يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


13 نوفمبر 2018 لماذا يستحيل على تركيا أن تصبح عضوا في الاتحاد الأوروبي

في الواقع ليس صحيحًا أنني لم أندهش قليلًا حين قرأت في الصحافة خبر "يستحيل أن تصبح تركيا عضوًا في الاتحاد الأوروبي". ليس لأنني أرى هذا الرأي سخيفًا أو غريبًا، ولكن لأنني لم أستطع تفسير هذا النوع من الطرح في الأيام الراهنة التي توقفت فيها المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي فعليًا وباتت العضوية فيه تشبه ميتًا لمّا تُصلى عليه صلاة الجنازة، ولكنني لم أتحير حين عرفت مصدر هذا التصريح، ومن ثم رأيت أنه من الضرورة بمكان أن يعرف الرأي العام التركي تلك الديناميكيات التي تقف خلف هذا التصريح.
كما تعلمون هناك تياران نشطان في العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي. إنه الوعي البارز في تركيا بـ"إنهم لا يحبوننا" والذي تعبر عنه مصطلحات "هم ونحن"، والتيارات السياسية التي تستغل العداء للغرب. ويمكن متابعة هذه الحالة المزاجية المؤثرة في حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية وحزب الوطن بدءًا من الجناح القومي لحزب الشعب الجمهوري وحتى الإدارة الجديدة لصحيفة جمهورييت. ولقد أتِيحَت لنا بعد أحداث "غزي" الفرصة لنتابع عن قرب مدى فاعلية تلك الروح التي تصل إلى حد جنون العظمة في كادر المستشارين الرئاسيين. من المهم معرفة من أين تغذت هذه الحالة المزاجية، ولكن هذا ليس موضوع مقالتنا هذه.
إن الموضوع الذي أرغب في استقصائه هو الحالة الروحية والمزاجية التي تقف وراء جملة "يستحيل أن تصبح تركيا عضوًا في الاتحاد الأوروبي على الإطلاق"، أي الرأي القائل بأن تركيا لو كانت دولة ديموقراطية، وقانونية بالمعنى الحقيقي بحيث تكفل للإنسان حقوقه الأساسية (ولكنها ليست كذلك للأسف)، فلماذا يستحيل أن تكون عضوًا؟ لماذا يستحيل أن تكون؟ لأنها دولة مسلمة. ويمكنكم أن تطلقوا على هذا معاداة تركيا، العداء للإسلام والأجانب وستكونون محقين في ذلك. فهذه الحالة الروحية مؤثرة للغاية. ويمكننا إن أردتم أن نبدأ دراسة الوضع بتسليط الضوء على السبب الذي يجعل تركيا قضية سياسية مهمة في أوروبا، وهدف السياسيين الذين يصرحون بذلك، لأن هذا يسلط الضوء على ما يجعل تركيا تشكل قضية سياسية مهمة بالنسبة لأوروبا.
مانفريد فيبر السياسي الذي أدلى بهذا التصريح هو رئيس مجموعة الحزب الديموقراطي المسيحي، المجموعة الأكثر نفوذًا في البرلمان الأوروبي، وقد أدلى في 13 أكتوبر لصحيفة دي تليغراف الهولندية. والإدلاء بهذا التصريح في هولندا من الأهمية بمكان، تمامًا مثل الإدلاء به في هذه الأيام. ذلك أن مانفريد فيبر يواصل حملاته الدعائية ليتصدر حزبه الديموقراطي المسيحي الأحزاب الأخرى في انتخابات البرلمان الأوروبي. وإذا نجح في الحصول على العضوية المهمة حتى يخلف جان كلود يونكر رئيس لجنة الاتحاد الأوروبي الذي لن يترشح مرة أخرى، فسيكون واحدًا من أكثر السياسيين تأثيرا في الاتحاد الأوروبي. وهو يقول ماذا سيفعل إذا ما تم انتخابه.
يقول مانفريد فيبر "سأغلق الأبواب تماما في وجه تركيا"، ويضيف "إذا ترأست اللجنة فمهمتي تتمثل في إعلان أن تركيا لن تستطيع أن تكون عضوا في الاتحاد الأوروبي".
ويعبر مانفريد فيبر بموقفه هذا عن وجهة النظر السائدة أصلًا لدى الجناح البافاري في حزبه الديموقراطي المسيحي الألماني. وكانت هذه المجموعة قد صوَّتت ضد بدء مفاوضات العضوية مع تركيا خلال التصويت الذي أجري في ديسمبر 2004، ولكنها ظلت أقلية آنذاك، حيث أعطى البرلمان الأوروبي الضوء الأخضر لعضوية تركيا بأغلبية ساحقة، إذ تمّ التصويت لصالح بدء المفاوضات من قبل السويد وفنلندا وإسبانيا وإيطاليا والأحزاب المحافظة في شرق أوروبا والحزب الاشتراكي الديموقراطي والليبراليين والخضر الألماني، وظل الجناح المتشدد في اليمين المتطرف والمحافظين أقلية حينئذ.
على ما يبدو أن فيبر يعتقد أن مناهضة تركيا سوف تزيد من نقاطه ورصيده في الحزب الديموقراطي المسيحي. ولذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن يخرج بهذا التصريح في هولندا التي ينشط فيها يميني متطرف ومعادٍ لتركيا مثل فيلدرز.
هولندا ليست مجرد بلد علاقاته متوترة مع تركيا. هولندا هي أكبر البلاد "الصغيرة" في الاتحاد الأوروبي. وهناك فنلندا البلد "الصغير" أيضًا، حيث ألكسندر ستوب أحد الديموقراطيين المسيحيين مرشحٌ أيضًا لخلافة جان كلود يونكر. وأغلب الاحتمالات أن تصريح فيبر هذا جاء كي يجبر منافسه على اتخاذ موقف من تركيا، والحصول على رصيد أكبر لدى الجناح المحافظ المعادي لتركيا.
وعند مقارنة ألكسندر ستوب بمنافسه مانفريد فيبر فإنه يبدو سياسيًا مختلفًا، ليس من حيث توليه وزارة الخارجية، ولا كونه رئيس الوزراء، ولكن لأنه يعتقد بضرورة عدم مغازلة هذه التيارات السياسية، وألا يقدم الحزب الديموقراطي المسيحي أية تنازلات لصالح اليمين المتطرف.

وكما أن ستوب والحركات الديموقراطية المسيحية التي جاء منها كشفوا التزامهم بالقيم الأوروبية من خلال الدعم الواضح لمفاوضات العضوية مع تركيا، فقد دعموا قبل بضعة أشهر أيضًا تفعيل المادة رقم 7 من اتفاقيتهم المشتركة ضد المجر التي انتهكت فيها الدولة القانون وحرية الصحافة في ظل حكومة فيكتور أوربان، إذ تنص هذه المادة المستندة إلى القيم الأوروبية على تطبيق عقوبات على المخالفين لها تصل إلى حد تعليق العضوية.
وسوف يجتمع الحزب الديموقراطي المسيحي الأوروبي في 7 نوفمبر 2018 في هلسنكي من أجل اتخاذ القرار. وليست هناك حاجة لأن نكون منجمين حتى نتنبأ أن أوربان الديموقراطي المسيحي سيدعم مانفريد فيبر وليس ستوب. أما بالنسبة لموقف ميركل والديموقراطيين المسيحيين الألمان فسيكون مهما جدًا.
وكما أن ميركل لن تترشح لرئاسة حزبها مرة أخرى معللة ذلك بنجاح اليمين المتطرف في انتخابات الولايات الأخيرة وخسارة حزبها نسبة كبيرة من الأصوات، فقد أعلنت أنها قررت أيضًا عدم الترشح من أجل رئاسة الوزراء في انتخابات 2021. وميركل المعروفة بموقفها المتشدد إزاء اليمين المتطرف تسير في نفس الخط مع ستوب من الناحية السياسية. ولكنها في الوقت نفسه مضطرة لدعم مانفريد فيبر المرشح القادم من الحزب الديموقراطي المسيحي في ألمانيا.
إن ميركل العضو الأكثر تأثيرًا في الاتحاد الديموقراطي المسيحي الأوروبي تواجه نفس المشكلة في ألمانيا أيضًا. وسوف يتسابق المرشحون المدافعون عن اتجاه ميركل مع مرشحين قويين يدافعان عن ضرورة الانفتاح على الناخبين اليمينيين على نهج مانفريد فيبر. ولا شك أن النتائج التي ستعلن في هلسنكي وبرلين ستكون قرارًا مهمًا بالنسبة لتركيا بقدر أهميتها بالنسبة لملايين الأتراك والمسلمين الذين يعيشون في أوروبا.
ولا شك أن قرار ميركل بالانسحاب من الساحة يرتبط بالعلاقة مع تركيا بشكل وثيق. فلقد كان قرارها بفتح الحدود لمئات الآلاف من اللاجئين الذين بدأوا يتوافدون إلى أوروبا مع فتح تركيا حدودها يمثل "خيانة" بالنسبة لليمين، و"خطأ" فادحًا بالنسبة لحزبها. كما أنه يتم ربط صعود اليمين المتطرف بهذا "الخطأ". وإن أظهر صعود اليمين المتطرف على الرغم من وجود سياسة صارمة ضد الهجرة في دول مثل فرنسا وهولندا والدنمارك، وازدياد رصيد الشعوبية اليسارية وليس اليمين فحسب –أظهر- أن المشكلة عميقة بحيث يستحيل اختزالها في قضية اللاجئين، إلا أن التصور يسير في هذا الاتجاه.
إن تولي السياسيين الشعوبيين واليمينيين المتطرفين السلطة في الولايات المتحدة الأميركية وإيطاليا والمجر والبرازيل يمثل مشكلة حقيقية ليس للديموقراطيين المسيحيين فحسب، بل وللديموقراطيين الاشتراكيين والليبراليين والخُضر الذين يقفون في نفس الصف مع الديموقراطيين المسيحيين الذين يتقاسمون القيم العالمية ويتبنونها مثل ستوب وميركل.
إن هذا الاستقطاب الذي سيؤثر قريبًا على العلاقات ما بين تركيا والاتحاد الأوروبي مدار الحديث والنقاش في تركيا اليوم. وإذا نظرنا إلى الأمر عن كثب نرى أن إردوغان وحزب العدالة والتنمية يقفان على نفس الخط مع مانفريد فيبر وأوربان. فهل تدركون أن نجاحنا نحن الذين نناضل من أجل الديموقراطية في تركيا مهم حتى ينجح في أوروبا الديموقراطيون المسيحيون والديموقراطيون الاشتراكيون والخضر الذين يدعموننا ويساندوننا؟
كنا نتمنى أن يدور النقاش حول تركيا التي تمت السيطرة فيها على الحقوق الديموقراطية الأساسية، ومنعت مناقشة حرية الصحافة، وغابت المساواة بين الأقليات، ودولة القانون وليس في محور الإسلام- والمسيحية.

Qatalah