يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


9 نوفمبر 2018 متى يتحد المظلومون في تركيا

قال لي أحد أصدقائي أثناء حديثي معه بالأمس "لا أستبعد أن يأتي يوم يحب فيه بعضنا بعضا، ولكن الواضح أن يوماً كهذا لن يأتي في ظل هذه الظروف). 

كان البحث عن بارقة أمل هو أكثر شيء رأيته في عيون الناس، الذين التقيتهم في معرض توياب للكتاب، أثناء مدة إقامتي في ديار بكر، التي لم تتعد ثلاثة أيام. كان الجميع يتحدثون عن حنينهم، وشوقهم للحب والخير والقيم الإنسانية الراقية.

لاحظت أيضاً أثناء تجولي في المعرض أن الناس يشعرون بحالة من الضجر والتبرُّم عند الحديث عن السياسة والشعارات السياسية. الجميع يريدون أن يسمعوا أخباراً سارة، وأن يروا ابتسامة جميلة على الوجوه. السيدات اللاتي بلغن سن السبعين، والأخريات اللاتي جئن بأطفالهن ينتظرن مني أن أداعبهن بكلمات رقيقة. كان الجميع يريدون غصناً من الأمل يتعلقون به.

الجميع يريدون أن يروا في بلدهم شيئاً واحداً فقط يبعث على الأمل، ولعل هذا هو السبب نفسه الذي جعل الجميع يحاولون الفرار من واقع مرير يعيشون فيه؛ بالنزول بكثافة إلى معرض الكتاب. أعتقد أنهم مُحقون في ذلك؛ فقد اشتاق أبناء ديار بكر كثيراً إلى الالتقاء على شيء جميل.

سنحت لي الفرصة قبل بداية معرض الكتاب كي ألتقي مجموعة من المثقفين والكتَّاب، وأن أتحدث معهم. تحدثوا معنا عن وسائل الخروج من الظلمة السرمدية التي نعيش فيها منذ أن جاء إردوغان إلى سُدَّة الحكم.

ما الذي يتعين علينا فعله، وكيف يتأتى ذلك؟ سؤال يبحث له الكثيرون عن إجابة، أو بعبارة أخرى سؤال عجزتُ عن إيجاد إجابة مقنعة له. ومع هذا، أعتقد أنه سيكون من الصواب أن نتناقش سوياً في هذا المقال بخصوص ما حلَّ بنا من بلاء.    

تضم لعبة السياسة عددًا من العناصر أو القوى الفاعلة؛ يؤدي كل عنصر منها دوراً مختلفاً عن الآخر، وتتداخل الأدوار فيما بينها في بعض الأحيان. هذه العناصر هي؛ الشعب والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني. تتأثر هذه القوى الثلاث ببعضها البعض، وينتج عن هذا التناغم فيما بينها ظهور بناء سياسي فاعل في الدولة. وإذا ضَعُف أحد هذه العناصر الثلاثة، أو أصبح أكثر قوةً من العنصرين الآخرين، فإن هذين العنصرين سيتأثران بهذا أيضًا؛ لأن البناء السياسي يشبه الحلقات المتشابكة مع بعضها البعض، التي لا بد لكل منها أن يعتمد على الآخر؛ حتى يستمر هذا التناغم والتداخل فيما بينها.

وبالنظر إلى الوضع الحالي في تركيا، ندرك أنه من الطبيعي للغاية أن نرى هذه الدرجة من الفتور والتقهقر من جانب الأحزاب السياسية والشعب ومنظمات المجتمع المدني، في ظل ما يتعرضون له من قمع وتنكيل من جانب الدولة بقوتها الباطشة. أو بمعني آخر، إن هناك خللاً قد وقع في التواصل بين هذه القوى، وضاق المجال الذي يمكنها أن تتحرك داخله، وبالتالي انقطع التعاون فيما بينها من أجل إنتاج عملية سياسية فاعلة في الدولة. وأصبح من الصعب على الشعب، في ظل هذه الظروف، التواصل مع رجال السياسية، ولم يعد رجال السياسة يصغون إلى أصوات الشعب؛ في مشهد بدت فيه كل حلقة من الحلقات الثلاث وكأنها قد انفصلت تماماً عن الأخرى، ولم يعد هناك أمل في إعادة التواصل فيما بينها مرة أخرى. لذلك يمكن القول إن مفهوم الزعامة كان منقوصاً لدى هؤلاء القادة ممن هم على شاكلة إردوغان.

