يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يبدو أن خطاب التحريض والعنصرية، الذي يتبعه رجب إردوغان، تجاه أرمنيا، قد أتى أكله، فلم يكتفِ الأتراك بذبح نحو مليون ونصف مليون  أرمني قبل نحو مئة عام خلال الحرب العالمية الأولى، بل يعيدون الآن الاعتداء عليهم، وكأن التاريخ يعيد نفسه.

رجلان ملثمان يحملان سكينًا، هاجما امرأة أرمنية تعيش في إسطنبول، مما أسفر عن إصابتها بجروح، وحذر الرجلان المرأة الأرمنية قائلين: "هذه مجرد بداية"، ولحسن الحظ سمع الجيران صراخها، حسب موقع "persecution" الأمريكي. 
وقبل شهرين من الهجوم، تم وضع علامة على منزل هذه المرأة وزوجها مصحوبة برسالة تهديد، والتي تضمنت خطابًا يُحرّض على الكراهية يستهدف الأرمن.

أمر شائع
تعد أعمال التخريب المتعمدة لمنازل وكنائس الأرمن أمرا شائعا في تركيا، حيث تشجع الدولة الدعاية التي تبرر الإبادة الجماعية للأرمن، مما يعزز الاعتقاد بأن الأرمن أقل شأنًا من كونهم مواطنين من الدرجة الثانية، ويستحقون إخراجهم من تركيا.
تحقق الشرطة في هذا الحادث، لكنها ليست حالة اضطهاد فردية تستهدف الأرمن. في وقت سابق من شهر مايو، عرضت البرامج التلفزيونية المدعومة من الدولة إكراه طفل مسيحي أرمني لتغيير دينه. 
في الوقت نفسه، تواصل أنقرة التدخل في الانتخابات البطريركية الأرمنية، مما يجعل الكنيسة رهينة الرغبات السياسية للحكومة التركية.

كنا أصدقاءً للأقليات
الكاتبة التركية الين أوزيليان قالت: إن الأرمن الموجودين في تركيا، الذين بدأوا حياتهم الاجتماعية منذ السابعة من العمر، تحيط بهم نظرات "الموظفين" الذين تم تعيينهم في مدارس الأقليات تلك ومراقبتهم إياهم والتضييق عليهم، بل وكلامهم لهم "إنكم جميعًا أبناء الأرمن".
أضافت في مقال على موقع "أحوال" أكتوبر الماضي: "الأرمن الذين يعيشون في إطار دولة ونظام دائمًا ما يراهم خطرًا وتهديدًا له".
أشارت إلى أن تركيا جميعها كانت أصدقاء للأرمن والأقليات، بما في ذلك الشعب والأحزاب السياسية حتى مجيء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، كانت ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان. لطالما أفسد حزب العدالة والتنمية طعم كل شيء.
تابعت: "الأرمن الذين يتعرض أصدقاؤهم للضرب عند القبض عليهم لكونهم يساريين، يتعرضون هم للضرب مرتين لأنهم أرمنيون. الأرمن الذين سمعوا أثناء تعرضهم للتعذيب شتائم مثل "وكأن كونه أرمينيًا لا يكفي، بل وينادى باليسارية".

إبادة جماعية
ويحاول إردوغان، تبرئة بلاده من مجازر الإبادة الجماعية ضد الأرمن، حيث قتل 1.5 مليون أرمني على يد جنود الإمبراطورية العثمانلية، في عام 1915، في حين ترفض أنقرة الرواية الأرمنية، زاعمة أن المجاعة والحرب الأهلية وقطّاع الطرق هي السبب في مقتل نحو 500 ألف أرمني، أثناء تهجيرهم خلال الحرب العالمية الأولى.

