يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


زار علامة عصره عبد الرحمن بن خلدون مصر عام 1382، وتولى منصب قاضي قضاة المالكية، وفتح منزله بالقاهرة الفاطمية مجلسا لأمور العلم والحديث والأدب والتاريخ، دق صاحب المقدمة، المشغول بأوضاع زمنه، الناقوس محذرا من خطر آل عثمان على البلاد واستقلالها، وتوقع أن تجلب جيوشهم الخراب والجهل للمحروسة، مؤكدا أن أتراك الأناضول أقرب للتوحش القبلي أو بمصطلحه "الوحش غير المقدور عليه".
 
في كتابه "إنباء الغمر بأبناء العمر"، وأثناء تأريخه للسلطان بايزيد الأول، سجل الحافظ بن حجر العسقلاني تخوفات أستاذه ابن خلدون من غزو عثماني مرتقب، قائلا بصورة متكررة: "ما يخشى على ملك مصر (أي استقلالها) إلا من ابن عثمان".
قد يبدو ما قاله ابن خلدون هنا لافتا وغريبا. لأن تحذيراته تلك إنما انطلقت في نفس الوقت الذي كان فيه تيمورلنك، القائد التركي الرهيب يقود حملة كاسحة على قلب العالم الإسلامي، مهددا باكتساح قريب للديار المصرية مقر سلاطين المماليك. وبالتالي، فإنه كان حقيقا على ابن خلدون إبداء تخوفه على المحروسة من تيمورلنك، لا من بايزيد العثماني. 
ولكن صاحب المقدمة ذائعة الصيت، والذي كان سياسيا بارعا قبل أن يكون مؤرخا وفيلسوفا اجتماعيا، بإعلانه خشيته من "ابن عثمان" عبر عن تيار كبير بالنخبة المملوكية في مصر، أخذ يبدي منذ النصف الثاني من القرن الـ14 تخوفات شديدة من التحولات في آسيا الصغرى (الأناضول) على يد الإمارات التركمانية الهمجية، التي ملأت أفق المنطقة، وامتلكت قدرات عسكرية أهلتها للتوسع ضد جيرانها.
التيار المملوكي يمكن رصده في كتابات 3 مؤرخين امتهنوا وظائف رسمية في مصر: شهاب الدين بن فضل الله العمري رئيس ديوان الإنشاء إبان حكم السلطان الناصر محمد بن قلاوون، المتوفى سنة 749 / 1349، ثم ابن خلدون قاضي قضاة المالكية في عصر الظاهر برقوق، المتوفى سنة 808، وأخيرا أبو العباس أحمد بن علي القلقشندي العامل في ديوان الإنشاء في عهد الظاهر برقوق، المتوفى سنة 821.
 
ابن فضل الله العمري
في كتابه "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار"، ثم في "التعريف بالمصطلح الشريف" -عن فنون الكتابة الدبلوماسية- يستخدم العمري سجلات شفهية لأشخاص زاروا إمارة العثمانيين في بورصة خلال عصر الأمير أورخان، لكتابة تقرير مفصل عن وضع التركمان في الأناضول. 
 
مهد العمري التقرير بمقدمة تاريخية حول اقتحام القبائل التركمانية آسيا الصغرى، مؤكدا أن انهيار سلطنة سلاجقة الروم أمام الغزو المغولي في ستينيات القرن الـ13 ثم تراجع المغول أنفسهم، سمح للتركمان بالاستقرار في المناطق الجبلية، وتأسيس كيانات سياسية صغيرة عرفت باسم إمارات الأوك (الغزاة)، مارست ضغطا ديموغرافيا وعسكريا مستمرا إلى الغرب على حساب البيزنطيين المصابين بانحلال عسكري شامل، حتى أصبحت المنطقة كلها تقريبا فضاء جغرافيا تركمانيا بامتياز.
 
ابن فضل الله أكد أن عدد الإمارات التركمانية في آسيا الصغرى 16، ويلاحظ تأخر العثمانيين في عصره عن إمارة كرمان التي يصفها بالأقوى وأميرها بأنه "أكبر ملوك الأتراك وله تسلط على الجميع، ويفرض الإتاوة على الإمبراطور البيزنطي، ويملك مناجم الفضة بغزارة".
ويقول عن الإمارة العثمانية التي كان يحكمها الأمير أورخان بن عثمان: "لصاحبها خمسون مدينة وعدد قلاعه أكثر من ذلك، وعساكره نحو أربعين ألف فارس، وأما الرجالة فلا تكاد تعد خصوصا إذا استجاش وحشد، لكن يقال: إنه قليل غناهم تهول صورتهم لا معناهم.. وإنما قلة غناء عسكره لعدم استقامة الرعية ومشاقة بعض المجاورين له". 
بعد تفصيل باقي إمارات الأوك، يحذر ابن فضل الله من اتحاد القبائل الهمجية المعتنقة أفكار الغزو والعسف على الرعية والسلب والنهب، ويتوجه إلى السلطات المملوكية بالتحذير من خطرها على استقرار مصر والشام، والتي كانت قمة الحضارة الإسلامية في وقتها.
 
