يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


من بين المأجورين الذين اشترت تركيا ولاءهم بالأموال، يبرز اسم الكاتب محمد حرب الذي تعامل مع الوجه العثماني القبيح، وكأنه طبيب تجميل لا يجد ما يفعله لتحسين ملامح القبح إلا الأكاذيب والدجل.
أخفى حرب في كتبه التي تناولت تاريخ الدولة العثمانية كل ما ارتكبه السلاطين من مذابح وخيانات على الأراضي العربية التي سيطروا عليها، وتعامل مع احتلالهم المهين للشعوب - ومنها بلده مصر- باعتباره فتحا عظيما، في وقت أخذ يروج لأحفاد المحتلين من العثمانيين الجدد، تمهيدا لعودة جديدة إلى العالم العربي.

"الحمد لله الذي أتاح لكاتب هذه السطور نعمة معرفة العثمانيين وتدريس تاريخهم والكتابة عنهم"، لم يكتب هذه الكلمات مؤرخ عثماني في القرن السادس عشر، أو أحد كتبة "العدالة والتنمية" الذين يسبحون بحمد رئيسهم رجب إردوغان ليل نهار، وإنما صاغها كاتب مغمور في مقدمة كتابه "العثمانيون في التاريخ والحضارة" الصادر في القاهرة العام 1994.
انحاز حرب لليرة على حساب الحقيقة، فأهدى إلى نفسه سخرية زملائه المؤرخين الذين نظروا إليه باعتباره أداة مدفوعة الأجر، مهمتها تزوير الوقائع التاريخية في مقابل الحصول على الأموال، وليس باحثا علميا بما تعنيه الكلمة من نزاهة.

صديق تركيا الكبير
في عام 2012، كانت إسطنبول على موعد مع حدث أثار استهجان المتابعين للشأن التركي، إذ أقامت البلدية مؤتمر "الوفاء لمحمد حرب صديق تركيا الكبير"  التقى فيه حرب الرئيس - في ذلك الوقت - عبدالله غول، ومنحه وعائلته الجنسية التركية، وعندما تقدم الأكاديمي المصري له بالشكر رد غول قائلا: نحن الذين نشكرك، فقد خدمت تاريخ أجدادنا، مشيرا إلى 40 عاما قضاها التركي " من أصل مصري" في خدمة العثمانيين، بكتابات فشلت في إقناع باحث صغير في التاريخ بما حوته من مغالطات وأكاذيب وخيال لا يمت للواقع بصلة. 

علاقة حرب الدافئة بالسلطة التركية منحت الإعلام الموالي الضوء الأخضر لتعريف الناس بالكاتب المجهول، فخلعوا عليه العديد من الألقاب، منها "رائد الدراسات العثمانية في العالم العربي" التي يحلو للمواقع التركية الناطقة بالعربية أن تصفه بها، للتغطية على كونه "رائد الترويج للعثمانية الجديدة في لغة الضاد" والذي تعامل معه الأتراك باعتباره أداة عميلة من أدوات عودتهم إلى استعمار الحديقة الخلفية لـتركيا: العالم العربي .   

مسيرة غامضة
باستثناء أنه حمل على عاتقه مهمة تبييض التاريخ العثماني سييء السمعة في العالم العربي فإن حرب يمتلك سيرة مهنية فقيرة، ذكرها بنفسه خلال لقاء تلفزيوني عام 1999، وقال فيه إنه حصل بعد تخرجه في جامعة عين شمس على الدكتوراة من جامعة إسطنبول، ليصبح أول باحث مصري وعربي يحصد تلك الدرجة من جامعة تركية.

من هنا يمكننا معرفة ارتباط حرب بالسياسة الدعائية لأنقرة، والتي يرجح خبراء أنها بدأت منذ ذلك الوقت، حيث استغل النظام التركي الفرصة لتجنيده قبل أن يعود إلى القاهرة، ويعمل أستاذا للحضارة واللغة التركية بجامعة عين شمس، ويفتتح مركزا بحثيا باسم "المصري للدراسات العثمانية وبحوث العالم التركي والبلقان"، مولته أنقرة، وتمكن عبره من نشر  مجموعة مؤلفات في منتصف التسعينيات، كانت بمثابة دعاية مباشرة فجة للاحتلال العثماني للمنطقة.
 
تمويل مبكر مقابل غسل الأدمغة العربية، وتلميع التاريخ العثماني أمام الباحثين العرب، بينما تمكن مع بداية الألفية الجديدة توثيق علاقته بالسلطات التركية بصورة كبيرة، خاصة بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم عام 2002، ما جعله يتبنى إيديولوجية إسلامية متشددة خدمة لمشروعهم المعلن، الذي يهدف للهيمنة من جديد على مقدرات الشعوب العربية. 
تزايد وزن العميل المصري لدى سيده في أنقرة، حتى اختاروه مستشارا لرئيس جامعة صباح الدين زعيم في إسطنبول، كما ساهم في تدشين جامعة في روتردام بمشاركة مؤسسها التركي سليمان ضمرة، وعلى الرغم من انسحابه اللاحق من الجامعة بسبب علاقات ضمرة المفضوحة مع إسرائيل، فإنه عاد ليعلن نيته تأسيس "جامعة إسلامية" جديدة في أوروبا بتوجهات سلفية، ومصادر تمويل لم يفصح عنها طبعا.

