يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


خليل بوزكورت انضم إلى طابور المعلمين المنتحرين، ليحصل على الرقم 43 على قائمة الذين تخلصوا من حياتهم بسبب استبعاد حكومة العدالة والتنمية لعملية تعيينهم، رغم حصول 20 ألف معلم مقربين من الحزب الحاكم على الوظيفة أمس السبت، فيما ينتظر نصف مليون معلم لم يشملهم القرار مصيرا مجهولا في ظل سياسة المحسوبية والفساد.
"اعتنوا جيدا بكلابي" كانت هذه آخر كلمات معلم اللغة الإنجليزية خليل مصطفي بوزكورت الذي شنق نفسه في منزله بالقرب من جسر تشومار في مقاطعة تشوروم، وفقا لما نشرته صحيفة "بيرجون" التركية اليوم الأحد، فيما كتب أحد أصدقائه على موقع "أخبار المعلمين" قائلا: "إنه كان ينتظر خطاب التعيين منذ سنوات".

5000 معلم بلا عمل
رئيس نقابة اتحاد المعلمين فيراي أيتيكين أيدوغان، علق على الواقعة قائلا :يكفي إلى هذا الحد، على السلطة أن تتخذ الخطوات اللازمة بوعي وإصرار لحل مشكلة عدم تعيين المعلمين الذين وصل عددهم إلى نصف مليون، لافتا إلى أن ميزانية الدولة تدعم المدارس الخاصة والمؤسسات الدينية، فيما تدعي الحكومة أن عجز الموازنة السبب في عدم التعيين.


الأولوية لأنصار إردوغان

 نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري ولي آغا بابا شن هجوما عنيفا على مبادرة تعيين المعلمين الجدد، قائلا :"اختبارات القبول تشهد جملة من الانتهاكات لا يمكن التغاضي عنها. القائمون عليها يمنحون الأولوية لأنصار حزب العدالة والتنمية".
آغا بابا كشف وجود تمييز في مقابلات المتقدمين، بقوله: " تم تصفية المرشحين لوظائف المعلمين خلال اختبارات موظفي الحكومة، وتجرى معهم مقابلة مدتها 3 دقائق، يسألون فيها من هو الرئيس؟".
النائب المعارض أشار إلى أن "العدالة والتنمية" يسير على أخطاء حركة "الخدمة" التابعة للداعية المعارض فتح الله جولن، مضيفا :"المرشحون لوظائف المعلمين يجب أن يجتازوا 3 اختبارات بدرجة تزيد على 80%".
تابع: من يجتاز الاختبار التحريري بنسبة 80% يجري مقابلة مدتها 3 دقائق، معقبا :"هذا انعدام ضمير، المعلمون ينفقون عمرهم للحصول على درجة عالية في الاختبار التحريري، فيما يتحولون في نهاية الأمر إلى ضحايا للحزب الحاكم الحريص على توظيف رجاله في القطاع الحكومي".


42 معلما منتحرا
النائب عن حزب الشعب الجمهوري علي ماهر بشارير قدم استجوابا للحكومة في ديسمبر الماضي، حول الوضع السييء الذي وصل إليه حال المعلمين، ما تسبب في حالات انتحار بالجملة "لا أعرف إلى أي حد أنتم تلاحظون، انتحر 42 معلما بسبب فشلهم في الحصول على وظيفة".
اتحاد المعلمين التركي قام بدراسة في نوفمبر الماضي، رصد فيها ما وصل إليه حال المدرسين من بؤس، اعتمد فيها على لقاءات مع أكثر من 60 ألف معلم في 23 إقليما، أكدوا انخفاض جودة التعليم في المدارس الحكومية، بينما اعتبر 46% منهم  أن الحل يكمن في إيقاف إغلاق المدارس واعتقال المدرسين والمطالبة بالحقوق الضائعة للعاملين بوزارة التعليم.

المعلمون مستاؤون للغاية وفق التقرير من تدخل وزارة الشؤون الدينية في التعليم، حيث عبر قرابة 78 % عن غضبهم من فقدان المهنة لاحترامها، وقال 76 % إنهم يعيشون في حالة خوف شديد من أن يتم طردهم من وظائفهم. 
%89 من المعلمين يرون أن مدراء المدارس الحكومية يمارسون ضغوطا سياسية على المعلمين للتسبيح بحمد إردوغان، وأكد 70% أن الوصول إلى منصب المدير يتطلب ثقة النظام ووجود علاقات مع الحزب الحاكم "لكي تكون مديرا يجب أن يكون لديك نفوذ كبير".

