يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


امتلك مفهوم "الحداثة" -ولا يزال- شحنات إيجابية يستمدها من طرحه التقدم والارتقاء بديلا عن الجمود والتخلف، وعلى الرغم من ذلك فإن نظرياته التي وضعتها أوروبا في القرن التاسع عشر حوت بين تفاصيلها ما يقود في النهاية إلى أفعال تتنافى والإنسانية بل تبرر إبادة البشر. 
فرض القرن التاسع عشر بملابساته التاريخية على العثمانيين إعادة النظر في وضع دولتهم التي أصابها الوهن، فقد انهارت العسكرية التركية ووضحت الفوارق السحيقة بينها وبين الآليات الحربية الحديثة في غرب أوروبا، وتراخت القبضة الحاكمة لإسطنبول على ولاياتها إلى حد الاستقلال عنها، وثارت النزعات القومية في الإمبراطورية للمطالبة بالحرية، وبعد محاولة فاشلة من السلطان محمود الثاني للاستعانة بالأيديولوجية الإسلامية والتسمي بالخلافة، استقر القصر أخيرا على الأفكار الأوروبية لإنقاذ الوضع المتهالك.
 
حرب ضد المساواة
لم يمهل القدر محمود الثاني كثيرا لإتمام نواياه التحديثية، وترك المهمة لابنه "عبد المجيد الأول" فشرع في إطلاق ما يعرف بعصر "التنظيمات" وهي حزمة من القوانين الحداثية المستمدة من التشريع الأوروبي استبدلها بالقوانين القائمة على الشرع الإسلامي، وقد كان من نتائج التحول أن فرضت المساواة لأول مرة بين مواطني الدولة العثمانية بغض النظر عن الدين أو العرق وكذلك تم إحلال التعليم الغربي الحديث بدلا من الإسلامي التقليدي.
أنتج عصر التنظيمات نخبة عثمانية يمكن وصفها بأنها "أوروبية" التكوين المعرفي والتوجه ومعادية للدور الاجتماعي للإسلام، و"ماسونية" تؤمن بالإنسان الحر وتسعى إلى الاستحواذ على الدولة وجرها إلى سياقاتها. 
في عصر التنظيمات من 1839 إلى 1876، تبنت النخبة العثمانية نظريات الحداثة الأوروبية إيمانا بدور الأخيرة في نهضة الغرب ورغبة في نهضة مماثلة. تمثلت أهم تلك النظريات في "الوضعية" التي عمقها الفيلسوف الفرنسي "أوجست كونت" والتي تسعى لرفع العلم بديلا عن الدين في المجتمع، ثم "المادية" خاصة في نسختها الألمانية والتي تجعل "المادة" محركا ومفسرا وحيدا للعالم، وكل منهما  الأولى والثانية دفعت العثمانيين إلى الإلحاد. وأخيرا مبدأ "البقاء للأقوى" الذي صاغه الفيلسوف الاجتماعي البريطاني "هيربرت سبنسر" وآمن بالتمايز بين الأعراق وقاد الدولة العثمانية إلى ادعاء تفوق العرق التركي "الطوراني" على سائر شعوب الإمبراطورية ثم إلى مذابح جماعية لم تزل آثارها ماثلة إلى اليوم.
 
"البقاء للأقوى" والقومية التركية
لقد آمنت النخبة التركية بمبدأ سبنسر بإخلاص وتطرفت في إيمانها ذاك، حيث رأت في ذلك المبدأ اللا إنساني معينا عظيما لتطوير نظرية قومية متطرفة عرفت باسم "الطورانية" تناهض السياسات الإسلامية المعلنة للسلطان عبد الحميد الثاني.
في جريدة "الترك" القومية المتطرفة الصادرة من القاهرة، كان يوسف أكشورا من خلال كتاباته في الجريدة المنظر الرئيس لنظرية التفوق العرقي التركية، فقد دعا إلى نبذ النظام "العثماني" و"الأيديولوجية الإسلامية" لعبد الحميد الثاني وإحلال "القومية التركية" محلهما، مؤكدا أن خلاص الإمبراطورية الوحيد يكمن في إعادة تأسيسها كدولة "تركية" يكون فيها العرق الطوراني السيد والمتحكم بينما يظل المسلمون من غير الأتراك من "العرب والأكراد" والمجموعات المسيحية في اليونان أو البلقان أو حتى شرق الأناضول حيث الأرمن في مرتبة اجتماعية أدنى تجعلهم في حالة خضوع وانسحاق كاملين، وأن أية محاولة لمخالفة ذلك عقابها "الإبادة" أو "النفي" في أيسر الأحوال.
ابتداء من عام 1906 تحولت دعوات التفوق العرقي للأتراك إلى المرشد الأيديولوجي لأفراد جمعية الاتحاد والترقي، ولما انتهى حراكهم بالانتصار في انقلاب 1908 وتعزز بعزل السلطان عبد الحميد الثاني عام 1909، تحولت الطورانية من التنظير إلى الفعل.
 
 
مذابح الأرمن 1915
استحوذ أعضاء الاتحاد والترقي على حكم الدولة العثمانية وسيروها سياسيا وفكريا، ولما أعلنوا دخول تركيا في الحرب العالمية الأولى بالتحالف مع ألمانيا القيصرية أمكن للمنظرين الأتراك أن يمارسوا نظرية الصفاء الاثني على الأرض، وكان الأرمن بمثابة حقل التجارب.
في أبريل 1915 تلقت القوات التركية هزيمة ثقيلة أمام نظيرتها الروسية وأصبح الطريق مفتوحا أمام الأخيرة لابتلاع الأناضول وتهديد العاصمة إسطنبول، في تلك اللحظة تولدت الخشية لدى قيادات حكومة الاتحاد والترقي "أنور باشا، جمال باشا، طلعت باشا" من أن يمد الأرمن يد العون إلى الروس خاصة أنهم لطالما أعلنوا ولاءهم سياسيا لقياصرة روسيا، لذلك خرجت الأوامر بتهجير سكان القرى الأرمنية من المناطق الجبلية شرق الأناضول إلى الصحراء السورية قبل وصول الروس، ولما وصلت القوات المنفذة للقرار بدأت أولا بتهجير محدود للشباب ممن يستطيعون حمل السلاح وتم إعدام معظمهم لاحقا.
تسببت الجريمة في اندلاع مقاومة أرمنية مسلحة انكسرت في قرية زيتون قرب مدينة مرعش، واتخذتها قيادات الاتحاد والترقي ذريعة للتهجير الشامل للأرمن من مناطق سكنهم منذ ألفي عام دون التفريق بين المسلحين والعزل أو مراعاة السن والحالات الصحية.
وفي طريقهم إلى المنفى تعرض الأرمن المقدر عددهم بنحو مليون شخص إلى شتى أنواع القتل والاغتصاب والموت جوعا وعطشا، بل إن البقية الباقية منهم التي وصلت إلى مخيمات دير الزور المعدة لاستقبالهم تعرض الآلاف منهم للموت فيها نتيجة للأوبئة ونقص الإمدادات الغذائية، ورغم الاختلاف الواسع حول عدد ضحايا فإن أقل التقديرات تصل بالرقم إلى نصف مليون قتيل على الأقل.
 
 
تمثل مذبحة الأرمن التطبيق الأبرز للإيمان العثماني بمبدأ البقاء للأقوى وما تبعه من أفكار الصفاء الاثني للأتراك والاعتقاد في وجود تبرير فلسفي لفعل الإبادة والتطهير العرقي. وإلى اليوم لا تزال تركيا الحديثة ممثلة في الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وذراعه السياسية حزب العدالة والتنمية إسلامي الهوى والتوجه تحاول التنصل من المسؤولية التاريخية للأتراك عن تلك الجريمة من خلال إغلاق الأرشيف الوطني التركي أمام جمهور الباحثين للتعتيم على التفاصيل الكاملة للحادثة. هذا على الرغم من أن توجهات الحزب تختلف عن نظيرتها عند الاتحاد والترقي قبل مئة عام، إلا أنه من الواضح أن الغطاء الإسلامي يخبئ أسفله نفس النزعة القومية المتطرفة القديمة وأن لعبة الأيديولوجيات التي عاشتها أنقرة على مدار القرن العشرين بين القومية والإسلام ربما لم تغير شيئا من حقيقة التطرف التركي في تضخيم الأنا أوتمجيد الذات.

Qatalah