يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يكن يجيد الاستفزاز، ولا التصرف بوصفه ممثلا لرئيس دولة كبرى، يفضل التجول في الشوارع سيرا على الأقدام، والانخراط بين الباعة الجائلين، وتفقد تجمعات الفن والثقافة، والضحك بصوت عالٍ وهو يحكي تاريخ خدمته الطويل في بلاد الشرق لزوجته وابنه، خلال أمسية دافئة على ضفة البسفور. 

باختصار كان يتصرف كإنسان في مهمة رسمية، كعادة عائلته الديبلوماسية العريقة، غير أنه عرف متأخرا - بعد ثلاث سنوات - أنه في المكان والزمان الخطأ، حين ذهب كعادته في مساء ذلك الاثنين لإشباع نهمه بالفن، واستعراض لوحات معرض جديد بالعاصمة أنقرة، ليدرك - في اللحظة الأخيرة- أنه لم يكن في ضيافة دولة بل عصابة توجه له الرصاص تعبيرا عن الاحتجاج، فترديه قتيلا.

بلا ضجيج، دخل السفير الروسي أندريه كارلوف قاعة المعرض، الذي حمل عنوانا وديا للغاية "روسيا في عيون الأتراك"، فيما كانت عيون ضابط جيد التدريب تعد عليه أنفاسه، وتترقبه كفريسة، في انتظار أن يصبح أمام أعين الكاميرات.. كان كل شيء معدا سلفا لتوجيه رسالة مدوية.

ما إن نودي باسم الضيف الروسي الذي تجاوز الستين بعامين، أخرج مولود ألتن طاش مسدسه من سترته، وصوب إلى صدر كارلوف 9 طلقات من مسافة لا تتعدى المترين، فأرداه قتيلًا في الحال، ثم صاح بالعربية "الله أكبر" و"لا تنسوا حلب" و"نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما حيينا".
جرى ترك القاتل لينهي مهمته أمام مراسلي وسائل الإعلام الذين احتشدوا في المكان، ومنحه الفرصة  ليحل بديلا عن القتيل متحدثا للحضور بأريحية بالغة، من بعد دوي صوت الرصاص وتفجر الدماء من الجثة الممددة تحت قدميه، دون حراك من أحد، وحين أنهى المهمة تلقى هو الآخر رصاصات الشرطة من زاوية المعرض ليلحق الحارس الشخصي بضحيته وسره معه إلى قبر غير مفتوح.

فيما تنصل إردوغان من الجريمة، التي وقعت على الهواء مباشرة وسط أنقرة مساء 12 ديسمبر 2016، بحفل الافتتاح داخل معرض الفن الحديث. وبعد عامين آخرين من المشهد المروع لأعين العالم، أخرج رجاله قبل مطلع الأسبوع الجاري ليبرئوه ضمنا ويغسلوا أيديهم من دم الضيف، بمثابة اغتيال للمرة الثانية، ويلقوا بالتهمة على الشماعة البديلة الجاهزة دوما: زعيم حركة الخدمة المعارض فتح الله غولن.

حارس إردوغان
تجاهل الادعاء العام التركي حقيقة أن منفذ العملية البالغ 22 عاما كان يعمل ضمن طاقم الحراسة الشخصية لإردوغان، ثم التحق بشرطة مكافحة الشغب التركية، قبل أن يتم تكليفه بحراسة السفير الروسي كارلوف قبل أيام من افتتاح معرض الصور في أنقرة.
كشفت صحيفة يني عقد التركية أن ألتن طاش شغل وظيفة ضابط أمن ضمن الحراسة الخاصة لإردوغان في 8 لقاءات أجراها في أنقرة، ثم التحق بطاقم حراسة السفير الروسي، ويتساءل مراقبون "إذا كان ينتمي فعليا لحركة الخدمة فلماذا لم يستهدف رجب نفسه؟".
في المقابل، زعم الادعاء التركي حسب وكالة أنباء الأناضول التركية أن الضابط ألتن طاش منفذ العملية ينتمي إلى حركة غولن، وأنه كلف باغتيال السفير الروسي من قبل القيادي في حركة الخدمة شاهين سوغوت الذي التقاه قبل 10 أيام من الحادث.
السبت الماضي، تجددت أحزان عائلة السفير القتيل، فقد ادعت لائحة الاتهام التي أعلنت قبل ساعات أن سوغوت الذي كان يعمل في هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التركية "يعد المرجعية الدينية لمنفذ عملية الاغتيال"، مشيرة إلى احتجازه على ذمة التحقيقات، لتطالب بعد ذلك بمعاقبته بالسجن مدى الحياة هو و28 آخرين على رأسهم غولن.
لفق الادعاء التركي الخاضغ لإردوغان مجموعة تهم لـ سوغوت وزملائه في الحركة، من بينها "انتهاك النظام الدستوري والانتماء إلى منظمة إرهابية وارتكاب جريمة قتل بدافع الترهيب وإطلاق النار بالسلاح لإشاعة الخوف والذعر والقلق".

دلائل تورط إردوغان
يأتي اتهام حركة الخدمة بالتورط في عملية اغتيال كارلوف ضمن سياسة إردوغان لشيطنة المعارضين والزج بهم في السجون، فيما تشير جميع الدلائل إلى ضلوعه وحزبه العدالة والتنمية في الحادث، خاصة أنه تعمد استفزاز موسكو بإسقاط طائرة سوخوي في أكتوبر 2015.
اعترف رئيس الوزراء حينها أحمد داود أوغلو أنه أعطى بنفسه أوامر بإسقاط الطائرة، فيما استخدم الضابط الجاني ألتن طاش مسدسه المرخص من قبل الشرطة التركية ونفذ العملية وهو قيد مهمة رسمية لحراسة السفير الروسي.

 
لم تترك الشرطة التركية ألتن طاش حيا ولكنها أردته قتيلا بعد دقائق من العملية حتى لا يكشف عن دوافعه والجهة المحرضة، وكان بمقدورها أن تشل حركته بإصابة قدمه إذا أرادت، لكنها فضلت إنهاء حياته وأسرار العملية إلى الأبد.
 
شنت حكومة حزب العدالة والتنمية بدورها حملة دعائية لتأليب الرأي العام التركي ضد الدور الروسي في سورية، وقبل أسبوع من عملية الاغتيال نظم مؤيدون للحزب الحاكم وقفة احتجاجية حاشدة أمام القنصلية الروسية في إسطنبول وحملوا لافتات معادية لكل من روسيا وسورية وإيران.
الحملة نفسها شارك فيها كتاب الصحف الموالية للنظام التركي، الذين حرضوا في مقالاتهم على الوجود الروسي في سورية منذ تحرير حلب الشرقية، ليجري تنفيذ عملية الاغتيال قبل يوم واحد من اجتماع وزراء خارجية روسيا وتركيا وإيران في موسكو لإجراء مباحثات حول الوضع في سورية.

Qatalah