ووصف الرئيس الأمريكي الأسبق ثيودور روزفلت، في العام 1918، مذبحة الأرمن بـ"أبشع جرائم الحرب في التاريخ"، وحمّل الأتراك مسؤوليتها قائلًا: "عدم التحرك ضد تركيا يمثل تغاضيًا عنها. إن الفشل في التعامل بشكل جذري مع الجرائم المروعة التي ارتكبها الأتراك يعني أن كل ما يُقال عن ضمان تحقيق السلام في العالم في المستقبل ما هو إلا هراء".
في الذكرى 104 لمذابح الأرمن في الرابع والعشرين من أبريل الماضي، خرج إردوغان بتصريحات غريبة فبدلا من أن يعتذر لأحفاد الضحايا، بدا وكأنه يعيّرهم أن بعض أجدادهم تمكنوا من الفرار، وتفرقوا في بلاد العالم.
إردوغان تحدث خلال الذكرى الأخيرة لمذابح الأرمن بما أثار غضب الطائفة المنتشرة حول العالم، وقال في الاجتماع التشاوري والتقييمي الـ28 لحزب العدالة والتنمية في أنقرة اليوم، إن ادعاءات مذابح الأرمن غير حقيقية، وإلا "لما كان هناك ملايين الأرمن منتشرين في أرجاء العالم حاليا".
الرئيس التركي لجأ إلى لغة المراوغة للتهرب من الاعتراف بالإبادة، قائلا: "تهجير الأرمن ليس إبادة جماعية ولا كارثة كبرى، بل هو عبارة عن حادثة أليمة"، ولفت إلى أن قرار تهجير الأرمن كان وسيلة احترازية للحيلولة دون وقوع مآسٍ كبيرة في ذلك الوقت، متهمًا الأرمن بخيانة العثمانيين بالقتال مع الروس خلال أحداث الحرب العالمية الأولى.
تابع: "لو كانت المزاعم الأرمنية حقيقة، لما كنا اليوم نتحدث عن ملايين من الأرمن يعيشون في مناطق واسعة من أوروبا وأمريكا وشمال إفريقيا والقوقاز"، وحاول تخفيف حدة الجريمة قائلا: إن بعض الآلام الكبيرة وقعت "نظرا للظروف الصعبة التي تمت فيها عملية التهجير في تلك الفترة"، وشدد على أن المكان المناسب للبحث عن الحقيقة والنقاش حول تلك الأحداث، ليست مقار البرلمانات والحكومات، وإنما دوائر الأرشيف، والمخول بذلك هم المؤرخون والعلماء.

إبادة جماعية ثانية
مع اشتداد حدة الحرب الأهلية في سورية، يجد الأرمن أنفسهم مرة أخرى مجبرين على مغادرة منازلهم، واضطر العديد منهم إلى الرحيل إلى أرمينيا أو لبنان أو بلدان غربية. وقد أجرى الصحافي التركي سيردار كوروجو مقابلات مع عدد من الأرمن الذين غادروا مدينة حلب السورية للاستقرار في أرمنيا ودوّن قصصهم في كتاب صدر حديثا تحت عنوان (أولئك الغائبون عن حلب).
ووصف الأرمن الذين فروا من حلب الوضع هناك بأنه إبادة جماعية ثانية. وقال كوروجو في مقابلة مع (أحوال تركية): "لقد كان الأمر مؤلما جدا بالنسبة لهم، لقد دمر تنظيم الدولة الإسلامية النصب التذكاري لضحايا الإبادة الجماعية الذي كان قد شيد في موقع معسكرات الاعتقال (العثمانلية) في دير الزور. ونظر الأرمن إلى تلك الخطوة باعتبارها تهديدا مباشرا وعلنيا لهم".
وخلال الحرب، أصبحت الأحياء الأرمنية في حلب معزولة عن بقية أجزاء المدينة. وقال كوروجو: "بعض هذه الأحياء تقع وسط المناطق التي تسيطر عليها جماعات المعارضة، لذلك مع كل قصف من هنا أو هناك، تسقط القنابل على أحد الأحياء الأرمنية، وهو ما أسفر عن مقتل وإصابة الكثير من الناس، وكذلك تدمير المباني والكنائس".

Qatalah