يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


إنه تحالف حفنة من اللصوص بكل معنى الكلمة، فخيوط المؤامرة على نفط العراق بدأت تنكشف حينما رفضت الحكومة المركزية في بغداد الاتفاقيات التي أبرمها رئيس إقليم كردستان، مسعود بارزاني مع إردوغان العام 2013، ليتضح بعد ذلك أن ما خفي كان أعظم، وهو جزء صغير من خطة نهب ثروات بلاد الرافدين.

اتضح أن هناك اتفاقا سريًا يقضي بتسهيل أنقرة بيع النفط العراقي المستخرج، على يد سلطات الإقليم، لصالح إسرائيل، فضلًا عن فتح حساب سري لهم لوضع عوائد النفط فيه.

بحسب إحصاءات رسمية، تمتلك أربيل عاصمة إقليم كردستان، نحو 45 مليار برميل نفط، وتقدر تلك الاحتياطيات بثلث ما يملكه العراق من الذهب الأسود، فيما تنظم المادة 112 من الدستور كيفية الاستفادة من العوائد المالية لبيع البترول، كما يحدد الجهة المنوط بها تحصيل تلك الأموال. 

وتنص المادة على أن الحكومة الاتحادية في بغداد هي من تدير العملية في جميع الحقول الموجودة في الإقليم والمحافظات المنتجة للنفط، على أن يتم توزع أمواله بشكلٍ منصفٍ يتناسب مع التوزيع السكاني، وأي إجراء عكس ذلك يعد مخالفة صريحة يستوجب ملاحقة فاعلها أمام القضاء. 

زيارة مشبوهة
كان العام 2013، هو بداية الكشف عن التحالف التركي الكردستاني، فخلال تلك الفترة كانت الأوضاع بين الجانبين مستقرة، نتيجة التقدم في مفاوضات السلام بين أنقرة وحزب "العمال"، الأمر الذي شجع مسعود بارزاني على زيارة ديار بكر للقاء إردوغان، بعد قطيعة دامت 21 عامًا.

وسائل الإعلام الموالية للنظام التركي، وصفت الزيارة وقتها بالتاريخية، لكن التفاصيل السرية للقاء تطرقت إليها صحيفة جمهورييت، وحصرتها في 4 بنود، جاء على رأسها دعم بارزاني لاتفاقية السلام بين الأكراد وأنقرة، ووقف التعاون مع حزب "الاتحاد الديموقراطي" الذراع السياسية السورية لتنظيم "العمال".

 

وشجع الانفلات الأمني الذي شهده العراق خلال العام 2013، فضلاً عن مرض الرئيس جلال طالباني، كلا من أنقرة وأربيل على الخروج بعالمهم السري إلى العلن، قررتا الاتفاق على تصدير نفط كردستان العراق إلى أوروبا عبر تركيا، إلى جانب فتح معبرين حدوديين لاستلام الشاحنات.

انتفضت الحكومة المركزية، لتعلن رفضها جميع الاتفاقيات التي تمت بين كردستان وتركيا، بحسب ما نقلته الجزيرة بنسختها التركية، أما صحيفة صول التركية قالت إنه في 6 نوفمبر 2013، أبرم رئيس وزراء إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، مع نظيره التركي 6 اتفاقيات نفط.

تجاهلت تركيا وكردستان الرفض العراقي، وتسلم ميناء جيهان أول شحنة من النفط الخام في مايو 2014، وكشف وزير الطاقة التركي الأسبق تانار يلديز، عن أن بلاده باعت أول شحنة من نفط كردستان (1.05 مليون برميل) في أسواق النفط الإيطالية والألمانية.

كشف المستور
العناد التركي الكردستاني، فتح عليهم أبواب الجحيم، وكشف عن صفقات سرية بين الطرفين تقوم على استلام تركيا بشكل خفي شحنات من نفط أربيل المهرب، وبيعه إقليميًا لإسرائيل. 

كشف المستور، بدأ بفتح نواب أتراك ملف مافيا النفط المسروق الذي تديره أنقرة منذ أحداث الفوضى التي شهدتها المنطقة العربية العام 2011، قالوا إن إردوغان ونجلاه هم من يتولون مسؤولية تلك التجارة، وأكد النائب عن حزب الشعب الجمهوري المعارض محمد أديب أوغلو، أن أنقرة تشتري النفط الذي استولى عليه داعش الإرهابي في العراق، وأن قيمة المبيعات لصالح التنظيم تقدر بنحو مليار دولار.

 

 

صحيفة نيويورك تايمز الأميركية اهتمت هي الأخرى بكشف تفاصيل الفضيحة، فخلال العام 2014، نشرت تقريرًا لوكالة الاستخبارات الأميركية، يوضح أن تركيا تدير تجارة نفطية محرمة تدر نحو مليوني دولار يوميًا من مبيعات نفط العراق المهرب عن طريق كردستان.

نوه التقرير بأن أنقرة تشتري من داعش وكردستان برميل النفط بخمسة دولارات ثم تبيعه بـ25، (أي أن كل مليوني دولار لهما يقابلها 10 ملايين لأنقرة). 

