يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"يكتب فصل النهاية للتعليم في تركيا"، بهذه العبارة وصفت صحيفة "لو جراند سوار" الفرنسية الهجمة الشرسة التي يقودها رجب إردوغان وحزب العدالة والتنمية ضد المعلمين بحجة "محاربة الانقلابيين" بعد مسرحية صيف 2016. 

الكاتب الفرنسي خافييه لامبير حضر ندوة دولية نظمتها نقابة التعليم في تركيا الأسبوع الماضي، ووثق خلال زيارته أوضاعا صعبة يعيشها المعلمون الأتراك  في ظل هجمات حكومة "العدالة والتنمية" لنشر التعليم الديني المتطرف.

لامبير قال "النظام التركي استغل محاولة الانقلاب المزعومة لتطهير قطاع التعليم من معارضيه، حملات القمع الشرسة طالت آلاف المعلمين بتهم ملفقة عن صلات بحركة الخدمة التابعة للداعية المعارض فتح الله جولن" عدو رجب اللدود.

معاداة السلام 
لامبير أوضح أن مبادرة "معلمون من أجل السلام"، التي أطلقها أكاديميون ضد التدخلات التركية في سورية ودول عربية أخرى، لاقت صدى واسعا في فرنسا، لكنها لم تحظى بقبول سلطات إردوغان وحزبه التي ألقت القبض على العديد من الموقعين على بيانات المبادرة.

الكاتب الفرنسي رصد تشريد آلاف المعلمين الذين لم يعلموا بقرارات فصلهم  إلا عن طريق البريد الإلكتروني، مشيرا إلى أن قرارات الفصل التعسفي صعبت مهمة المعلمين في الحصول على وظائف جديدة بعدما أصبحوا منبوذين من المجتمع ومحرومين معظم الوقت من رابطاتهم الاجتماعية.

تقرير الصحيفة الفرنسية أشار إلى فصل أكثر من 14 ألف معلم، خاصة النقابيين،  مؤكدا أن جهود نقابة التعليم في إنشاء شبكة تضامن مع المعلمين المفصولين لم تنجح في تقليل معاناتهم، خاصة بعدما أصبحت المحاكم العسكرية هي التي تدير شئون الحياة في تركيا منذ مسرحية انقلاب صيف 2016.

الصحيفة أشارت إلى سياسة حكومة "العدالة والتنمية" في قصر الوظائف العامة على التابعين لها، بعدما أصبح التعيين فيها مرتبطا بالحصول على عضوية الحزب، مشددة على أن تعيين الموظفين العموميين بات يخضع إلى تحريات سياسية، ولا يمكن توظيف سوى أولئك الذين يدينون بالولاء للسلطة.

حملات القمع الشرسة التي واجهت بها الحكومة التركية المجتمع تسببت في انخفاض حاد في عدد أعضاء النقابات، ونقابة التعليم على وجه الخصوص، وأوضحت الصحيفة أن تركيا شهدت تقلبات شديدة لكثرة الانقلابات العسكرية، لكن وصول إردوغان كان بداية الانحراف الحاد عن الحريات.

استهداف الأكراد
الصحيفة الفرنسية لفتت إلى أن سلسلة القمع الدموية التي نفذتها الحكومة ضد أكراد الداخل عقب فشل مفاوضات السلام مع حزب العمال الكردستاني عام 2015، لم تفلح في إقصاء حزب الشعوب الديمقراطي من الانتخابات النيابية يونيو 2015.

اعتبرت أن دخول حزب الشعوب الكردي إلى البرلمان كتب نهاية الأغلبية النيابية المطلقة للحزب الحاكم، مضيفة "إردوغان فرض حالة طوارئ بذريعة الانقلاب، وعزز سياسته الاستبدادية باحتلال أراضي الكرد وتدمير قراهم وسجن النشطاء".

تغير هيكلي
الصحيفة الفرنسية أكدت أن مجال التعليم العالي والبحث العلمي يعاني من ركود وكساد نتيجة السياسات الاستبدادية للحكومة، وأصبح الطابع الحزبي وعدم المساواة بين الجنسين والإدارة التعسفية أمور شائعة في هذا القطاع، مشيرة إلى أن اختيار رؤساء الجامعات أصبح بالتعيين بدل الانتخاب.

رصدت تغير هيكلي يقوده رجب إردوغان في قطاع التعليم العالي، فبين عامي 2002 و2018 ارتفع عدد الجامعات في البلاد من 98 إلى 206، موضحة أن من يجري توظيفهم في هذه الجامعات ليس لديهم أية مؤهلات حقيقية، بل العديد منها باتت في الواقع مراكز للفنون التطبيقية.