لقد تعرَّضت هذه القوى الثلاث إلى ضربة قاسية، خلال الفترة الماضية، ضربةً أصابتها بوهنٍ شديد؛ حيث قامت يد السلطة الباطشة بالزج بأعدادٍ كبيرةٍ من أبناء الشعب في السجون، وأغلقت منظمات المجتمع المدني، ووضعت يدها على ممتلكات الأفراد، والمؤسسات المعارضة لها. ولم يختلف مصير الكثيرين من رجال السياسة المخضرمين عن هذا كثيرًا؛ فقد قبع بعضهم في السجون، واضطر البعض الآخر إلى الهروب خارج تركيا حتى لا يتعرض لمصير أقرانه. 

وفضَّل من قرر منهم البقاء أن يمارس السياسة في ظل ظروف سيئة للغاية. لقد أضعفت هذه الضربات المتلاحقة من قوة التناغم والتآزُر بين هذه القوى، ووصلت حالة الفتور بينها إلى درجة سيئة للغاية؛ أفقدت كل طرف الثقة في الطرف الآخر.

ونتيجة لهذا الانفصال وعدم التناغم بين الأطراف الثلاثة لم تعد السياسة نابعة من فكر، ولم تعد مؤسسات المجتمع المدني تعمل بشكل منظم، واختفت قيم التضامن والتعاضد من المجتمع كذلك. وكان لحالة العجزعن إنتاج سياسة مؤثرة ردة فعل سلبية على المعارضة، التي ارتبطت، هي الأخرى، بعبثية السلطة الحاكمة. ومع هذا، كانت المعارضة تتحرك بدرجة ما كلما أقدمت السلطة على خطوة رعناء.  
وبمرور الوقت، تحولت حالة الفتور، التي وجدت بين هذه القوى الثلاث، إلى ما يشبه العداء، ولم تقتصر نظرة العداء تلك على فئة معينة كالأكراد، بل أخذت دائرتها تنتشر وتتسع بين جميع طوائف المجتمع التركي.

ظل هذا العداء في الانتشار حتى تحولت إلى إحساس مُجَّرد لدى المواطنين. وفي هذه المرحلة بدأ كل شخص ينظر ويتفحص في عيوب الآخرين وفي نقائصهم فقط؛ وهو أمر نراه كثيراً مع كل هجمة نتعرض لها كل يوم. وكان من الطبيعي أن تنتشر، نتيجة لهذا، حالة من عدم الثقة بين طوائف المجتمع المختلفة.

ومن ناحية أخرى، أصيب المواطنون بحالة من الإجهاد من لغة التحريض والقتل التي يسمعونها كل يوم عن هذا الطرف أو ذاك. وفي أثناء ذلك، بذل المجتمع جهوده لإيجاد وسيلة للخروج من دوامة الخلاف هذه، ولكن محاولته تلك باءت بالفشل بعد أن عجز عن التكتل من جديد، كما أنه لم يجد ضالته عند الأحزاب السياسية كذلك.  

وعلى الجانب الآخر، كان من الطبيعي، مع تفاقم مشكلات المجتمع وهمومه، أن يجد كل شخص ما يشغله من مشكلات وهموم عن البحث عن مشكلات المجتمع. فعلى سبيل المثال، سيشهد الأسبوع القادم فقط محاكمة 43 أكاديميًا. ومن ناحية أخرى، لم تتوقف قوات الشرطة عن مداهمة المنازل، واعتقال الأفراد في المحافظات التي يسكنها الأكراد. تصيب هذه المحاكمات والمداهمات المواطنين بحالة من الجمود والتعب، وتجعل كل فرد منهم منطوياً على نفسه.