4 مليارات دولار.. أموال التجارة المشبوهة   
تتبع خيوط القضية، كشف عن فتح أنقرة لحساب سري لصالح كردستان في HalkBank الحكومي، حتى يتم إيداع أموال النفط المهربة بداخله، وبلغ الرصيد المالي للإقليم نحو 4 مليارات دولار، اللافت للنظر أن الطرفين أكدا وجود الحساب لكنهما كالعادة بررا وجوده بحجج واهية.

يقول أحد أعضاء هيئة التدريس في جامعة دهوك بكردستان، موسى شريف، إن الدستور العراقي يعطي الإذن للأكراد ببيع نفطهم بشكل شرعي، فالأكراد لم يخطو خطوة خاطئة بصدد هذا الموضوع، وتابع: "بالفعل قمنا بفتح حساب في بنك هالق الحكومي التركي، إنها أموالنا التي لا يمكن التنازل عنها". 

وزير الطاقة التركي، تانر يلديز، دافع هو الآخر عن إنشاء الحساب البنكي، وقال: "تم افتتاحه بطريقة شرعية. سلطات كردستان العراق هي من طلبت وضع عوائد بيع النفط في حسابها الخاص بالمصرف".

لماذا هالق بنك؟ 
خبرة المصرف في المعاملات المالية المشبوهة، أهلته ليكون الخزانة الخاصة لأموال كردستان، فتورط البنك خلال العام 2013 في معاملات مالية مع إيران مكنتها من كسر برنامج العقوبات الأميركية المفروضة عليها.

ويرجح أن حكومة كردستان كانت تطمح في استدعاء السيناريو المتبع مع إيران من قبل البنك، إلا أنه تم اختراق سرية البنك، ليتم الكشف عن أرصدة الإقليم التي بلغت نحو 4 مليارات دولار.

طرق التهريب الثلاث 
منذ كشف فضيحة التحالف السري بين تركيا وكردستان، تتبعت العديد من الصحف القضية، فعلى الرغم من أن حكومة بغداد اكتشفت الأمر، ولوحت بملاحقة المسؤولين عن الواقعة قضائيًا، إلا أن توجه تركيا لتنويع مصادر تهريب النفط العراقي من كردستان يعكس إصرارها على مواصلة الجريمة.

طورت أنقرة بشكل كبير طرق تهريب النفط المسروق بعدما تم كشف حيلها التقليدية، وحرصت على أن تكون جميعها سرية، لكن أشتي هورامي وزير الموارد الطبيعية في إقليم كردستان، كشف عن بعض هذه الحيل، حسبما ذكر في تصريحات لوكالة "رويترز" في العام 2015.

الحيلة الأولى: الحاملات تنقل النفط المسروق، الذي تم استخراجه من إقليم كردستان، وتتجه إلى ميناء جيهان التركي، ثم تُهيئ لها الأمور حتى تُفرغ شحنتها في ناقلة أخرى كجزء من خطة الخداع.

تبدأ الناقلة الجديدة التي غالبًا ما تكون جنسيتها تركية - تتبع أسطول النقل البحري المملوك لنجلي الرئيس التركي أحمد وبلال إردوغان - في نقل النفط المسروق إلى إسرائيل.

الحيلة الثانية:  تلجأ تركيا إلى التلاعب فى مسار السفن للتشويش على خط السير الحقيقي للحاملات المتجه إلى موانئ تل أبيب. 

 

ورصدت هيئة الملاحة الدولية خروج سفن محملة بالنفط من إقليم كردستان لتصل إلى ميناء جيهان، ثم تعلن السفينة قبيل خروجها أن وجهتها ميناء بورسعيد المصري، وبعد دخولها المياه الإسرائيلية بأميال تعلن أن المشتري الجديد هو تل أبيب. 

واستهدفت أنقرة من هذه الحيل تشتيت الانتباه وصرف الأنظار عن المشتري الحقيقي، فقد غيرت حاملة النفط "BENTLEY 1" مسارها إلى ميناء أشدود الإسرائيلي، على الرغم من أن بورسعيد كانت وجهتها الأولى حينما انطلقت من جيهان التركي. 

الحيلة الثالثة:  تغيير اسم الناقلة بعد خروجها من ميناء جيهان، وغالبًا ما تتم تلك العملية في منتصف الرحلة، وفي المياه الدولية حتى تتفادى لفت الأنظار، واكتُشفت الخطة حينما رصدت هيئة الملاحة اختفاء سفن بأسماء معينة وظهور آخرى بشكل مفاجئ. 

غيرت حاملة النفط KRİTİ DİAMOND التابعة لشركة يونانية اسمها في المياه الدولية عقب خروجها من ميناء جيهان إلى KİTON، كانت السفينة محملة بنفط عراقي خام، وبرصد إحداثياتها أفرغت حمولتها في أحد موانئ إسرائيل على سواحل المتوسط. 

واجهت تركيا حرجًا دوليًا بعدما ثبت دورها في بيع النفط السوري والعراقي المسروق من قبل تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بـ"داعش"، ونشرت روسيا لقطات مصورة تم أخذها بالأقمار الصناعية تظهر طرق التهريب، الأمر الذي لم تتمكن من نفيه، لكن بعد المصالحة التي أبرمتها أنقرة مع موسكو توقفت الأخيرة عن نشر المزيد من الفضائح. 

Qatalah