التغيير الهيكلي المرصود شمل المعلمين أيضًا، أصبحت وظيفتهم غير مستقرة، وباتوا يعينون بعقود محددة تجدد كل 3 سنوات، ويعتمد التعيين بشكل متزايد على المحسوبية، كما يخضعون لنظام مراقبة حقيقية تشمل إجبارهم على المشاركة في ندوات بعينها والالتزام بنشر الدروس على الإنترنت.

"لو جراند سوار" الفرنسية ذكرت "نظرا لأن تقييم الأنشطة البحثية يعتمد أساسا على المعايير الكمية، فهناك نهب حقيقي للأعمال الأدبية، وأصبح السطو على الملكيات الفكرية ممارسة شائعة في ظل النظام الحالي في تركيا".

تعذيب الطلاب
القمع لم يقتصر على معلمي تركيا، بل طال الطلاب أيضا، وحسب الأكاديمية التركية في جامعة مانشستر البريطانية فقد تعرضت مجموعة من الطلاب الأتراك للتعذيب أثناء احتجازهم من قبل السلطات في أعقاب مظاهرة مناهضة لاحتلال عفرين السورية.

في تقريرها الصادر الخميس الماضي، والقائم على مقابلات مع الطلاب وأصدقائهم وعائلاتهم، رصدت الأستاذة الجامعية علا كارهوماكي تفاصيل تعذيب 32 طالبا تركيا داخل سجون إردوغان بعد القبض عليهم بتهم مختلقة تتعلق بالإرهاب.

التقرير أوضح أن الطلاب اعتقلوا لمشاركتهم في تظاهرة احتجاجية مناهضة للحرب بالقرب من جامعة بوغازيتشي في أعقاب احتلال القوات التركية لمدينة عفرين السورية، لافتا إلى أن بعض المتهمين تصادف مرورهم أثناء التظاهرة.

فصل مسرحي
إردوغان فصل 1128 تركيًا شاركوا في التوقيع على عريضة تطالب الحكومة بإنهاء العمليات العسكرية ضد الأكراد، بينهم العشرات من أساتذة الجامعات، وجرى اقتياد الأساتذة إلى مقرات الشرطة، واستجوابهم في تهم "نشر دعاية إرهابية، ثم صدرت أحكام بسجن 8 منهم.

سلطان أنقرة استغل مسرحية الانقلاب لنشر الظلام والإرهاب في أروقة التعليم الجامعي، فشن حملة مسعورة اعتقل فيها عددا من العقول البارزة، وفصل آخرين  بدعوى التورط في محاولة قلب نظام الحكم، وأغلق جامعات بزعم تبعيتها لحركة فتح الله جولن "الخدمة".

الحصيلة الأولية للحملة أسفرت عن اعتقال أكثر من 2000 أكاديمي و20 ألف معلم، وفصل 80 ألف موظف، بينهم معلمون وأساتذة جامعات، فضلا عن إقالة 4 رؤساء جامعات، وإجبار 1577 عميدا على الاستقالة، وفرض إقامة جبرية على المفصولين ومنعهم من السفر.

عزوف واستنكار
الهجمة الشرسة نتج عنها إلغاء التعاون بين الجامعات التركية والمؤسسات الأكاديمية الدولية، منها معاهد بحثية أوروبية أمريكية، وإلغاء مؤتمرات علمية كان مقررا أن يشارك فيها أجانب، حيث رفضوا القدوم إلى بلد يمارس الاستبداد بشتى الصور.

حصيلة البحث العلمي لعام 2017 تراجعت نتيجة هذه الممارسات بواقع 28%، بسبب نقص فرص البحث وغياب التمويل في ظل زيادة التضخم وانهيار قيمة الليرة، وأعلن معهد الإحصاء ازدياد أعداد المهاجرين 42% عام 2017، بمعدل 250 ألفا و640.

مارس 2018، أصدر نادي القلم الدولي "بِن" تقريرا عن تداعيات مسرحية الانقلاب على المجتمع الأكاديمي في تركيا، وذكر أنه "بنهاية 2017 بلغ عدد المفصولين من 118 جامعة عامة 5822 أكاديميا، وإردوغان يشن حملته القمعية بمخالفة الدستور". 

منظمة "هيومن رايتس ووتش" انتقدت في تقرير مايو الماضي عمليات الفصل بحق الأكاديميين وإغلاق الجامعات، معتبرة أن الوضع يشيع "مناخا من الخوف"، وقال مدير المنظمة في أوروبا وآسيا الوسطى هيو ويليامسون "قمع أساتذة جامعيين وطلابا أمر مرفوض".

ويليامسون طالب بإطلاق حرية التعبير والتعلم أمام الجميع في تركيا، بدلا من الاتجاه إلى حبسهم، مشيرًا  إلى أن 5800 أستاذ جامعي فصلوا من عملهم بمراسيم قوانين، في إطار حالة الطوارئ التي فرضها إردوغان مستغلا مسرحية الانقلاب المزعوم عام 2016.

Qatalah