ابن خلدون
ابن خلدون المقيم في القاهرة خلال الربع الأخير من القرن الـ14، رصد في كتابه "العبر وديوان المبتدأ والخبر" القوة المتنامية للإمارات التركمانية، معتبرا أن العصبية القبيلة التي لا تزال بكرا في نفوسهم مكمن خطر على استقرار بلاد الشرق.
الإمارة العثمانية أكثر ما لفت نظر ابن خلدون وهو يكتب عن أمراء الأوك، فعلى العكس من سابقه ابن فضل الله العمري، كانت قوة كرمان في عصر صاحب المقدمة قد تراجعت إلى المرتبة الثانية بعد العثمانية بفضل التحولات الخطيرة لأميرها الثالث مراد الأول بن أورخان. 
مراد الأول اتبع منذ توليه العرش سياسة عسكرية صلبة ضد الجبهة البيزنطية المتهالكة، حتى أنه فرض حصارا شبه دائم على القسطنطينية، ونقل عاصمته إلى أدرنة على الشاطئ الأوروبي، وعبر إلى البلقان محدثا غزوات مدمرة في عمق أوروبا. 
 
غزوات مراد في البلقان تحديدا حققت للعثمانيين النقلة الكبرى في تاريخهم المبكر، إذ اعتمد على الأطفال المسيحيين وأجبرهم على اعتناق الإسلام، مكونا منهم فرقة الإنكشارية التي أصبحت أول جيش نظامي يظهر في الإمارات التركمانية، يدين بالولاء المطلق للأمير العثماني وسلالته الحاكمة، بدلا من الجند التركمان متقلبي الولاء والمزاج. 
عقب ذلك، أظهر مراد سياسة عدوانية مزدوجة لم تقتصر على الغزو على الجبهة الأوروبية فقط، بل طمع في ابتلاع إمارات الغزاة الأصغر منه شأنا، وقبل وفاته في ساحة معركة كوسوفو أمام الصرب، بدا واضحا أمام ابن خلدون وغيره في الشرق أن وحدة سياسية يقودها العثمانلي أصبحت تهدد بتفجير الوضع في القريب. 
 
تابع خليفة مراد وابنه بايزيد الأول ما بدأه الأب بعزيمة أشد، ويقول ابن خلدون: "جرى على سنن أبيه، وغلب على قطعة من بلاد الروم هذه فيما بين سيواس وأنطاليا والعلايا، بساحل البحر إلى قريب مدينة قرمان، ثم تزوج بنت أحدهم وغلب على ما بيده من تلك النواحي، ودخل بنو قرمان وسائر التركمان في طاعته، ولم يبق خارجا من ملكه إلا سيواس التي كانت بيد قاضيها إبراهيم المتغلب عليها و(ملطية) الداخلة في مملكة الديار المصرية".
في بضع سنوات، أصبحت الإمارة العثمانية تتاخم فعليا السلطنة المملوكية في مصر، وأصبح شمال الشام مسرحا مهيئا لصدامات قادمة لا محالة، ابن خلدون يشير إلى الترسانة العسكرية الرهيبة التي كان بايزيد يسابق الزمن لبنائها، قائلا: "أنشأ نحو 300 غراب وملأها بالأسلحة والأزودة، فصارت إذا أراد أن يركبها خرجت من يومها، ورتب بالساحل من يعمل بالأزودة دائما بحيث لا يتعذر عليه إذا أراد الغزو شيء". 
 
القوة البرية البحرية وتوحيده الإمارات التركمانية جعلت منه فعليا خلال الربع الأخير من القرن الـ14 خصما خطيرا للمماليك في مصر، وحتى بعد ظهور تيمورلنك الأول في الشرق، والذي سيطر على إيران وأذربيجان وأرمينيا خلال ثمانينيات القرن نفسه، فقد بدا أن برقوق لا يزال مظهرا تخوفه الثقيل من جهة بايزيد العثماني. 
ففي حوليات ابن حجر العسقلاني، والذي يستخدم فيها الأخير تاريخ ابن خلدون بكثافة، تأكيدات على أن السلطان المملوكي كان يقول: "لا أخاف من اللنك فإن كل أحد يساعدني عليه وإنما أخاف من ابن عثمان". 
ويؤكد العسقلاني أنه لما مات الظاهر برقوق، وخلفه في قلعة الجبل ابنه الناصر فرج، فإن الشائعات زادت حول إمكانية إقدام بايزيد والجند العثماني على غزو مصر، يقول ابن حجر: "ولما مات الملك الظاهر كثرت الأراجيف بأنه (أي بايزيد) سيقدم لأخذ مصر". 
 