الباحث المزور
تضع تركيا كتاب حرب في صدارة المؤلفات التي تنصح بقراءتها حول تاريخ الدولة، وهو الكتاب الذي مكن صاحبه من الحصول على الجنسية التركية ومصافحة رئيس الجمهورية في صورة احتفالية.
اختار العميل المصري أن يبتعد بكتابه عن المعالجات الأكاديمية الثقيلة، حشد فيه مجموعة كبيرة من الافتراءات والأكاذيب التي برأت العثمانيين من كل الجرائم التي ارتكبوها في حق الشعوب العربية، ولم تتطرق إلى المذابح التي ارتكبها السلاطين للمسلمين، ولا إلى غارات السلب والنهب التي دأب الجنود على شنها في القرى والمدن المحتلة.

على خلاف الروايات التاريخية الموثقة، يزعم حرب أن المشرق العربي رحب بالاحتلال العثماني، متبجحا بوجود وثيقة محفوظة في إسطنبول تمثل رسالة بعثها أهل حلب إلى السلطان سليم الأول يطالبونه فيها بالمجيء لتحريرهم من ظلم المماليك والعمل بالشريعة المعطلة. 
لم يضع الباحث مدفوع الأجر الرسالة في سياقها التاريخي كما فعل محمد صبري الدالي في كتابه "فقهاء وفقراء"، والذي أشار إلى الصراع الداخلي وخيانات نائب حلب خاير بك، ونائب حماة جان بردي الغزالي، ودور انقلاب رجال الدين في هزيمة قانصوه الغوري.

تعامل مع سليم الأول باعتباره المخلص، الذي دخل المدينة دون قتال، وسط ترحيب وهتافات أهلها، في حين أنه ارتكب مذبحة بشعة راح ضحيتها 800 عربي، أمر بقطع رؤوسهم جميعا في يوم واحد.
المذبحة سجلها مؤرخ حقيقي بوزن ابن إياس، الذي كان شاهدا على الأحداث، ورصد اختفاء سليم الأول لأيام طويلة في خيمته المنصوبة خارج المدينة، بينما جنوده الإنكشارية اعتبروا غيبته إشارة متعمدة للبدء في عمليات السلب والنهب والقتل العشوائي في ضواحي المدينة العتيقة.
صور ابن إياس ما كان يرتكبه جنود السلطان من أمور ضد الشريعة الإسلامية في نهار رمضان، حيث كانوا يشربون الخمر ويتعاطون الحشيش أمام الجميع ويجاهرون بحبهم للغلمان ويفعلون بهم الفاحشة في خيامهم، وهي أفعال ثابتة تاريخيا لا يمكن لحرب نفسه إنكارها، ولذلك فقد اكتفى بتجاهلها. 

مشانق في القاهرة
في كتبه يناصر المؤرخ المأجور الاحتلال الذي قضى على الأخضر واليابس في بلاده، وغض الطرف عن آلاف الرؤوس المعلقة على مشانق القاهرة، بعد وقوفهم ضد الغازي سليم الأول، ليأمر بإعدامهم علنا عام 1517.
سعى حرب إلى قلب الصورة تماما، فقدم السفاح ملاكا بأجنحة، ينظم أمور البلاد بإصدار "قانون نامه"، ليوقعه تسرعه وانحيازه السافر في جريمة تاريخية أخرى، لأنه من الثابت لدى كل المؤرخين أن هذا القانون من وضع سليمان القانوني.

واصل حرب أكاذيبه بتبرئة ساحة السلطان عبد الحميد من الجرائم التي ارتكبها على مدار سنوات حكمه بين عامي 1876و 1909، ودافع عن امتناع العثمانيين عن إرسال قوات لوقف الاحتلال الفرنسي للبلاد، زاعما أن السلطان استشعر ضعف قواته، وفي المقابل أشاد بموقف إسطنبول و "رفضها الاعتراف" بالاحتلال الفرنسي لتونس، واعتبارها قطعة من الدولة العثمانية في المكاتبات الرسمية. 

غسل حرب يد سلطانه القديم من خيانته لشعب مصر، مدعيا أن إسطنبول رأت أن الاحتلال البريطاني لمصر والسودان مسألة مؤقتة، ولذلك فإن السلطان احتفظ بتبعية المحروسة له، وكان يرسل إليها فرمانات تولية الحكام الجدد من أسرة محمد علي، بينما يقول الواقع شيئا آخر، فلم تلتزم عاصمة السلطنة الصمت إزاء الاحتلال بل ساعدته بإصدار فرمان عصيان قائد المقاومة المصرية أحمد عرابي، في وقت حصل فيه عبد الحميد على ثمن الخيانة نقدا،  450 ألف جنيه إسترليني، دفعتها بنوك لندن للسلطان المفلس في صورة قروض، هذا النقد الذي هرول وراءه حرب أيضا سنوات كثيرة، وهو يمارس مهمته القذرة في غسل أيدي سلطان قديم تارة أو جديد تارة أخرى، من بين سلاطين الخراب التركي في أنقرة.

المصادر :

2 - محمد حرب: المثقفون والسلطة تركيا نموذجا
3 - محمد حرب: السلطان عبد الحميد الثاني آخر السلاطين العثمانيين الكبار

Qatalah