يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


26 أكتوبر 2018 لماذا لم يغير البنك المركزي التركي سعر الفائدة؟

عقد البنك المركزي التركي اجتماع السياسة النقدية الروتيني اليوم الخميس. ومع تضخم أسعار المستهلكين عند 24.5 في المئة وتضخم أسعار المنتجين عند 46 في المئة، يحذر خبراء الاقتصاد من حدوث قفزة أخرى محتملة في معدل تضخم المستهلك في الأشهر القادمة. عندما ينظر المرء إلى التضخم الأساسي، والذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتخفيض قيمة الليرة، فإننا نرى أيضاً ارتفاعاً كبيراً وصل إلى نسبة 24 في المئة خلال شهر سبتمبر، مما يضفي مصداقية على هذا الرأي.

وبالتالي، توقع خبراء الاقتصاد، أو بالأحرى تمنوا في أن تقوم لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي برفع أسعار الفائدة بمقدار 300 نقطة أساس. إن السبب المنطقي هو بالطبع فقدان السيطرة على التضخم، وهو ما جعل هدف البنك البالغ خمسة في المئة غير قابل للتحقيق على الأقل في العام أو العامين المقبلين، وعدم وجود مرتكز بشأن توقعات التضخم لأن سعر الفائدة الذي يحدده البنك المركزي يبلغ 24 في المئة وهو أقل من معدل تضخم أسعار المستهلكين.

ومع ذلك، يدعي الآن وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق أن التضخم في فترة سبتمبر - أكتوبر سيمثل ذروة زيادات الأسعار وأن التضخم سيتجه نحو الهبوط بعد ذلك لينهي عام 2018 عند 20.8 في المئة ويصل في 2019 إلى 15.9 في المئة، وفقاً للأهداف التي حددها في برنامجه الاقتصادي الجديد الذي لاقى الكثير من التهليل. لكن الإجراءات الإضافية التي اتخذها البيرق لمكافحة التضخم، والتي أعلن عنها في وقت سابق من هذا الشهر، تبين أنها كانت دعوة على نطاق واسع لخفض الأسعار بنسبة 10 في المئة من قبل الشركات في البلاد. من الواضح أن هذا ليس جيداً بما يكفي لاجتثاث الضغوط التضخمية والتعامل معها.

في حين أن السياسات النقدية والمالية في تركيا لا تزال عرضة للانتقادات بشأن ملاءمتها للتعامل مع التضخم المرتفع، فإن ثمة تطورين سياسيين هامين على مدى الأسبوعين الماضيين يخلقان مساحة للبنك المركزي للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماع لجنة السياسة النقدية، على الرغم من المستوى الخطير للزيادات في الأسعار.

أهم هذه التطورات كان إطلاق سراح القس الأميركي أندرو برانسون بعد عامين من الاعتقال بتهم متعلقة بالإرهاب، وهي خطوة استوفت متطلبات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ويفتح إطلاق سراح برانسون الطريق أمام رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على وزيرين تركيين لدورهما في احتجازه، في حين أن قرار الإفراج عن برانسون قدم مثالاً ملموساً آخر عن تدهور النظام القضائي التركي خلال العقد المنصرم مع سحب شهود الادعاء شهاداتهم الأساسية بينما ركزت واشنطن والمستثمرون على النتيجة ألا وهي الإفراج عنه.

التطور الثاني المهم الذي يمنح البنك المركزي بعض المساحة كي تتنفس السياسية النقدية الصعداء هو مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي. لقد أدى هذا الحدث الرهيب إلى مناخ إيجابي للاستثمار في الليرة والأصول ذات الصلة لأن أنقرة قد تعاونت بشكل وثيق على ما يبدو مع واشنطن طوال عملية التحقيق.

ونتيجة لذلك، على الرغم من المشاكل المستمرة في العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا بشأن إيران، إذ تريد تركيا الحصول على إعفاءات بشأن استيراد النفط الإيراني كما تريد إسقاط أو تخفيف قضية خرق العقوبات ضد بنك خلق الذي تديره الدولة، ثمة ابتهاج وسط المستثمرين بشأن احتمال إصلاح العلاقات بين أنقرة وواشنطن. وبالتالي، عززت الليرة وضعها بما يقارب 20 في المئة مقابل الدولار منذ بداية سبتمبر.

وبما أن الرئيس رجب طيب إردوغان له القول الفصل في كل قضية في تركيا ومع اقتراب موعد الانتخابات المحلية في مارس، فمن المرجح أن يتم تهميش البنك المركزي وأدواته لتحديد سعر الفائدة مرة أخرى في مكافحة التضخم. يعارض أردوغان رفع أسعار الفائدة مدعياً أنها تضخمية كما تواجه البلاد انكماشاً اقتصادياً قوياً.

وقد ادعى الرئيس وصهره البيرق في مناسبات عديدة خلال الأسبوع الماضي أن الأسوأ قد انتهى بالنسبة للاقتصاد التركي. وأكدا أن الحكومة نجحت في التصدي "للهجمات على تركيا"، التي يُزعم أنها تتم بالتلاعب في قيمة الليرة، وأن البلاد تقف الآن على أعتاب "نهضة كبيرة" مرة أخرى.