في دائرة الجوع
نحو 50% من المعلمين لا يستطيعون الحصول على الاحتياجات الأساسية من الطعام والشراب، أو تأهيل أبنائهم بشكل متزن يتماشى مع ظروف الحياة، ويعجزون عن توفير الملابس لأبنائهم، بسبب عدم كفاية رواتبهم، وذكر 50%  أنهم يمرون بمشاكل معنوية ونفسية داخل أسرهم، ويجدون صعوبة في المعيشة بسبب الإيجار والديون ما يجعلهم يفتقدون الاستقرار في الحياة الاجتماعية، حسب اتحاد المعلمين.
الظروف التي فرضها النظام التركي على المعلم أفقدته الاهتمام بالشق الإبداعي في حياته لينعكس ذلك على أدائه داخل الفصل وعلى الأفكار التي ينقلها إلى الطلاب، 54% لا يرتادون المسرح و38% لا يستطيعون الذهاب إلى السينما فيما يعجز 59% عن شراء كتاب واحد في الشهر.

هروب لمهن أخرى
رغم سياسات القمع في تركيا وتصاعد وتيرة التضييق على المعلمين  عقب مسرحية الانقلاب في صيف  2016 إلا أن استطلاع رأي في عام 2014 أجرته نقابة المعلمين كشف أن انهيار المنظومة وتردي حالة المعلم بدأ مبكرا.
%70 من المعلمين فكروا بشكل جدي في ترك المهنة فيما أكد 73% أن رواتبهم غير كافية ولا تغطي نفقاتهم.
استطلاع نقابة المعلمين شمل 38 محافظة بمشاركة 168 معلما بمناسبة عيد المعلم  أكد أن 37% يعملون بمهن أخرى لسد احتياجاتهم المالية إذ إن أقل راتب شهري يتقاضاه المعلم 2000 ليرة وأعلى راتب 2500، وفق صحيفة ميلليت التركية.
وفي استطلاع رأي آخر أجراه موقع "التعليم-سن التركي" بشأن القضايا التي يعاني منها المعلمون خاصة الاقتصادية بمشاركة 11 ألفا 454 موظفا بالإدارات التعليمية، نشر على 9 مواقع إلكترونية، اتضح أن أكثر من 26% يمارسون أعمالًا إضافية، وأن بعضهم  يتعرض للعنف، خلال ذلك.
أجاب 26% من المشاركين في الاستطلاع عن سؤال "هل تعملون عملا إضافيا؟" بالإيجاب، ما يعني أن أكثر من ربع المعلمين الأتراك يعملون في مهن أخرى إلى جانب التدريس، لذا كان طبيعيا أن يجيب أكثر من 98% بـ"نعم" عن سؤال "هل يجب وضع زيادة إضافية للموظفين بسبب زيادة النفقات في جميع المجالات ويأتي على رأسها المواد الغذائية؟".

نتائج مخزية
المعلم لا يتحمل نتائج سياسات النظام وحده، فقد تكبدت المنظومة التعليمية كلها خسائر فادحة وتراجعت تركيا في التصنيفات الدولية، ونشرت منصة الاقتصاد الدولية تقريرا بعنوان "جودة التعليم 2018" يكشف تراجع أنقرة إلى المركز 99 بين 137 دولة في جودة التعليم بعدما حصلت على 3.1 نقطة من 7 نقاط يدور حولها التقييم.
الإبداع والتقدم العلمي جاء على قائمة الخسائر جراء التضييق واعتقال المدرسين وتراجع أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية، ففي عام 2016 توقف نشر الأبحاث والمقالات العملية ولم تتقدم جامعة واحدة بطلب اختراع، وفي عام 2017 تراجعت إلى المركز 58 في تصنيفات دراسات العلوم، ويحذر خبراء تعليم ومؤسسات دولية من تفاقم الوضع أكثر حال استمرار  سياسات القمع البائسة.


ذوي الاحتياجات الخاصة
لم تترك حكومة إردوغان معلمي ذوي الاحتياجات الخاصة أيضا وخرجوا في العديد من النظاهرات الاحتجاجية على عدم تعيينهم في مؤسسات الحكومة.
تقرير مصور رصد أزمة المعلمين الأتراك من ذوي الاحتياجات الخاصة، قال أحدهم وهو يغالب دموعه: "أنا مريض كلى، يمكنني أن أؤدي وظيفتي 5 ساعات في المدارس الحكومية، لكن في القطاع الخاص يبدأ العمل من الـ 8 صباحا حتى 9 و10 مساء، هذه ضغوط لن يمكنني تحملها، وحين نعترض يجري تسريحنا".
إحدى المعلمات قالت :"نحن نطالب بصفتنا معلمين ذوي احتياجات خاصة بالتعيين، ونسعى لإيصال أصواتنا إلى السلطات المختصة، أنا لم يجر تعييني منذ عامين رغم حصولي على درجات مرتفعة".
واختتمت: "لدينا معلم يدعى محمد يسعى لتوفير قوت يومه، من خلال غسل السيارات، مقابل 5 ليرات في اليوم، إن أرباب الأعمال ينتظرون منا الأداء الذي يقوم به الأشخاص الطبيعيون".
يذكر أن مئات المعلمين جاءوا من كل أنحاء تركيا إلى أنقرة، وأجروا مقابلات مع مسؤولي البرلمان، وأدلوا بتصريحات أمام وزارة التعليم القومي لكي يسمع صوتهم دون جدوى.

Qatalah