يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يجني إردوغان ثمار هيمنته على مؤسسة القضاء، وتدخله في أحكامه، إذ رفضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، مطلع أكتوبر الجاري قائمة القضاة المرشحين من قبل أنقرة لعضويتها، وذلك للمرة الثالثة على التوالي.
بررت المحكمة رفض القائمة التركية لمنصب رئيس الهيئة القضائية، بسبب عدم توافر شروط الكفاءة التي حددتها في المرشحين، وستظل القاضية التركية ايسيل كراكاس، في منصبها رغم انتهاء عضويتها منذ مايو 2017 لحين حسم خليفتها.



تعد واقعة رفض قائمة كاملة لدولة هي الأولى في تاريخ المحكمة الأوروبية التي تأسست العام 1959 في ستراسبورغ بفرنسا، فلم يسبق أن رفضت الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا مرشحين اثنين من دولة واحدة، لكن الجمعية حسمت رفضها ثلاث قوائم رشحتهم تركيا لشغل المنصب، 
وقائع رفض القضاة الأتراك تعود للعام 2017، فبينما قدمت الحكومة قائمة من ثلاثة قضاة: هم الدكتور حاجي علي اجيكجول الذي عمل رئيسا لقسم حقوق الإنسان التابع لمجلس النواب بالمجلس الأوروبي، وفاطمة بيليم ويوسف أكسار، لكن اللجنة المكلفة رفضت الأسماء المدرجة في القائمة نظرا لعدم توافر المعايير المطلوبة فيهم، وطالبت تركيا بتقديم قائمة أخرى.
ردت الحكومة التركية بترشيح جديد لكل من نائب مستشار رئاسة الوزراء السابق أرغين أرغول، ونائب مستشار وزارة العدل السابق عضو محكمة النقض بصري باغجي، والمحامية فاطمة أرسلان التي تعيش في هولندا، غير أن اللجنة المكلفة رفضت القائمة للمرة الثانية بسبب عدم توافر الكفاءة، ثم تتقدم أنقرة بترشيحها الثالث الذي رفض مجددا.


شروط الاختيار: لا تنطبق على الأتراك
وضعت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان شروطًا لقبول مرشحي الدول في عضويتها، إذ يتعين على الدول أن تضمن اختيار مرشحيها محليا بنزاهة وشفافية، كما يجب أن يمتلك المرشحون المؤهلات والخلفيات القضائية الملائمة، وأن يكون لديهم معرفة كافية باللغة الفرنسية أو الإنجليزية وإجادة لغة أوروبية أخرى، فضلا عن امتلاكهم قيما أخلاقية عالية. 
وتقدم لجنة خبراء متعددة الجنسيات مشورة سرية للحكومات بخصوص المرشحين المحتملين قبل تقديم القائمة النهائية للجمعية. 
وتضم اللجنة سبعة أعضاء يتم اختيارهم من بين أعضاء أعلى المحاكم الوطنية والقضاة السابقين بالمحاكم الدولية والمحامين المشهود لهم بالكفاءة، وبعد أن تتلقى الجمعية البرلمانية القائمة، تجري لجنة فرعية من 20 شخصا مقابلات مع كل من المرشحين الثلاثة بشكل شخصي، وتفحص سيرهم الذاتية قبل أن توصي بقبول أو رفض القائمة.

أنقرة تتصدر القائمة السوداء
جاءت تركيا في المرتبة الثانية في قائمة الدول التي لا تنصاع لقرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، حسب تقرير عام 2018، الذي نشرته لجنة وزراء المجلس الأوروبي أبريل الماضي.
أوضح التقرير أن تركيا خالفت تطبيق أكثر من 1500 قرار للمحكمة الأوروبية، ما أدى إلى فرض غرامات عليها بلغت 11.6 مليون يورو، وأشار إلى أن حقوق الإنسان في تركيا تراجعت بشكل ملحوظ خاصة في العامين الأخيرين، منذ مسرحية الانقلاب الفاشل في يوليو 2016.

شطب ثلثي القضاة ووكلاء النيابة
بدأ إردوغان خطة ممنهجة للهيمنة على القضاء، منذ الكشف عن فضائح الفساد التي تورط فيها النظام التركي الحاكم عام 2013، حتى بلغ الأمر ذروته مع مسرحية الانقلاب في عام 2016، التي أسفرت عن فصل 4 آلاف و400 قاض ووكيل نيابة من وظائفهم تعسفيا، أي نحو 30% من العاملين في الهيئة القضائية، وجرى شطب عضوية ثلثي العاملين من النقابة صباح 16 يوليو 2016 أي في اليوم التالي للمسرحية مباشرة.


ووفقا لتقرير أعده مركز النسمات التابع لموقع الزمان التركي في مايو 2018، جمدت الدولة حسابات القضاة المفصولين لدى البنوك، قبل أن توجّه إليهم أية اتهامات، و أذاعت  أسماءهم في وسائل الإعلام، فأصبحوا مدانين قبل أن يعرفوا ماهية التهم الموجهة إليهم، فضلا عن فصل أزواجهم من العاملين والعاملات في القطاع الحكومي، واستولت على مدخراتهم وممتلكاتهم، ورفعت عنهم الحصانة التي يقررها لهم القانون، وصار أي وكيل نيابة يرفض أن يعامل المحتجزين معاملة سيئة وأي قاض يرفض إعطاء إذن اعتقال من تطلب الحكومة اعتقاله متهما بأنه خائن للرئيس.
بقول التقرير الحقوقي إن القاضي الذي يعارض توجيهات الرئيس إردوغان يصبح مستهدفا وعرضة للاعتقال، وأن من يخضع لما تمليه عليه الحكومة من أوامر - وإن كانت مخالفة للإجراءات القانونية المتبعة - يتم مكافأته وترقيته.
الجدير بالذكر أن القانون رقم 2802 نص على أنه :"لا يجوز القبض على القضاة ووكلاء النيابة إلا في حالة تلبسهم بجناية ذات عقوبة مشددة"، لكن ما حدث هو أن القضاة يجري اعتقالهم دون أي دليل لإدانتهم بالمخالفة للدستور.

Qatalah