وبالتالي لا يمكننا أن نشعر بالطمأنينة والأمان تجاه أي شيء؛ تجاه عائلتنا وأصدقائنا وبلدنا، وتجاه مستقبلنا كذلك؛ لأن أموراً كهذه ستجعلنا نشعر بالخوف باستمرار، ولن نستطيع النوم قريري العين، بل وسنتحسب حتى في ضحكاتنا، وفي طعامنا. 

كنا نشتكي في الماضي من أن النظام القضائي لدينا يفتقر إلى المصداقية الكاملة، ولكن في النهاية كان لدينا نظام قضائي، أما الآن فلم يعد لدينا حتى هذا النظام القضائي. ونحن الآن نحاول أن نفسر ما يحدث وفقاً للوضع السياسي الراهن، وليس لما تقتضيه أحكام القانون والمحاكمات العادلة؛ لأن القضاء أصبح يستقي أحكامه وفقاً للوضع السياسي الراهن.

وعلى الجانب الآخر، أصبح كل منا يبتعد عن الآخر بمرور الوقت؛ وهو أمر لا تتحمل السلطة الحاكمة مسؤوليته وحدها؛ لأننا جميعاً شاركنا في ذلك؛ لأننا لم نعد نحترم آراء الآخرين وأفكارهم، حتى إن كانوا معارضين لنا. لم نعد نتحلى بالتسامح والمرونة والتفهم لآراء الآخرين...

فقدنا كل هذه القيم. لم نترك أي شيء مما كنا نشتكي منه في الماضي إلا وفعلناه اليوم. لم نعد نتحمل حتى من يقفون إلى جوارنا، إن هم اختلفوا معنا في صغائر الأمور. عجزنا حتى عن الجلوس والتناقش بشكل جاد فيما بيننا. 

السؤال الآن، هل ما زالت هناك بارقة أمل، وإن كانت الإجابة بنعم، فمن أين يمكن أن يأتي ذلك؟

كيف يمكننا أن نصل العلاقة بين المجتمع المدني والسياسة والشعب مرة أخرى؟

لا شك أنه ما زالت هناك فرصة لإعادة العلاقة والتواصل بين هذه القوى إلى سابق عهدها؛ فقد كانت الأمور تسير على النحو نفسه قبل عدة أشهر، إلى أن جاء موعد انتخابات غرفة التجارة والصناعة في ديار بكر فاتحد رجال الأعمال في ديار بكر، وتقدَّموا بقائمة أمام القائمة التي رشحتها الحكومة، واستطاعوا بالفعل الفوز في هذه الانتخابات. وهذا يعني أنه ما زالت هناك فرصة لكسب مواقع جديدة.  

بالطريقة نفسها استطاع الفنانون والممثلون، الذين طُرِدوا من مسرح مدينة ديار بكر بعد إغلاقه، أن يحققوا فوزاً جديداً عندما اتحدوا فيما بينهم، وافتتحوا مسرحاً جديداً في المدينة. هناك بعض الأمثلة الأخرى التي، وإن كانت قليلة العدد، إلا أنه يمكننا أن نتخذ منها مثالاً يُحتذى.

يمكننا أن نستمد الشجاعة من هذه النماذج. من أجل هذا، فنحن بحاجة ماسة إلى القيام بالكثير من النماذج المشابهة. نحن بحاجة إلى شعب شجاع وسياسة شجاعة ومؤسسات مجتمع مدني شجاعة كذلك.

نحن بحاجة إلى أن يشعر كل منا بالآخر من جديد. يجب أن تولد لدينا الثقة من جديد في أننا سنجد من يمد لنا يد العون إذا تعرضنا للسقوط. فإذا شعر كل منا بالآخر فسنعود إلى الطريق الصحيح، وبالتالي يولد الأمل من جديد.

في هذه الحالة فقط، يمكننا أن نضع أسساً لنضالنا، استناداً إلى هذا الأمل. فإذا خسرنا المعركة فسيقف كل منا بجوار الآخر ليواسيه، وليشد من أزره.

حينها يمكننا أن نقول "لم ننجح، ولكن كنا جيدين".

ربما يتأخر اليوم الذي نرجوه، ولكن على الأقل سنقول إننا أصبحنا نهتم لأمر بعضنا، ويَشُدّ كل منا على يد الآخر.

نقلًا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah