يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تميل برأسها إلى الوراء من خلف قضبان زنزانتها الانفرادية في معتقل طاغية أنقرة رجب إردوغان، لتطلق ابتسامة ساخرة وهي تتذكر مشهد اعتقالها، أكثر من مرة، بتهم في غاية الهزل. فجريمة التركية ليلى جوفان التعاطف مع الأكراد - المنتمية إليهم - بالغناء ورفع اللافتات والصور، لتستحق ألقاب محبيها الكثيرة، ومنها  معتقلة الصوت والصورة أو يمامة الحرية.  
دخلت الناشطة الكردية ليلى جوفان، 50 عاما، السجن يناير الماضي بتهمة انتقاد الاحتلال العسكري التركي لمنطقة عفرين السورية، وأثناء اعتقالها نجحت في الفوز بالانتخابات البرلمانية في يونيو الماضي، ورغم أنه من المفترض الإفراج عنها بمقتضى الحصانة التي تتمتع بها كنائبة، واصل نظام الرئيس التركي رجب إردوغان تعنته ضدها وأبقاها في السجن حتى الآن.
تقدمت محاميتها بطلب لإطلاق سراحها، إلا أن المحكمة لم ترد وتجاهلت الطلب، استجابة لتوجهات إردوغان الحريص على كتم جميع أصوات معارضيه والزج بهم في السجون.


مديرة منظمة إرهابية!
ولدت ليلى  في تركيا عام 1968، لكن نشأتها في الصغر كانت في ألمانيا، ثم عادت إلى  بلادها عام 1994 للانخراط في العمل السياسي من بوابة حزب الشعوب الديموقراطي، وجرى اختيارها لرئاسة بلدة ديكيلي التابعة لإقليم سيهان في مدينة أضنة عام 2004.
تولت رئاسة بلدية فيران شهير عقب فوزها في الانتخابات المحلية عام 2009، بعدها تعرضت للحبس ضمن عمليات اعتقال موسعة شملت وجوه المجتمع الكردي في ديسمبر 2009.
مرارة السجن لم تكتم صوتها، إنما واصلت نشاطها السياسي كنائب بلدية شانلي عن حزب الشعوب الديموقراطي، مستمرة في دفاعها عن الأكراد وحضور الفعاليات المؤيدة لهم. 
وخلال عدوان الجيش التركي على مدينة عفرين السورية، وزعت بنفسها منشورات مناهضة للتدخل العسكري في دول الجوار، فجرى اعتقالها في يناير الماضي. 
يتذرع نظام إردوغان بتوجيه تهم غريبة لها، فالمرأة التي لا تملك إلا صوتها لمساندة قضية الأكراد، واللافتات التي ترفعها لتعبر عن رفضها ظلم إردوغان، وجدت نفسها متهمة بإنشاء وإدارة منظمة إرهابية والترويج لها، وغيرها من التهم.



الغناء جريمة
تقول لائحة الاتهام إن جوفان متهمة بالمشاركة في رئاسة "مؤتمر الجمعية الديموقراطية" وهو تنظيم جامع للحركة السياسية الكردية، يراه القضاة "غير مشروع"، كما تواجه تهمة دعم منظمة إرهابية نظرا لدعوتها إلى إقامة "كونفدرالية ديموقراطية" خلال إحدى خطبها وهو نظام الحكم الذي يؤيده حزب العمال الكردستاني .
ما يزيد من غضب إردوغان على النائبة أنها فضحت كذبه أمام العالم، ففي حين قال في وقت سابق إنه لا يوجد خوف من إقامة كونفدرالية في الدول المتقدمة، دعت هي إلى إقامتها، لكنه لم يحتمل ذلك فزج بها في السجن. 
وعلى قدر مأساتها وإثارة قضيتها الغضب بين الأتراك يظل الأمر مثيرا للضحك والسخرية، إذ يتندر الشعب على التهم الموجهة إليها، من بينها المشاركة  في إضراب عن الطعام، والمشاركة في ورشة عمل واحتفال للمرأة الكردية، إلى جانب إلقاء كلمة في اجتماع لحزب المناطق الديموقراطية المؤيد للأكراد. الغريب في نص لائحة الاتهام أن الغناء بكلمة "كردستان"  جريمة، برغم أن إردوغان نفسه استخدم الكلمة ذاتها في خطابه عام 2013، كما يرددها العديد من السياسيين المنتمين لحزبه العدالة والتنمية.
لا تعد جوفان واحدة من رموز الحركة الكردية فقط، إنما دليل على طغيان إردوغان، الذي لم يخجل من الزج بنائبة منتخبة لا تملك سوى صوتها وكلماتها في السجن، ويشعر إزاء سجنه لها بنشوة السلطة، فقد جرى اعتقالها بعد تهديده للمتظاهرين في الشوارع تلبية لدعوة حزب الشعوب الديموقراطي الكردي بـ"دفع الثمن غاليا"، معتقدا أنه بذلك أجبرها على دفع الثمن. 

ليلى تمثل كل النساء
قبل سجنها، شغلت جوفان منصب رئيسة مؤتمر المجتمع الديموقراطي وتعرضت لمضايقات واتهامات منها تحريض الشعب على العداء والكراهية أو الازدراء، استنادا إلى مشاركاتها على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيس بوك، وتصريحاتها المساندة للأكراد عبر القنوات الفضائيات.
وتمثل جوفان من وجهة نظر مؤيديها إرادة جميع النساء في تركيا، ويرون أن اعتقالها ممارسة غير قانونية بحق المرأة، مؤكدين ضرورة استمرار نضال المرأة ضد هذه الممارسات.
ودفاعا عنها، أصدر حزب الشعوب بيانا جاء فيه "ليلى جوفان بحكم عضويتها في البرلمان تتمتع بالحصانة، ووفقا للدستور يجب إيقاف جميع التهم الموجهة لها بعد انتخابات 24 يونيو ومحاكمتها تعد خرقا للقوانين والدستور، وفق المادة 83 من دستور البلاد فالنائبة تتمتع بكامل الصلاحيات والحصانة".
وأوضح بيان الحزب أن محاكمة جوفان صادرة عن قصر الرئاسة، ما يخالف القوانين وحقوق الإنسان، معتبرا أن نظام إردوغان يرسم معالم حكمة بالاعتقال والتضييق، مشددا "سنواصل النضال، ليلى جوفان تمثل كل النساء ولن نتخلى عنها".



الأكراد في سجون إردوغان
تمتلئ سجون إردوغان بالنواب من الأكراد، مثل المرشح السابق في الانتخابات الرئاسية صلاح الدين ديميرطاش، الذي لا يزال معتقلًا بموقف شبيه بجوفان، في قضية هزلية تسمى "إهانة إردوغان"، وهي واحدة من بين 96 دعوى قضائية بحقه، وأيضا لم تشفع له حصانته البرلمانية في إيقاف محاكمته في أنقرة بتهمة "قيادة منظمة إرهابية".
سجون إردوغان تضم حاليا نحو 3300 كردي آخرين إلى جوار ليلى، من أعضاء حزب الشعوب اعتقلوا منذ يوليو 2015 عندما انهار وقف إطلاق النار بين القوات التركية وحزب العمال الكردستاني، لكن السجن لم يمنع يمامة الحرية من مواصلة الحلم بمستقبل أفضل لتركيا، خالٍ من إردوغان ونظامه، والغناء لهذا المستقبل.

Qatalah