إن مثل هذا الخطاب يجعل من الصعب أكثر على البنك المركزي توجيه ضربة نهائية إلى معدل التضخم المرتفع في تركيا بزيادة تشديد السياسة النقدية بعد زيادة أسعار الفائدة بمقدار 625 نقطة أساس في سبتمبر. ومن شأن هذا الفعل أن يضمن المزيد من الانكماش في الناتج المحلي الإجمالي لتركيا.

عندما يضع المرء أيضاً في الاعتبار مكاسب الليرة، إذ ارتفعت العملة إلى حوالي 5.7-5.8 مقابل الدولار من حوالي 7 في بداية سبتمبر، وقد تلاشت شهية البنك المركزي والسياسيين لرفع أسعار الفائدة مرة أخرى للحد من انخفاض قيمة الليرة لهذا العام.

في الواقع، تقديم محافظ البنك المركزي مراد شتين كايا "التوقعات الاقتصادية الكلية والسياسة النقدية في تركيا" إلى الاجتماع السنوي لعام 2018 لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بداية شهر أكتوبر، يعطي نظرة ثاقبة إلى الكيفية التي ينظر بها صناع السياسات الآن إلى ديناميكيات التضخم في تركيا.

وقدم محافظ البنك المركزي النقاط التالية:
1- ظل النمو العالمي قوياً في النصف الأول من عام 2018، مما يعني أن الطلب الخارجي على السلع التركية لا يزال قوياً أيضاً.
2- من المتوقع أن يستمر تطبيع السياسة النقدية العالمية، مع المزيد من رفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الاتحادي الأميركي في الطريق.
3- تراجعت تدفقات المحافظ على الدول النامية في 2018 وسيستمر الضغط على الليرة.
4- ارتفعت أسعار النفط والسلع الأساسية، وبالتالي فإن حجم التصحيح في عجز الحساب الجاري مرتبط بشكل متزايد باتجاهات أسعار النفط والسلع.
5- تباطأ النشاط الاقتصادي المحلي في الربع الثاني، مما غذى قصة إعادة التوازن.
6- تحولت مساهمة الصادرات الصافية إلى مساعدة إيجابية في إعادة التوازن إلى عجز الحساب الجاري.
7- تشير البيانات في الآونة الأخيرة إلى تباطؤ في النشاط الاقتصادي وإلى أن الضغوط من جانب الطلب على التضخم والحساب الجاري آخذة في التناقص.
8- التباطؤ الاقتصادي مدفوع بالطلب المحلي (بمعنى إعادة النظر في قصة إعادة التوزان).
9- سعر الصرف الحقيقي عند مستويات منخفضة تاريخياً (وهذه هي حجة البنك المركزي أن خفض قيمة الليرة متجاوز).
10- تشير البيانات في الآونة الأخيرة إلى اتجاه تحسن حاد في التوازن الخارجي. سيستمر عجز الحساب الجاري في التقلص (أي إعادة التوازن مرة أخرى، مع توازن الطلب المحلي).
11- ظلت نسب الدين الخارجي المتراكم ثابتة (أي الحجة القائلة بمشاكل الدين في القطاع الحقيقي "غير موجودة").
12- من المتوقع أن تحد شروط الطلب من مخاطر ارتفاع التضخم: حيث تتم تنحية عوامل التكلفة جانباً، ويرى البنك المركزي الانكماش الاقتصادي كمساعد على جبهة كبح التضخم.
13- تم تنفيذ تشديد سياسة نقدية قوية لدعم استقرار الأسعار (بمعنى أن السياسة النقدية أصبحت الآن محكمة للغاية).
14- استمر نمو القروض في التباطؤ (أي حجة إعادة التوازن من منظور آخر).

وهكذا، على العموم يبدو البنك المركزي على يقين من أن إعادة التوازن في النشاط الاقتصادي، بدلاً من الركود الكامل، آخذ في الحدوث. ويشير إلى أن ضعف الليرة يعني الآن الطلب الخارجي القوي ويسرع في الوقت نفسه من تباطؤ الطلب المحلي. وبينما لا يزال البنك يرى مخاطر ارتفاع التضخم بسبب تدهور سلوك التسعير، فإنه يعتقد أن "سياسته النقدية القوية" ستدعم استقرار الأسعار.

لذلك، مع ارتفاع قيمة الليرة الآن وتركيز السياسيين في مكان آخر، أصبح رفع سعر الفائدة هذا الأسبوع غير منطقي. بدلاً من رفع سعر الفائدة 300 نقطة أساس، كما أوصى بذلك العديد من خبراء الاقتصاد، فقد أبقى البنك المركزي سعر الفائدة دون تغيير.

يفتقر البنك والحكومة بطبيعة الحال أو يتعمدان تغطية المخاطر الملموسة المتمثلة في تداعيات الديون المتراكمة بالعملة الأجنبية بشكل متزايد على الشركات التركية خلال الأشهر القادمة، وبالتالي، المشاكل المحتملة للصناعة المصرفية، المشاكل التي تهدد بإطلاق موجة أخرى من بيع الليرة من شأنها أن تغذي التضخم في تركيا مرة أخرى.

نقلًا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah