يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


أنهكت الدولة العثمانية وأتباعها من قراصنة البحر المتوسط الجزائر، أدخلتها فى صراعات وحروب مع دول أوروبا، لم تكن حربا مقدسة من أجل الدين، كما يزعم دراويش الخلافة، كانت أعمال نهب وسرقة لأساطيل الغرب المسيحى، دفع الشعب الجزائري وحده ضريبتها.

احتل القراصنة الأتراك الجزائر بمساعدة الدولة العثمانية، وحولوها إلى قاعدة عسكرية لمهاجمة أسبانيا، في إطار صراع العثمانيين مع الإمبراطورية الرومانية المقدسة، التي كانت النمسا جزءا منها.
العثمانيون سخروا موارد البلد العربي لبناء سفن القراصنة فى البحر الأحمر، والإنفاق على جنود الإنكشارية، ولم يجن بلد المليون شهيد من هذه القرصنة سوى عداء الأوروبيين.
أسبانيا هاجمت الجزائر انتقاما من نشاطات القراصنة العثمانيين، وبريطانيا هي الأخرى، وفرنسا، وحتى هولندا، وأخيرا الولايات المتحدة، كلها قصفت البلاد للقضاء على نشاط القراصنة، الذي خرج عن طوع السلطان نفسه.
بربرية العثمانيين في الجزائر كانت الحجة التي استغلها الفرنسيون لاحتلال البلاد، بعد الحصول على مباركة أوروبا.

قراصنة وسلاطين
القرصان عروج بربروس، احتل مدينة الجزائر عام 1516، بعد اغتيال حاكمها العربي، فثار الأهالي عليه، ووقعت المدينة في الفوضى، واستغل الأسبان الذين كانوا في عداء قديم معه تلك الأحداث، وهاجموا المدينة وقتلوا عروج، وشردوا قواته، وسقطت المدينة في أيديهم.
قيادة القراصنة انتقلت إلى خير الدين، الشهير بـ "بربروس الثاني"، وورث عن أخيه أسطولا يبلغ عدد طواقمه عدة آلاف من البحارة، وأدرك خير الدين عدم قدرته على الوقوف منفردا في وجه الأسبان، وبحث عن شريك يوفر له الحماية.

وجد ضالته في الإمبراطورية العثمانية، التي كانت في عداء مع الغرب، وأعلن خضوعه للسلطان عام 1518.
العثمانيون رحبوا بمبعوثي خير الدين في القسطنطينية، وكانت أطماعهم تتجه نحو شمال أفريقيا، بعد أن دانت لهم دول البلقان، فمنح السلطان خير الدين لقب باشا، وأمده بألفين من جنود الإنكشارية.
قرر السلطان اتخاذ شمال أفريقيا قاعدة للدخول فى مناوشات مع أسبانيا، الشطر الغربي من الإمبراطورية الرومانية التي تحارب العثمانيين، ممثلة في النمسا، كانت السلطنة تتلاعب بالجزائر في صراعها مع الأوروبيين، مما جعلها هدفا لجيوشهم.

تهميش الجزائريين
تحالف القراصنة والأتراك شكل طبقة حاكمة منعزلة عن الجزائريين أصحاب البلاد، استولت على السلطة والثروة، بدعم من السلطان، وقد حازت هذه الطبقة استقلالا نسبيا عن العثمانيين.
القرصنة كانت المورد المالى الأول لهذه الطبقة، فكانت توظف السفن لشن حملات القرصنة على السفن  التجارية الأوروبية، أو توفر الملجأ للقراصنة، مقابل حصة من الغنائم.
الثراء الذي تحقق من القرصنة، ومن إحتلال البلد العربي، جعل تلك الطبقة تزداد انعزالا عن الشعب، حتى لا تقتسم ثروتها معه، بل فرضت عليه الضرائب الباهظة، حين تدنى دخلها من أعمال النهب فى البحر، من أجل المحافظة على حياة الترف والبذخ التي ميزتها.

هيمن الأتراك فى الجزائر على إدارة والجيش والاقتصاد، وهمشوا أصحاب الأرض، عكس بعض الأقليات، ممن ارتدوا عن المسيحية، أو من اليهود الذين حظي بعضهم بامتيازات وتأثير بالغين.
القرصنة العثمانية زادت من تهميش الجزائريين، فقد شجعت الامتيازات الممنوحة للأوروبيين الأسرى، لقاء انضمامهم للعثمانيين، في إمداد الإدارة التركية بعناصر أجنبية ساعدتها على حكم البلاد، وقد تناوب على حكم إيالة الجزائر في عهد البايلربايات (1518-1587) 7 أتراك و7 أوروبيين تركوا المسيحية، و4 كراغلة.
العنصر التركي ظل محافظا على تهميش الشعب وإبعاده عن الحكم، وذلك من خلال تقوية مركز الأتراك، وتعويض الموتى منهم، باستقدام عناصر تركية من الأناضول.

حكام الجزائر الأتراك كان يفضلون استقدام حثالة المجتمع التركي أزمير والقسطنطينية، وإغرائهم بالرواتب والمنازل والامتيازات، من أجل الاستقرار في شمال أفريقيا، وتدعيم الطبقة الحاكمة، وفى المقابل يحرمون خيرة الشعب من الانضمام للجيش، المنوط به حماية بلدهم.
القراصنة وجدوا في فرنسا حليفا لهم لمدة طويلة، كونها حليفة الباب العالي ضد النمسا وأسبانيا، فمنحوا الفرنسيين واليهود امتيازات تجارية كبيرة، منها حق احتكار التجارة والصيد فى سواحل الجزائر.
كان للوجود الإسباني والتركي على السواحل الجزائرية انعكاس سلبي على المبادلات التجارية، وعطل علاقات الجزائر التجارية مع مدن ودول أوروبا المطلة على البحر المتوسط.

العداء الإسباني
تزامن الوجود الإسباني في سواحل المغرب، مع انتقال قراصنة من المشرق إلى الحوض الغربي للبحر المتوسط، وكان عروج أكبر هؤلاء القراصنة.
بدأ عروج الذى كان أبيه أحد جنود الإنكشارية في حامية جزيرة يونانية، نشاط القرصنة في الشواطئ المغربية عام 1504، قبل احتلال الأسبان للمرسى الكبير.
القرصنة جلبت العداء الإسباني على الجزائر، وبدعوى مطاردتها احتلوا المرسى الكبير عام 1505، ومدينة وهران 1509، وبجاية عام 1513، ودخل في عداء مع دولة الحفصيين في تونس، بسبب رغبته في أن يكون سلطانا على مناطق جيجل.

عروج مارس القرصنة من أجل الغنائم، وهاجم السفن الأسبانية، متخذا من السواحل الجزائرية قاعدة له، بعد أن احتل العاصمة. أهالي المدينة قرروا طرده، فقام بقتل شيخهم سالم التومي، فتحالف الأهالي مع الأسبان ضد عروج، ودخلوا المدينة عام 1516، وفر القرصان، وواصل الأسبان مطاردته وتمكنوا من قتله.
جرائم عروج دفعت الأهالي للتعاون مع الأسبان، الذين كانوا أقل ضررا منه، خير الدين خليفة عروج بالجزائر، لم يفكر فى الدفاع عنها ضد الأسبان، فقد كان الأهالي في عداء معه، ويتحينون الفرصة لطرده، فاختار هو الانسحاب من المدينة، والنزوح إلى مدينة ساحلية أخرى، لكنه تخلى عن قراره بعد أن انسحب الإسبان.

خير الدين بعد حصوله على مساعدة العثمانيين، شن هجوما على الممالك العربية والقبائل المستقلة، وقتل الآلاف من العرب، وخشى الاقتراب من الإسبان في وهران.
عام 1531 شن أسطول دوريا الجنوي هجوما على شرشال، ردا على هجمات القرصنة التركية، واحتلوا مدينة هنين.
الجزائر تعرضت إلى هجمات عدة من الإسبان، في إطار صراعها مع القراصنة.
كانت عمليات نهب السفن فى البحر أبعد ما تكون عن الجهاد أو المقاومة، أو الدفاع عن الدين، ويدعم ذلك مشاركة عناصر مسيحية في عمليات القرصنة، فقد استقر القبطان الفنلندي سيمون دونسا في الجزائر، واتخذها قاعدة لأعماله ضد الأسبان عام 1607، كما كان القرصان الإنجليزي الشهير بونيل يعمل في الجزائر تحت العلم التركي.

نقمة أوروبية
وقع الصدام بين القراصنة والفرنسيين عام 1608، بسبب خطف القرصان دونسا سفينة إسبانية على متنها رجال دين يسوعيين، وأطلق سراحهم بعد تدخل الباب العالي،روغادر إلى فرنسا دون إذن باشا الجزائر، فأثار ذلك غضب القراصنة، الذين استغلوا الحادثة في مهاجمة السفن الفرنسية، وغنموا منها الكثير من الأموال.
الانتقام جاء على يد دوق توسكانيا الطلياني، الذي هاجم مدينتي عنابة وبرشك، انتقاما من غزو الأتراك ليفورنا ونهبها.

البلدان الأوروبية لم تصمت تجاه تزايد نشاط القراصنة، وردت بتنظيم حملة بحرية على سواحل الجزائر عام 1611، شاركت فيها بوارج وسفن كل من إنجلترا وهولندا وإسبانيا، خربت السواحل وأحرقت مدينة جيجل.
انشغال العثمانيين بأعمال القرصنة، أعماهم عن متابعة شؤون الحكم، فلم تتجاوز علاقته بشعب الجزائر عملية جمع الضرائب والغرامات والاتاوات، ونتيجة لذلك ضربت البلاد مجاعة كبيرة عام 1610، انتشر بعدها الطاعون لمدة عامين، ولم تتخذ السلطات التركية أية إجراءات لمواجهة الأزمة، ولم تستطع استيراد القمح من أوروبا، بسبب امتناع الأخيرة عن تزويدها بالبضائع ردا على القرصنة.
مهاجمة القراصنة لفرنسا دفعها لشن حملات على ساحل الجزائر أعوام 1618 و1620 و1621.

أسطول إنجليزي آخر حاصر مدينة الجزائر عام 1620 ودعمه أسطول إسباني، مطالبين بتحرير الأسرى، وتعرضت حينها المدينة لقصف عنيف.
هولندا بعثت أسطولها عام 1620، هاجم الجزائر، وتمكن من الاستيلاء على عدد من سفن القراصنة، وطالب بإطلاق سراح أسراهم مقابل أسرى كانوا على متن سفنهم، لكن داي الجزائر رفض عملية التبادل، فقاموا بشنق الأسرى الجزائريين الذين بحوزتهم.
عام 1653 شن أسطول إنجليزي هجوما على سواحل تونس والجزائر وطرابلس، وأجبر الأتراك على التوقيع على معاهدات بعدم الإعتداء على السفن الإنجليزية.

فرنسا شنت حملة على جيجل العام 1661، وقصفت مدينة الجزائر عام 1665، القراصنة خرقوا المعاهدة مع الإنجليز وكان هذا دأبهم، إذ كانت الغنائم محركهم الأول، فعادوا لمهاجمة السفن الإنجليزية، فأرسلت لندن أسطولا عام 1671 أحرق ميناء بجاية وقصفت الجزائر.
العلاقات بين الجزائر وأوروبا ظلت متوترة بسبب خرق القراصنة للمعاهدات، وتسبب ذلك في رد فعل انتقامي من الأوروبيين، ولم تتخذ هذه الحروب الطابع الديني أو الهجمات الصليبية كما يدعى العثمانيون الجدد، في محاولة بائسة لتصوير القراصنة العثمانيين في مظهر المجاهدين.
الحروب الأوروبية الجزائرية كانت بسبب القرصنة، وكانت الدول المتضررة ترسل الأساطيل لقمع لصوص البحر، ودفع شعب الجزائر ثمن تلك الجرائم.

ومن الحملات التأديبية ضد القراصنة، هجوم الأسطول الفرنسي عام 1682، وحملة دانماركية قصفت الجزائر عام 1771، وأخرى أسبانية عام 1775، وهجوم إنجليزي عام 1804.
بعد هزيمة نابليون، العام 1815، قررت أوروبا في مؤتمر فيينا مواجهة نشاط القرصنة، ووقعت معاهدة مع الدولة العثمانية بمنع استرقاق المسيحيين، وإنهاء نشاط القرصنة، وأطلقت يد أوروبا في تطهير حوض البحر المتوسط من القراصنة.
الأسطول الأمريكي قام بمهاجمة الجزائر، وفرض على القراصنة عدم التعرض للسفن الأمريكية، بموجب معاهدة فيينا، بدأ الأسطولان الإنجليزي والهولندي تحرير الأسرى الأوروبيين بدفع الفدية، وقدم طلبا للجزائر بعدم استرقاق الأوروبيين، عام 1816، فاستاء القراصنة من ذلك، ورفضوا الطلب، وقاموا بقتل عدد من الإنجليز العاملين في صيد المرجان في القالة.
رد الإنجليز والهولنديين على القراصنة بتدمير أسطولهم، وقصف الجزائر، ونجحوا بذلك فى إنهاء وجودهم فى البحر المتوسط تماما.

تخريب التجارة
قبل احتلال الأتراك للجزائر، كانت البلاد تربطها علاقات تجارية كبيرة مع فرنسا والجمهوريات الإيطالية، وكان لباريس مركز تجاري في مدينة عنابة، وسفن صيد المرجان في القالة وفي باستيون.
القبائل الجزائرية كانت تصدر القمح والجلود والشموع إلى فرنسا، عن طريق بيعها في سوق رأس الحمراء، وكانت حياة القبائل خصوصا في الشرق، تعتمد على هذه المبادلات.

أعمال القرصنة خربت العلاقات التجارية مع فرنسا، وفي كل مرة تسوء فيها العلاقات بين البلدين، بسبب القراصنة، كان أول عمل انتقامي لباشا الجزائر، هو تدمير المراكز التجارية الفرنسية في شرق البلاد، وأسر التجار والموظفين، وبيعهم كعبيد، ما تسبب في توقف التجارة.
حياة القبائل تضررت كثيرا بسبب تلك السياسة، ودفعها ذلك لإعلان الثورة على بايلك قسنطينة، وطرد الأتراك من المنطقة، كما حدث عام 1617، عندما ثارت قبائل الحنانشة وصناع المرجان وقبائل الزواوة.
ثورة جديدة اندلعت ضد الوجود العثماني فى الجزائر، العام 1637، شاركت فيها قبائل جزائرية كبيرة، مثل الحنانشة والدواودة وأولاد مقران. 

المصادر :


Qatalah