في تونس استقطب تجار ليفورنو وحصلوا على حمايته، نظرا لنفوذه القوي وعلاقته الوطيدة بالبايات، ودفع يهود القرنة مقابل الحماية رسوما سنوية له ولنوابه في المدن التجارية، بالإضافة إلى تأمين احتياجات باريس من السلع مع تسهيلات كبيرة في السداد، بل إن التجار الفرنسيين انتسبوا للطائفة الإيطالية.

أنشأت باريس وكالات تجارية في أهم المدن التجارية التونسية، وعين القنصل نوابا له في سوسة والمنستير وصفاقس وجربة، وأصدر قرارا في 23 أغسطس 1768 بتكليف مندوب الشركة الملكية لإفريقيا غارسين بمهمة نائب قنصل ببنزرت، ما دعم الترابط الاقتصادي بين يهود القرنة والمستعمرات الفرنسية، تمهيدا للغزو العسكري في عام 1881.

الباي حمودة وقع معاهدة مع القنصل الفرنسي عام 1802 منحت التجار والسماسرة من يهود القرنة امتيازات واسعة، وسمحت لهم بالحصول على حماية الدولة الأوروبية، خاصة فرنسا، كما ألزمته بعدم التدخل في شؤون المعاملات التجارية وحركة البيع والشراء في الوكالات التي ترفع العلم الفرنسي، ما يعني انعدام سيطرته.

استغل اليهود الأوروبيون الغزو الفرنسي للأراضي الجزائرية للمطالبة بمزيد من الحماية والرعاية من القنصل في تونس، وشهد عام 1830 عقد معاهدة بين الباي العثماني تنص على إنشاء وكالات تجارية وتعيين نواب للقنصل في كل المناطق التجارية، مع تعهد الأول بعدم التدخل في نشاط الأجانب خاصة اليهود، ما شجع الفرنسي هنري ماتاي على إنشاء وكالة تجارية في مدينة قابس.

بايات ليفورنو
اتبع البايات العثمانيون سياسات اقتصادية من شأنها تعزيز نفوذ يهود القرنة، ففي عام 1788 أصدر حمودة باي قرارا بتخفيض قيمة الرسوم الجمركية على بضائعهم المستوردة من أوروبا بنسبة 50 %، ففي الوقت الذي يدفع نظراؤهم المحليون 11 % من قيمة المنتجات، فيما سدد تجار ليفورنو 5.5 % فقط مع تسهيلات في الدفع وإمكانية تحصيلها بعد 6 أشهر.

أنشأ حمودة "سوق الباي" وخصصه لبيع الأقمشة المحلية والمستوردة، وعهد به إلى التجار اليهود لتوظيف نشاطهم في دكاكينه، وأصدر قرارا بحماية أرواحهم وأموالهم.

أحمد باي اتبع سياسات مناصرة لهم، حتى أن التونسيين لقبوه بـ"باي اليهود"، ومن أشهر أقواله في مدحهم: "رعايا أحبابنا من الدول الأوروبية، تتوجب مراعاتهم وتبجيلهم احتراما للحضور الأجنبي الذي شملهم بقوانينه القنصلية والامتيازات".

عصابة تجارية
سكن يهود القرنة في المدن الساحلية مثل سوسة والمنستير والمهدية وصفاقس وبنزرت، ومن أشهر عائلاتهم: ليفي، وسمارية، وكرتوزو، الذين استحوذوا على أغلب النشاط في تونس، حتى أن نصيبهم من حصيلة الجمارك بلغت 65 %، كما أن نفوذهم كان أكثر من باقي التجار المحليين والأجانب.

الباحث رضا رجب كشف في كتابه "يهود البلاط ويهود المال في تونس العثمانية" أن "سفنهم التجارية بلغت 1027، ومثلت ثلث البواخر التي رست بميناءي حلق الوادي والبحيرة، وبلغ ثمن البضائع 1.5 مليون ريال، وتجاوزت الرسوم الجمركية المفروضة عليها 110 آلاف ريال بنسبة 48 % من إجمالي إيرادات الجمارك في الميناءين".

احتكر يهود القرنة زيت الزيتون والقمح والشعير وباقي الحبوب والغلال التي زاد عليها الطلب في أوروبا منذ القرن السابع عشر، وجرى تصديرها من موانئ تونس إلى ميناء ليفورنو، الذي أصبح أهم نقطة تجمع البضائع والسلع التونسية، ليتولى بعدها تجار ليفورنو شحنها إلى أوروبا وإسطنبول ذاتها.

فاز يهود القرنة بحق التزام محصول الزيتون التونسي وعصره، وفق "عقود السراح" أو "تذاكر الوسق" التي حصلوا عليها من البايات، ثم تولوا تصديره إلى موانئ البحر المتوسط، مثل إزمير مارسيليا وجنوة ومالطا والإسكندرية، وتبعها الصناعات المشتقة منه كالصابون، فيما ضرب الشح الأسواق التونسية وارتفعت الأسعار وعجز السكان عن توفير احتياجات الغذاء والمستحضرات الطبية.