تيمورلنك
تلك التوقعات كلها قطعتها الحملة الثانية التي قادها تيمورلنك إلى الشرق عام 1399، وبعد عام واحد فقط من تحطيم قوة سلاطين المسلمين في دلهي ببلاد الهند. 
لما عاد تيمور هذه المرة،  أعلن أن غرضه تأديب المماليك والعثمانيين على حد سواء، عقابا على استعادة كل منهما السيطرة على ما كان استولى عليه تيمور في الحملة الأولى. 
اجتاح تيمورلنك أذربيجان من جديد، ثم استولى على حلب ودمشق وبغداد عام 1401، مخلفا دمارا هائلا فيها، وبدلا من مواصلة طريقه جنوبا إلى مصر، انتقل فجأة إلى آسيا الصغرى وقرر أن يوجه ضربة قاصمة لـ"بايزيد الأول"، ودولته العثمانية الناشئة. 
وفي موقعة أنقرة عام 1402، ألحق تيمورلنك هزيمة ثقيلة بالعثمانيين، ومات بايزيد نفسه كمدا في أسر الإمبراطور الأزبكي، واتبع ذلك انهيارا شاملا في الدولة التي فقدت كل فتوحاتها السابقة على حساب الإمارات التركمانية في آسيا الصغرى، واندلعت الحرب الأهلية على العرش في أدرنة بين أبناء بايزيد. 
 
العثمانلي أخطر من تيمور
رغم أن ابن خلدون أتيحت له في دمشق فرصة لقاء تيمورلنك بصورة شخصية، وتعرف على خططه البعيدة لإكمال غزو ما تبقى من العالم غربا، فإنه وفي قرارة نفسه كان يدرك أن أمثال تيمور أشبه بعاصفة كبيرة تقتلع الزرع فلا تبقي ولا تذر، لكنها لا تلبث أن تهدأ ثورتها وتختفي كأن لم تكن. 
إمبراطورية تيمور قائمة على الاجتياح الخاطف والتدمير، ومثلها لا يمكنها الدوام طويلا لأن طموحاتها واسعة جدا، ولا تمتلك مشروعا سياسيا حقيقيا يمكنها من الثبات في الأراضي التي غزتها، والتي تحوي إثنيات متنافرة، وتملك كل منها ظروفا متباعدة عن الأخرى.   
مشروع بايزيد الأول السياسي والعسكري في نظر ابن خلدون وغيره من أبناء النخبة المملوكية كان رغم مداه الجغرافي الأضيق، أكثر خطرا من تيمورلنك، فقد كان طموح الأول توحيد آسيا الصغرى، ومن ثم التوسع غربا على حساب بيزنطة المتفسخة والبلقان المنهار، وكذلك شرقا ضد المماليك، الذي كان الفساد الإداري يأكل قدرات دولتهم في مصر والشام. 
بايزيد جمع بين الوحشية التي أكسبته سمعة مرعبة لا تقل عن تيمورلنك نفسه، واحتكاره البلقان كخزان بشري لا يتوقف عن إمداد جيشه الإنكشاري بالجند المتفانين في القتال. 
خشي المصريون من الغزو العثماني لا من تيمور، فإذا كان الأخير سريعا خاطفا ومهلكا في الزمن القريب، فإن الأول بقدرته على الثبات سيكون بالنسبة للقاهرة والشام مدمرا على المدى الأبعد، رغم ما فيه من بطء وتمهل.   
كان ابن خلدون شاهدا على صعود المشروع العثماني في الشرق، وقد مات عام 808/ 1406، ومصر لا تزال تحتفظ بموقعها كقاعدة للدولة المملوكية، الكيان السياسي الأكبر والأهم في العالم الإسلامي، ولم تشأ الأقدار أن تريه سقوط القاهرة "عاصمة الدنيا" كما قال يوما أمام ابن عثمان. 
 
القلقشندي
أبو العباس القلقشندي عاش بعد ابن خلدون بأكثر من عقد من الزمان، وقدر له متابعة ما بدأه ابن فضل الله العمري وابن خلدون من المسألة العثمانية، ومدى خطورتها على القاهرة. 
بعد الحرب الأهلية الطاحنة بين أبناء بايزيد، نجح واحد منهم هو السلطان محمد الأول من حسم الصراع لصالحه وإعادة الوحدة للدولة العثمانية من جديد، والقلقشندي في كتابه الشهير "صبح الأعشى في صناعة الإنشا" يشير إلى آل عثمان قائلا :"هم الآن رؤوس ملوك تلك البلاد، وإليها انقياد جميعهم"، ما يعني تجاوز العثمانيين محنة أنقرة واستعادة عافيتهم من جديد.
أبو العباس الذي كتب ذلك قبل وفاته بقليل عام 821، فإنه مثل ابن خلدون لم يقدر له العيش إلى سنوات النصف الثاني من القرن الـ15، التي ستشهد اشتعال أول الاحتكاكات العثمانية الفعلية مع المماليك في  عصر السلطان محمد الثاني، وابنه بايزيد الثاني، حول الحدود المتحركة بين الدولتين في شمال الشام.
لن تنتهي الاحتكاكات إلا بسقوط مصر فريسة في أيدي العثمانيين بواسطة سليم الأول عام 1517، الذي سيدخل مصر في فلك السلطنة نحو 3 قرون، وهو السقوط الذي حذر منه ابن خلدون قبل أكثر من مئة عام. 

المصادر :


Qatalah