يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


هيمن رجب إردوغان على مؤسسات الدولة التركية، أطلق رجاله لنهب الدولة وإخضاعها لأهوائه، غرق في وحل الفساد حتى النهاية، لم يكتف بفتح خزائن الدولة ينهل منها أبناؤه ورجال حزبه، جعل للفساد دولة قائمة، بعدما أطلق رجله الأول مجاهد أرسلان للقيام بعمليات الفساد نيابة عن سيده، فتحول إلى ظل الرئيس وذراعه اليمنى، احتكر الكثير من المناصب، ولكن ظلت صورته الملاصقة لإردوغان جواز سفره داخل أروقة الدولة التركية.

أرسلان تحول إلى رجل مهام إردوغان الأول، إذ ذكر ممثل حزب الشعب الجمهوري في واشنطن يوردار أوزجان، في مايو الماضي، أن الرئيس التركي أرسل "أمين سره" مجاهد أرسلان للتفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية، وإقناع إدارة دونالد ترامب، بأنه من الممكن وقف استهداف المواقع الكردية في منطقة جبال قنديل في جنوب تركيا، من أجل جذب الناخبين الأكراد وتأمين فوز مرشح الحزب بن علي يلدريم برئاسة بلدية إسطنبول الكبرى، التي خسرها بعد ذلك أمام مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو.

أوزجان لفت إلى أن أرسلان له تأثير كبير على قرارات إردوغان، الذي يستعين بمعلوماته من أجل شن حملاته، وكان له دور في مفاوضات أنقرة مع العشائر والقبائل الكردية في الفترة بين يونيو ونوفمبر 2015، بالإضافة إلى التفاوض بشأن أزمة منظومة S-400 الروسية، فضلا عن أنه يعتبر كاتم أسرار رجب، والرجل الذي يحظى بثقة الرئيس المطلقة، فمن هو مجاهد أرسلان؟.

علاقة قديمة 
مجاهد أرسلان، كما يحب أن يعرف في وسائل الإعلام والأوساط السياسية، هو رجل الأعمال والسياسي علي إحسان أرسلان، ولد عام 1969 في العاصمة أنقرة، تندرج أصوله إلى مدينة ديار بكر ذات الأغلبية الكردية في جنوب تركيا،. تخرج في مدارس إمام وخطيب، وفي عام 1992 تخرج في قسم الإذاعة والتلفزيون بكلية الاتصال في جامعة أنقرة.

ارتبط أرسلان بمشروع إردوغان السياسي منذ التسعينيات، وفي حوار له مع جريدة "أكشام" التركية، أوضح أرسلان أنه تعرف على إردوغان في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، بفضل الصحافي والسياسي، عمر تشاليك، الذي شغل منصب وزير الثقافة والسياحة بين عامي 2013 و2015، كما شغل منصب وزير شؤون الاتحاد الأوروبي ورئيس المفاوضين الأتراك للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي منذ مايو 2016.

منذ ذلك الوقت تمكن أرسلان من عقل إردوغان، لذا لم يكن غريبا أن يكون من بين مؤسسي حزب العدالة والتنمية في العام 2001، لتظهر علاقته المتينة برجب، بعدما شغل منصب مستشار رئيس حزب العدالة والتنمية، ثم أصبح مستشارًا لإردوغان عند توليه رئاسة الوزراء، وبعدها انتقل معه إلى منصب مستشار رئيس الجمهورية، لم تجد وسائل الإعلام والصحف التركية أمام هذا الصعود الثنائي إلا أن تصف أرسلان بـ"ظل إردوغان"، بسبب العلاقة الخاصة بينهما، فضلا عن رفضه التقاط الصور، فتحول إلى ظل وشبح حقيقي لا على المجاز.

