يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


دبر الرئيس التركي رجب إردوغان ورئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان، فخا للمؤسسة العسكرية عام 2011، إذ دأبا على النظر إليها بوصفها شوكة في طريق أطماعه الاستبدادية. 

المؤامرة بدأت بمفاوضات سرية مع حزب "العمال الكردستاني"، لعقد اتفاقيات سلام ومصالحة مع الأكراد بهدف دعمه في انتخابات 2012، الأمر الذي كان يرفضه الجيش جملة وتفصيلا، لكون تلك الفترة شهدت معارك دامية بين الجيش والحزب فقد على إثرها مئات القتلى من الطرفين.

سعى إردوغان وذراعه الشيطانية "فيدان" لوقف العمليات العسكرية تجاه حزب العمال الكردستاني، لكنهما كانا بحاجة إلى ذريعة لتنفيذ الخطة ، اتفقا على تقديم جهاز الاستخبارات التركية معلومات خاطئة لرئاسة هيئة الأركان، حول احتمال هجوم "إرهابي" لفهمان حسين، أحد زعماء تنظيم حزب العمال الكردستاني، في بلدة "أولو درة" بمنطقة روبوسكي التابعة لمدينة شرناق التركية الحدودية مع العراق.

الوقوع في الفخ
وقعت المؤسسة العسكرية في الفخ، وأرسلت طائرتين حربيتين من طراز إف- 16 منتصف ليلة 28 ديسمبر 2011، إلى بلدة أولو درة، لاستهداف ما يعتبرونه نقاط تجمع المسلحين، ليتضح بعد ذلك أنه تجمع لمدنيين أكراد من تركيا، وأسفر القصف عن قتل 34 مدنيا بينهم 17 قاصرا.

حاول الجيش غسل يده من المجزرة، أرسلت رئاسة الأركان للقضاء العسكري، تقريرا ذكر أنه اعتمد في العملية على إحداثيات قدمها له جهاز الاستخبارات حول احتمال هجوم "إرهابي" لفهمان حسين، أحد زعماء تنظيم حزب العمال الكردستاني في منطقة "أولو درة"، وهي من لعبت دورا أساسيا في وقوع القصف الخاطئ.


 

أوضحت صحيفة "جمهوريت" أن هيئة الاستخبارات الوطنية وجميع الهيئات التابعة لها نفت إرسالها أية معلومات للقوات العسكرية الموجودة في المنطقة تفيد بأن مجموعة إرهابية، تخطط لتنفذ هجوما تركيا، لتحمل الجيش بذلك مسؤولية المجزرة، ما جعل موقف الجيش ضعيفا تجاه أية قرارات تخص مفاوضات الدولة مع الأكراد.

أثارت الواقعة غضب الرأي العام، وطالبت المعارضة التركية بفتح تحقيق على الفور، إلا أن طلبهم تم إعاقته ورفضه من قبل إردوغان نفسه، إذ كان رئيسا للوزراء.

كما اتهم وزير الداخلية إدريس نعيم شاهين، في ذلك الوقت، رجال المخابرات، واصفا الحادثة بـ"مؤامرة مدبرة من قبل الجهاز ضد الجيش"، ولفت إلى أن مسؤولا رفيع المستوى في الاستخبارات أعطى معلومات للقوات المسلحة تفيد بأن أحد قياديي العمال الكردستاني البارزين سينفذ هجوما إرهابيا، وبناء على ذلك قصفت المقاتلات الجوية مجموعة من المهرّبين على أنهم إرهابيون.

 

تنفيذ المخطط في"أولو درة"
تمكن إردوغان من تنفيذ مخططه ففي عام 2012، أمر بوقف العمليات العسكرية ضد الأكراد وحزب العمال، تمهيدا لإتمام المصالحة التي تخدم بلا شك خطته، وبالفعل بدأ بتكليف رئيس مخابراته ببدء مفاوضات السلام مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوغلان، ثم بعد ذلك تخلص من وزير الداخلية إدريس شاهين، معلنا إقالته.

المفاجأة الجديدة كانت فيما كشفته الصحف المعارضة في ذلك الوقت، عن أن إيران كان لها يد في مجزرة "أولو درة"، ما أكده رئيس المخابرات العسكرية السابق، إسماعيل حقي بكين، في رده على سؤال "هل تأتيكم معلومات استخباراتية من الدول الأجنبية؟"، فقال: "رئيس المخابرات هاكان فيدان كان يقدم لنا معلومات استخباراتية مصدرها إيران عن المنطقة الجبلية الواقعة في المثلث التركي العراقي الإيراني"، ما يعني أن طهران متورطة في المجزرة، وأنها كانت مستفيدة من المفاوضات التي كانت تجريها أنقرة مع حزب العمال. 

ومنذ نشأ حزب العمال الكردستاني في سبعينيات القرن الماضي وهو يمثل شوكة في خاصرة الحكومات التركية المتعاقبة، إذ يستهدف الحصول على دولة مستقلة للأكراد في تركيا، الأمر الذي ترفضه أنقرة، وقد لقي أكثر من 40 ألف شخص حتفهم منذ اندلاع الصراع بين الطرفين الذي وصل إلى ذروته أواسط التسعينيات. 

ودمرت آلاف القرى الكردية في جنوب شرقي وشرقي تركيا، ما اضطر مئات الآلاف من الأكراد للنزوح إلى أجزاء أخرى من تركيا، غير أن حزب العمال تراجع عن مطلبه الأولي باستقلال المناطق الكردية داخل تركيا، وصار يدعو إلى حصول الأكراد الأتراك على الحكم الذاتي.

وتمكنت تركيا من اعتقال أوغلان عام 1999، ووجهت له تهم الخيانة العظمى، وبعد المفاوضات السرية التي أجراها إردوغان من الحزب عام 2013 طالب أوغلان أنصاره بوقف إطلاق النار والانسحاب من المناطق التركية، لكن وقف إطلاق النار انتهى عام 2015 عندما شنت تركيا غارات جوية ضد معسكرات حزب العمال الكردستاني شمالي العراق. 

سعى إردوغان من وراء الاتفاق السري مع حزب العمال، الظهور بمظهر "الرجل القوي" الذي هزم "حزب العمال الكردستاني" وأجبرهم على التفاوض معه والسلام، إلى جانب تحقيق مكاسب سياسية وانتخابية.

Qatalah