استغل يهود القرنة حصلوهم على حق التزام المحاصيل الزراعية والجمارك والموانئ لتجويع وإفقار التونسيين، بعد أن خلت الأسواق من السلع والبضائع، خاصة المحاصيل والغلال الغذائية، والتي استخدموها كورقة ضغط على البايات في وقت الأزمات الاقتصادية والمجاعات، للحصول على المزيد من الامتيازات التجارية والسياسية.

شركات احتكارية
استحوذ اليهود القرنية على نظام الالتزام منذ مطلع القرن الثامن عشر، بعد دخولهم في صفقات مشبوهة مع البايات للاحتكار، وأسسوا شركات تجارية عرفت باسم "جيورناطة"، وحصلت على دعم سياسي واقتصادي من العثمانيين، جعل منها كيانات أوروبية مستقلة بقراراتها وسياساتها.

أشهر الملتزمين اليهود القرنية: شموئيل شالوم في تحصيل الجزية من غير المسلمين، وزاكي لمبروزو في خيوط الفضة والصاغة، وكوهين مسعود في الفلوس النحاس، ويوسف مردخاي في دار الجلد، وحاييم إسرائيل في سمسرة الحرير والقرمز.

احتكر يهود القرنة الجمارك طوال القرنين 18 و19، بعد أن حصل شمعون نطاف على التزام موانئ سوسة والمنستير والمهدية وصفاقس وقابس وجربة، مقابل 7500 ريال سنويا، وتوارثته عائلته بنفس السعر طوال قرنين مقابل رشوة سنوية تقدمها للباي.

زاد نفوذ يهود القرنة بعد إصدار عهد الأمان عام 1857، فعلى إثر وقوع خلافات بين تاجر منهم مع أحد السكان تدخل القنصل فرنسي مدعوما بأسطول لإجبار الباي محمد على إصدار وثيقة تنازله عن نفوذه على رعايا الدول الأوروبية، كما منحهم الحق في امتلاك الأراضي والعقارات، ما شجعهم على التوغل في المدن والقرى التونسية.

حصل يهود القرنة على حق التزام ضرائب القرى والمحاصيل الزراعية بنصف ثمنها، فاحتكرت عائلة الصباغ محصولات صفاقس، كما حصل سوسو بن حوقة بسيس على محاصيل المهدية، وأبراهام الشلي على مزروعات جربة.

إمبراطورية لمبروزو
هاجرت الأسر الثرية من يهود القرنة إلى تونس بعد سلسلة الامتيازات التجارية والسياسية التي منحها البايات، واتخذ تجارهم من الموانئ منطلقا لأعمالهم مع أبرز المراكز التجارية بحوض البحر الأبيض المتوسط، وأشهر تلك العائلات لمبروزو ومدينا ولوزادا زدرمون وفلنسي، الذين استأثروا بأعمال الاستيراد والتصدير والإقراض المالي.

بداية النشاط التجاري لأسرة لمبروزو يعود إلى مطلع القرن السابع عشر، حين وصل أبرهام لمبروزو إلى تونس قادما من البندقية عبر ليفورنو التي استقر فيها سنوات، وأرسى خلالها شبكة من العلاقات مع تجار يهود إيطاليين، ساهموا من مواقعهم في تيسير أعماله والإشراف عليها، ثم انطلق مع جماعة من التجار إلى سواحل تونس.

أبراهام تمكن من تأسيس شركة تجارية يديرها بمساعدة ولديه رفائيل ويعقوب، وأصبحت شركة لمبروزو الأهم في احتكار تجارة الصوف وتصدير كل أنواع الحبوب، إلى حد تمكنها من شراء أغلب المحاصيل التونسية ثم تصديرها بمساعدة القنصل الإيطالي في عام 1697.

تزامن تألق عائلة لمبروزو مع تولي الباي أحمد، الذي اتخذ أبراهام المشهور بـ"أبرامينو" طبيبا خاصا، بعد أن توسط قنصل نابولي الذي تربطه به علاقات تجارية وطيدة نظرا للخدمات التي كان يقدمها من سمسرة ووكالة أعمال إلى الإشراف على الاستثمارات التجارية للقنصل.

تمكن أبرامينو من كسب ثقة الباي أحمد فعينه رئيسا على أطباء القصر، ثم طبيبا للفيالق التونسية التي أرسلها الباي لإعانة الدولة العثمانية في حرب القرم، واستغل منصبه في القصر أكثر من 30 عاما في عهد البايات أحمد ومحمد ومحمد الصادق لدعم نشاط عائلته، واحتكر شراء مقتنيات القصر من أحجار كريمة ومجوهرات وهدايا 10 أعوام، وبلغت قيمتها 15 مليون ريال، فيما عانى سكان تونس والولايات العربية من الفقر تحت حكم السلطنة العثمانية.

المصادر :

1 - رضا رجب: يهود البلاط و يهود المال في تونس العثمانية

Qatalah