عام 2015، توجه أرسلان إلى مقر حزب العدالة والتنمية في العاصمة أنقرة لتقديم أوراق للانتخابات البرلمانية المقررة في 7 يونيو، وكان من بين الأعضاء الراغبين في الترشح باسم الحزب عن مدينة أنقرة، رئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان، وعثمان جوكتشا نجل رئيس بلدية أنقرة مليح جوكتشا، إلا أن قرار إردوغان كشف عن مكانة أرسلان داخل الحزب، إذ تقرر السماح له بالترشح على مقعد العاصمة التركية.

انتخب أرسلان نائبًا لحزب العدالة والتنمية عن مدينة أنقرة منذ العام 2015 حتى يوم الناس هذا، ليكمل مسيرة والده إحسان أرسلان الذي شغل منصب نائب حزب العدالة والتنمية عن مدينة ديار بكر منذ عام 2002 وحتى عام 2011، وينتمي كابنه إلى تيار العثمانيين الجدد في تركيا.

صداقة شخصية
لم تكن علاقة إردوغان مع مجاهد أرسلان مقتصرة على الحياة العملية والسياسية فقط، وإنما حرص إردوغان على أن يكون في الصفوف الأولى للحاضرين في تشييع جنازة حسن أرسلان، عم مجاهد أرسلان، في يوليو 2010، وذلك بعد عام واحد من نشر موقع "internethaber" الإخباري التركي، معلومة خطيرة بأن أرسلان الذي يمتلك شركة للإنشاءات، أصبح الرجل الوحيد المخول بالتوقيع على الأمور المالية لحزب "العدالة والتنمية"، بعد إردوغان فقط.

إردوغان حضر حفل زفاف مجاهد أرسلان، الذي عقد في 31 أغسطس 2018، بقصر جراغان العثماني المطل على مضيق البوسفور في منطقة بشيكتاش في الشطر الأوروبي من إسطنبول، تزوج أرسلان من كبرى ساروهان ابنة رجل الأعمال التركي الشهير علي زكي ساروهان، والتي تشغل منصب عضو مجلس إدارة جمعية المرأة والديمقراطية.

حفل الزفاف حضره رئيس البرلمان التركي، وقتذاك، بن علي يلدريم، ورئيس بلدية إسطنبول مولود أويسال، ليكون أويسال هو المأذون، وإردوغان ويلدريم هما الشاهدين على عقد القران.

في 10 ديسمبر 2002، أجرى إردوغان زيارة الولايات المتحدة الأمريكية، قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، وحضر مجاهد أرسلان معه اللقاء الذي عقد في البيت الأبيض، وكان طرفه الآخر الرئيس الأمريكي جورج بوش، كانت مشاركة أرسلان في اللقاء أمرا لافتا، بحسب تقرير موقع خبر تُرك، عن رجال رئيس الوزراء في عام 2007.

هذه الخصوصية في العلاقة التي حولت أرسلان إلى كاتم سر إردوغان، عبر عنها الأول في تصريحات عكست طبيعة العلاقة، إذ وصف الرئيس التركي بـ"والدي، وقائدي، وأخي الكبير"، وأضاف: "إنه إنسان طيب القلب، وحساس، وصبور، وجاد في تعامله"، كما دافع عن إردوغان باستماتة في حوار له مع جريدة "ميلليت" التركية، بزعم أن إردوغان المتشبث بالسلطة منذ 2002 لا يبحث عن المناصب، وأن همه هو مصلحة البلاد.

حلقة مفقودة
الغريب في صعود مجاهد أرسلان أنه لم يتأثر بعلاقة أسرته بحركة "الخدمة" ومؤسسها فتح الله جولن، إذ عرف عن والده إحسان أرسلان أنه كان من المقربين من جولن وجماعته، فأرسلان الأب الذي يعد من بين مؤسسي جريدة زمان التركية، تولى رئاسة جمعية التضامن من أجل حقوق الإنسان والمظلومين (Mazlum-der)، المعروفة بقربها لجولن، كما جاء اسمه ضمن قائمة المتورطين في قضية المطرقة (الانقلاب المزعوم على العدالة والتنمية في 2003).

الشاهد الرئيس في قضية المطرقة أورهان أيقوت، قال إن إحسان أرسلان كان زعيمًا لإحدى العصابات المتورطة في مخطط "المطرقة" الانقلابي، كما أن زوج ابنته عائشة أرسلان (شقيقة مجاهد)، رجل الأعمال مولود حلمي تشينار، شغل منصب الرئيس الشرفي لجمعية "Niagra" التابعة لفتح الله جولن، فضلا عن أنه مول مهرجان اللغة والثقافة الذي تنظمه جماعة جولن في الولايات المتحدة الأمريكية.

علاقات أسرة أرسلان بجولن لم تمنع مجاهد أرسلان من أن يصبح رجل إردوغان المؤتمن، بل إن الأخير سرعان ما قرب الوالد إحسان أرسلان، فأصبح مبعوثه لشؤون المدن الواقعة في جنوب شرق البلاد حيث تمركزات الأكراد، ما يطرح سؤالا حول دور عائلة أرسلان داخل جماعة جولن، وهل كانوا مجرد عيون لإردوغان للتجسس على أنشطة الجماعة التي كانت يوما ما في علاقة تحالف مع العدالة والتنمية؟ سؤال لا يملك الإجابة عنه إلا إردوغان وظله.

الوجه الآخر
أرسلان لا يقتصر دوره على أنه كاتم أسرار إردوغان، بل إنه يعد أحد أبرز وجوه الفساد في نظام الرئيس التركي، إذ كشف الكاتب الصحافي دوغان أكين، عن جوانب فساد الرجل الغامض، بعدما نشر تقريرا بعنوان "ويكيليكس وحزب العدالة والتنمية والصحافة في 25 سؤالا" عبر موقع موقع "T24" التركي، بتاريخ 6 ديسمبر 2010، أكد فيه أن وثيقة مسربة بتاريخ 30 ديسمبر 2004، تتحدث عن وقائع فساد داخل حزب العدالة والتنمية متورط فيها عدد من مستشاري إردوغان في مقدمتهم مجاهد أرسلان، بالإضافة إلى أجامان باغيش وعمر تشاليك وجونايد زابصو، وحكمت بولداك مدير القلم الخاص لإردوغان.

مركز الدراسات الاستراتيجية الكردستاني (lekolin.org) نشر خبرًا 19 فبراير الماضي، عن اعترافات أحد عملاء جهاز الاستخبارات التركية المحتجزين لدى القوات الكردية، يحمل الاسم الحركي "مالا".

مالا أوضح في الاعترافات أن جهاز الاستخبارات التركية حصل منه على مبلغ  مليون دولار أمريكي، مقابل الإفراج عن شقيقه المعتقل بتهمة حيازة 400 كيلو من مخدر الهيروين، وتابع: "حصل جهاز الاستخبارات على مبلغ مليون دولار أمريكي. وأرسل هذا المبلغ إلى مجاهد أرسلان. لم ألتق به وجهًا لوجه. ولكن عند التفاوض مع فريق الاستخبارات الذي سيفرج عن أخي، قالوا لي إن مبلغ مليون دولار أمريكي هو نصيب السيد مجاهد أرسلان".

العميل المخابراتي تابع: لم يكن هذا الفريق مقتصرًا على واقعتي أنا فقط، وإنما تمكن من الإفراج عن العديد من المتهمين في قضايا المخدرات، مقابل دفع الأموال التي يذهب معظمها إلى أرسلان، الذي يستغل نفوذه داخل أجهزة الدولة للإفراج عن تجار المخدرات.

واستطرد قائلا: "هذه المجموعة تتكون من ثلاثة عناصر: العنصر الأول هم رجال المخابرات المسؤولون عن القبض على تجار المخدرات والتفاوض مع الأهالي، الثاني هم المحامون، بعد إتمام التفاوض يرسلون الأهالي إلى مجموعة من المحامين يدفعون لهم الأموال، العنصر الثالث والأهم هو مجاهد أرسلان، الذي يقوم بحل القضية داخل أروقة وزارة العدل. بعد ذلك يتم الإفراج عن المتهم".

Qatalah