يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


4 يونيو 2019 لماذا أطلق إردوغان سراح عالم ناسا الأمريكي

في نفس اليوم الذي أعلن فيه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن حزمة "إصلاح قضائي" غامضة، جرى في هدوء إطلاق سراح عالم ناسا الأمريكي سيركان جولج، الذي أُدين بالانتماء إلى ما تسميها أنقرة "منظمة فتح الله جولن الإرهابية".

في ذلك الحين، كانت قضية جولج في المحكمة العليا في تركيا، ولم يطلب محاموه حتى إطلاق سراحه. ومع ذلك، فقد تم إطلاق سراح العالم السابق في إدارة الطيران والفضاء الأمريكية (ناسا)، الذي لم يستطع فهم سبب اعتقاله وصدور حكم عليه قبل أن يفهم حتى سبب إطلاق سراحه.

دعونا نراجع بإيجاز قضية جولج.

كان جولج يعمل في وكالة ناسا، وقد تعرض لسوء الحظ بقضاء عطلة في تركيا أثناء محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو عام 2016. وهو أيضاً مواطن أمريكي. وقد تم اعتقاله واتهامه بأنه جاسوس من قبل شاهد مجهول أخطأ في التعرف على بطاقة هوية جولج في ناسا معتقداً أنها بطاقة هوية لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي.أي.أيه). وبسبب العثور على دولار في حافظة نقود جولج، تم إلقاء القبض عليه ووجه له اتهام بأنه عضو في حركة جولن، التي تتهمها أنقرة بتدبير محاولة انقلاب يوليو 2016 وتضعها على قائمة المنظمات الإرهابية.

وقد كان الدولار الأمريكي الذي عثر عليه في حافظة نقود جولج، بصفته شخصاً يعيش ويعمل في الولايات المتحدة، هو العنصر الأكثر أهمية في الحكم الصادر ضده، في وقت تتم معاملة كل من كان لديه دولار أمريكي على أنه إرهابي.

السبب وراء ذلك، حسبما زُعم حينئذ، أن فتح الله جولن، زعيم حركة جولن، أعطى أعضاءً في حركته فواتير بالدولار بأرقام مسلسلة تبدأ بالحرف "إف". وثمة مزاعم أن هذه هي الطريقة التي يتواصل بها أعضاء الحركة مع بعضهم البعض.

ونتيجة لذلك، حُوكم جولج في الدائرة الثانية بالمحكمة الجنائية العليا في هطاي، وطالب ممثل الادعاء بسجنه لمدة تصل إلى 15 عاماً. في جلسة الاستماع الأخيرة في الثامن من فبراير 2018، حُكم على جولج بالسجن لمدة سبع سنوات وستة أشهر بتهمة "الانتماء إلى منظمة إرهابية مسلحة". بعد استئنافه للحكم، تم تخفيف الاتهام إلى "مساعدة منظمة إرهابية"، وتم تخفيف العقوبة أيضاً إلى السجن خمس سنوات.

في غضون ذلك، فقد جولج وظيفته في وكالة ناسا. ومنذ ذلك الحين، تطالب الحكومة الأمريكية بالإفراج عن جولج، الذي أُدين بتهم زائفة.

دعونا نتعرف على كيفية إطلاق سراح جولج. فقد تكشفت الأحداث على النحو التالي وفقاً لمعلومات حصل عليها موقع (أحوال تركية) من مصادر يُعتد بها في إسطنبول.

وفي حين أن جولج لم يكن يعرف ما سيحدث، فقد كان يعد الأيام المتبقية له في السجن. وفي أحد الأيام، كان من المقرر أن يتحدث إردوغان عبر الهاتف مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. قبل المكالمة، فكر مستشارو إردوغان في لفتة تنال رضا ترامب. والأمل الوحيد لدى إدارة إردوغان بالنسبة للعلاقات التركية الأمريكية، التي توترت منذ معضلة منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400، يتمثل في أن يتعامل ترامب معهم بتفهم. ويتوقع أيضاً الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفس معاملة ترامب في هذه القضية.

وفي حين كان المستشارون يفكرون فيما يجب عليهم القيام به، فكروا في جولج وقالوا، "دعونا نطلق سراح جولج". ثم قبل إردوغان هذا وأصدر التعليمات. حدث ذلك دون اللجوء إلى أي محكمة أو وجود التماس لإطلاق سراحه.

ثم أُجريت مكالمة هاتفية إلى السجن، وذهب الحراس إلى زنزانة سيركان جولج وطلبوا منه أن يجمع متعلقاته وأبلغوه بإطلاق سراحه. جمع جولج متعلقاته بسرعة، ووضع في سيارة، وأُطلق سراحه في منطقة ريفية نائية على بعد بضعة كيلومترات من هطاي في جنوب تركيا. كان إطلاق سراحه يشبه عمليات إفراج عصابات المافيا عن الرهائن بعد خطفهم والحصول على أموال الفدية.

لم يكن لدى جولج أي هاتف محمول. بدأ في السير حتى وصل إلى إحدى القرى. وتحدث مع القرويين عن وضعه، وأحضروا له هاتفاً محمولاً وتمكن من الاتصال بعائلته. جاء والداه في عجلة من أمرهم لاصطحاب ابنهما إلى الدار.

هذا مثال صارخ على مدى تعسف وعدم انضباط النظام القضائي في تركيا. يشبه هذا المثال نوع الانحطاط الذي قد نشهده في جمهوريات آسيا الوسطى. هذا أيضاً مثال مؤلم على كيفية انتقال حكومة الجمهورية التركية إلى حكم الفرد الواحد.

يحدوني الأمل في أن يخرج شخص من وزارة العدل أو القصر الرئاسي ويقول إن الرواية مجرد كذبة. حقيقة أن الرئيس ترامب شكر إردوغان على إطلاق سراح جولج في بيان بعد مكالمته الهاتفية تمثل إشارة إلى أن إطلاق سراح جولج قد حدث بهذه الطريقة.

ويشهد النظام القضائي التركي عملية إعادة هيكلة في الوقت الذي أعلن فيه إردوغان "الإصلاح القضائي"، في صورة حزمة إصلاح بشروط غامضة زعم متين فايز أوغلو، رئيس نقابات المحامين التركية، أنها ستلتزم بمعايير الاتحاد الأوروبي.

وفي فترة زمنية قصيرة، تمكن حزب العدالة والتنمية وإردوغان من الانزلاق بتركيا إلى مستوى الحكومة التي تعتمد على القبلية. وقد تحولت تركيا إلى حكومة تحتجز شخصاً رهينة من خلال النظام القضائي لأغراض التفاوض الدبلوماسي وتفرج عن شخص ما دون قرار من المحكمة لنفس الهدف. يعرف العالم بأسره هذا. البلد الذي يقوم بذلك لا يتمتع بأي مصداقية أو أي مكانة على الساحة العالمية. المواطنون هم الذين يدفعون الثمن، وهو ثمن باهظ بهذا الشكل.

لا يتم إصلاح مثل هذا النظام ولا يجذب رأس المال الأجنبي لأنه نظام ينهار ببساطة.

نقلًا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah